مسائل متعلقة بحكمه

بواسطة : كلمات

مسائل متعلقة بحكمه:

1- شروطه:

وشروط الحج خمسة: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة.

قال ابن قدامة رحمه الله: “لا نعلم في هذا كله اختلافاً”([1]).

أ- الإسلام:

فلا يجب الحج على الكافر، ولا يصح منه لقوله تعالى: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَـٰتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَـٰرِهُونَ} [التوبة:54].

قال ابن سعدي رحمه الله: “الأعمال كلها، شرط قبولها الإيمان، فهؤلاء لا إيمان لهم ولا عمل صالح”([2]).

ب- العقل:

لأن العقل شرط للتكليف، قال صلى الله عليه وسلم: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المعتوه حتى يعقل))([3]).

ج- البلوغ:

للحديث السابق، فلا يجب على الصبي ولكن يصحّ منه فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: رفعت امرأة صبياً لها فقالت: يا رسول الله ألهذا حج، قال: ((نعم، ولكِ أجر))([4]).

قال الترمذي رحمه الله: “أجمع أهل العلم أن الصبي إذا حج قبل أن يدرك فعليه الحج إذا أدرك، لا تجزئ عنه تلك الحجة عن حجة الإسلام”([5]).

وقال ابن المنذر رحمه الله: “أجمع أهل العلم ـ إلا من شذ عنهم ممن لا يعتدّ بقوله خلافاً ـ على أن الصبي إذا حج في حال صغره ثم بلغ أن عليه حجة الإسلام، إذا وجد إليها سبيلاً”([6]).

د- الحرية:

فالعبد المملوك “غير مستطيع؛ لأن السيد يمنعه بشغله بحقوقه عن هذه العبادة، وقد قدم الله سبحانه وتعالى حق السيد على حقه رفقاً بالعباد ومصلحة لهم”([7]).

قال الترمذي رحمه الله: “أجمع أهل العلم ... وكذلك المملوك إذا حج في رقه ثم أعتق فعليه الحج إذا وجد إلى ذلك سبيلاً، ولا يجزئ عنه ما حج في حال رقّه”([8]).

وقال ابن المنذر: “أجمع أهل العلم ـ إلا من شذ عنهم ممن لا يعتد بقوله خلافاً ـ أن العبد إذا حج في حال رِقه ثم عتق أن عليه حجة الإسلام، إذا وجد إليه سبيلاً”([9]).

هـ- الاستطاعة:

أجمع أهل العلم على أن الاستطاعة شرط لوجوب الحج([10])، لقوله تعالى: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران:97]، ولأن التكليف بما لا يطاق منتف شرعاً وعقلاً([11]).

وقد اختلف العلماء رحمهم الله في الاستطاعة العامة على قولين:

القول الأول: أن الاستطاعة هي: الزاد والراحلة، وممن ذهب إلى ذلك الحنفية([12])، والشافعية([13])، والحنابلة([14]).

واستدلوا: بحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ما يوجب الحج؟ قال: ((الزاد والراحلة))([15]).

والقول الثاني: أنه لا يشترط وجود الزاد والراحلة، بل يجب الحج على القادر على المشي إن أمكنه الوصول بلا مشقة عظيمة زائدة على مشقة السفر العادية، وهو الصحيح من مذهب المالكية([16]).

وقالوا: إن الحديث الذي فيه ذكر الزاد والراحلة لا يثبت.

قال ابن العربي موضحاً معنى الاستطاعة: “فإن السبيل في اللغة هي الطريق، والاستطاعة ما يكسب سلوكها وهي صحة البدن ووجود القوت لمن يقدر على المشي، ومن لم يقدر على المشي فالركوب زيادة على صحة البدن ووجود القوت...”([17]).

وقال القرطبـي: “وأما المستطيع بنفسه وهو القوي الذي لا تلحقه مشقة غير محتملة في الركوب على الراحلة فإن هذا إذا ملك الزاد والراحلة لزمه فرض الحج بنفسه، وإن عدم الزاد والراحلة أو أحدهما سقط عنه فرض الحج...”([18]).

وقال الشوكاني: “وقد اختلف أهل العلم في الاستطاعة ماذا هي؟ فقيل: الزاد والراحلة وإليه ذهب جماعة من الصحابة، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم، وهو الحق... ومن جملة ما يدخل في الاستطاعة دخولاً أولياً أن تكون الطريق إلى الحج آمنة بحيث يأمن الحاج على نفسه وماله الذي لا يجد زاداً غيره، أما لو كانت غير آمنة فلا استطاعة لأن الله سبحانه يقول: {مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران:97]، وهذا الخائف على نفسه أو ماله لم يستطع إليه سبيلاً بلا شك ولا شبهة...”([19]).

وقال الشنقيطي رحمه الله: “الذي يظهر لي والله تعالى أعلم أن حديث الزاد والراحلة، وإن كان صالحاً للاحتجاج لا يلزم منه أن القادر على المشي على رجليه بدون مشقة فادحة لا يلزمه الحج إن كان عاجزاً عن تحصيل الراحلة، بل يلزمه الحج لأنه يستطيع إليه سبيلا، كما أن صاحب الصنعة التي يحصل منه قوته في سفر الحج، يجب عليه الحج لأن قدرته على تحصيل الزاد في طريقه كتحصيله بالفعل.

فإن قيل: كيف قلتم بوجوبه على القادر على المشي على رجليه دون الراحلة، مع اعترافكم بقبول تفسير النبي صلى الله عليه وسلم السبيل بالزاد والراحلة، وذلك يدل على أن المشي على الرجلين ليس من السبيل المذكور في الآية؟

فالجواب من وجهين:

الأول: أن الظاهر المتبادر أنه صلى الله عليه وسلم فسر الآية بأغلب حالات الاستطاعة، لأن الغالب أن أكثر الحجاج أفقيون، قادمون من بلاد بعيدة، والغالب عجز الإنسان عن المشي على رجليه في المسافات الطويلة وعدم إمكان سفره بلا زاد، ففسر صلى الله عليه وسلم الآية بالأغلب، والقاعدة المقررة في الأصول أن النص إذا كان جارياً على الأمر الغالب لا يكون له مفهوم مخالفة، ولأجل هذا منع جماهير العلماء تزويج الرجل ربيبته التي لم تكن في حجره قائلين: إن قوله تعالى: {ٱللَّـٰتِى فِى حُجُورِكُمْ} [النساء:23] جرى على الغالب، فلا مفهوم مخالفة له كما قدمناه مراراً، وإذا كان أغلب حالات الاستطاعة الزاد والراحلة، وجرى الحديث على ذلك، فلا مفهوم مخالفة له، فيجب الحج على القادر على المشي على رجليه، إما لعدم طول المسافة، وإما لقوة ذلك الشخص على المشي، وكذلك يجب على ذي الصنعة التي يحصل منها قوته في سفره، لأنه في حكم واجد الزاد في المعنى، والعلم عند الله تعالى.

الوجه الثاني: أن الله جل وعلا سوى في كتابه بين الحاج الراكب والحاج الماشي على رجليه. وقدم الماشي على الراكب، وذلك في قوله تعالى: {وَأَذّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىٰ كُلّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلّ فَجّ عَميِقٍ} [الحج:27]”([20]).

وخصال الاستطاعة التي تشترط لوجوب الحج قسمان: شروط عامة للرجال والنساء، وشروط تخص النساء.

فأما الشروط الخاصة بالنساء فهي: وجود المحرم، وأن لا تكون معتدةً عن طلاق أو فاة.

قال الكاساني رحمه الله: “وأما الذي يخص النساء فشرطان، أحدهما: أن يكون معها زوجها أو محرم لها، فإن لم يوجد أحدهما لا يجب عليها الحج. والثاني: أن لا تكون معتدة عن طلاق أو وفاة”([21]).

وقسم بعض أهل العلم([22]) هذه الشروط إلى ثلاثة أقسام:

1. شرطان للوجوب والصحة وهما: الإسلام والعقل، فلا يجب الحج ولا يصح من كافر ولا مجنون.

2. شرطان للوجوب والإجزاء وهما: البلوغ وكمال الحرية، فلو حج صبي أو رقيق صح منهما ولا يجزئ ذلك عن حجة الإسلام.

3. شرط وجوب: وهو الاستطاعة، فلا يجب على غير المستطيع، لكن لو تكلّف من استوفى باقي الشروط صحّ منه وأجزأ عنه.

2- هل الحج واجب على الفور أم على التراخي؟

اختلف العلماء رحمهم الله في ذلك إلى قولين:

القول الأول: أنه يجب على الفور، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف([23])، والمالكية في أصح القولين([24])، والحنابلة([25]). وإليه ذهب ابن تيمية([26])، وابن باز([27])، وابن عثيمين([28]).

واستدلوا بما يلي:

1- قوله تعالى: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} [آل عمران:97].

2- وقوله صلى الله عليه وسلم: ((أيها الناس: إن الله كتب عليكم الحج فحجوا))([29]).

قالوا: والأصل في الأمر أن يكون على الفور، ولهذا غضب النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية حين أمرهم بالإحلال وتباطؤوا.

3- ولأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، فقد يكون الآن قادراً على أن يقوم بأمر الله عز وجل، وفي المستقبل يكون عاجزاً.

4- ولأن الله أمر بالاستباق إلى الخيرات فقال: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} [المائدة:48]، والتأخير خلاف ما أمر الله به([30]).

القول الثاني: أن وجوبه على التراخي، وبه قالت الشافعية ([31])، ومحمد بن الحنفية([32]).

واستدلوا بما يلي:

1- قالوا: إن الله فرض الحج في السنة السادسة، ولم يحج النبي صلى الله عليه وسلم إلا في السنة العاشرة.

2- وقالوا: إن الله فرض الحج وجعل فرضه مطلقاً.

3- القياس على الصلاة في الوقت إن شئت صلها في أول الوقت، وإن شئت فصلها في آخره، والعمر هو وقت الحج، فإن حج أول العمر، وإن شاء أخره.

والراجح ـ والله أعلم ـ القول الأول.

([1]) المغني (5/6). وانظر: بداية المجتهد لابن رشد (1/139). وبدائع الصنائع (2/120-123، 160). والمجموع للنووي (7/17-25)، ومغني المحتاج (1/461-465)، وكشاف القناع (2/440-450).

([2]) تيسير الكريم الرحمن (2/255).

([3]) أخرجه أحمد (1/154)، وأبو داود في: الحدود، باب: في المجنون يسرق أو يصيب حداً (4403) من حديث علي رضي الله عنه، قال الترمذي (4/32): “والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم”. وصححه الألباني في الإرواء (297).

([4]) أخرجه مسلم في: الحج، باب: صحة حج الصبي، وأجر من حج به (1336).

([5]) سنن الترمذي (3/256).

([6]) انظر: المغني لابن قدامة (5/44) بتصرف.

([7]) من كلام ابن العربي في أحكام القرآن (1/287).

([8]) سنن الترمذي (3/257).

([9]) انظر: المغني (3/257) بتصرف.

([10]) انظر: شرح العمدة لشيخ الإسلام (2/124- المناسك).

([11]) انظر: بدائع الصنائع (2/121)، بداية المجتهد (1/327)، المجموع (7/48) كشف القناع (2/386).

([12]) انظر: بدائع الصنائع (2/121-125)، اللباب (1/177)، الدر المختار (2/194-199).

([13]) انظر: مغني المحتاج (1/463-470)، المهذب (1/196-198).

([14]) انظر: المغني (5/8-9)، كشاف القناع (2/450-454).

([15]) أخرجه الترمذي في: الحج، باب ما جاء في إيجاب الحج بالزاد والراحلة (813)، وابن ماجه في المناسك، باب: ما يوجب الحج (2896)، والبيهقي في الكبرى (5/58)، قال الترمذي: “هذا حديث حسن، والعمل عليه عند أهل العلم، أن الرجل إذا ملك زاداً وراحلة، وجب عليه الحج”. وله طرق كثيرة فصّل القول فيها الشيخ الألباني في الإرواء (4/160-167)، وقال الحافظ في الفتح (3/443): “قال ابن المنذر: لا يثبت الحديث الذي فيه ذكر الزاد والراحلة”، وقال ابن تيمية في شرح العمدة (1/129 – المناسك): “فهذه الأحاديث مسندة من طرق حسان ومرسلة وموقوفة تدل على أن مناط الوجوب وجود الزاد والراحلة”، وقال الشوكاني في النيل (5/13): “ولا يخفى أن هذه الطرق يقوي بعضها بعضاً، فتصلح للاحتجاج”، وقال الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان (5/89-91) ما حاصله: “الذي يظهر لي والله تعالى أعلم أن حديث الزاد والراحلة المذكور ثابت لا يقل عن درجة الاحتجاج، ويؤيد ذلك أن مشهور مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد الاحتجاج بالمرسل، ويؤيده أيضاً الأحاديث المتعددة التي ذكرنا وإن كانت ضعافاً لأنها تقوي غيرها، ولا سيما حديث ابن عباس، فإنا قد بينا أنه لا يقل عن درجة الاحتجاج”، وقال الألباني رحمه الله: “وخلاصة القول: إن طرق هذا الحديث كلها واهية، وبعضها أوهى من بعض، وأحسنها طريق الحسن البصري المرسل، وليس في شيء من تلك الموصولات ما يمكن أن يجعل شاهداً له لوهائها، خلافاً لقول البيهقي بعد أن ساق بعضها”.

([16]) انظر: الشح الكبير (2/5-10)، الشرح الصغير (2/10-13)، بداية المجتهد (1/309)، أضواء البيان.

([17]) أحكام القرآن لابن العربي (1/288).

([18]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبـي (4/148).

([19]) فتح القدير للشوكاني (1/362).

([20]) أضواء البيان (5/92-93).

([21]) بدائع الصنائع (2/123-124) باختصار.

([22]) انظر: المجموع للنووي (7/19-49)، وحاشية ابن قاسم على الروض (3/503-504).

([23]) انظر: الدر المختار (2/191) وما بعدها، بدائع الصنائع (2/119).

([24]) انظر: الشرح الصغير (2/4).

([25]) انظر: كشاف القناع (2/65)، والمغني (3/218) وما بعدها، حاشية الروض (3/505).

([26]) انظر: شرح العمدة (2/198- المناسك).

([27]) انظر: فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز، جمع الشويعر (16/348 و358).

([28]) انظر: الشرح الممتنع (7/16).

([29]) أخرجه مسلم في الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر (1337) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([30]) الشرح الممتع (7/15-16).

([31]) انظر: المجموع (7/82) وما بعدها، مغني المحتاج (1/460 و470).

([32]) انظر: بدائع الصنائع (2/119).