كيف تعيشون  ؟

بواسطة : رجاء ريان

أخذت بالسير بين الأزقة ادخل واخرج من أماكن سادها هدوء أشعرني بخوف، ولأني أزورها
لأول مرة بدت لي طرقها شبيهة بلعبة المتاهات.
وأثناء سيري هناك رأيت شابا من بعيد يجر عربة، وينظر إلي بعيني الاستغراب، وعندما
اقترب سألني عن وجهتي، فأخبرته بذهابي إلى بيت السيدة أم صبري في حارة القريون في
البلدة القديمة لنابلس، فأكد لي أني الآن في حارة الياسمينة، وأشار إلى الطريق
المؤدي للقريون،بالرغم من تحذيره الملح علي بعدم الذهاب إلى هناك بسبب التمركز
اليومي لجيش الاحتلال الإسرائيلي في مباني تلك المنطقة، لكن تحذيره هذا ما زادني إلا
إصرارا لدخول الحارة، واستكشافها ومبانيها التي رسمت على جدرانها ابتسامة شهداء
قدموا دمائهم دفاعا عن الوطن وحارتهم الحبيبة.
صعدت درجات وهبطت أخرى باحثة عن بيت السيدة أم صبري، ولكن لا جدوى من البحث والسؤال
لعدم الثقة التي أظهرها الكثيرين من أهالي الحارة عند سؤالي عن بيت السيدة، وبعد
رحلة العناء في البحث عن البيت جاءت سيدة أظهرت لي طيبة لم أرها في وجه من سبقها،
فبدت وكأنها المنقذ الذي سيرشدني بعدما يئست بالفعل من العثور على هذا المنزل،
أرشدتني إلى بيت السيدة أم صبري بعد عناء طويل.
وصلت البيت المراد صعدت درجات البيت بصمت وترقب. طرقت الباب بعد تردد، وفتحت أم صبري
كانت شاحبة الوجه بدا عليها آثار التعب والإجهاد، أدخلتني إلى غرفة يفترض بأنها
للضيوف، كانت قديمة جدا ومن جدرانها العثة والمنمقة بالبقع السوداء والملونة تنبعث
رائحة الرطوبة النتنة التي وما مكثت الجلوس حتى أصبت بصداع في رأسي مذ شممتها،
وتساءلت كيف لأهل هذا البيت الذي يقطنه تسعة إفراد العيش فيه.
والحمد الله ألف مرة على ما نحن به من نعمة، فكل ما في البيت ينضح بالخراب ويصرخ من
شدة سوء الحال، الأثاث الرث والفرش الممزق، والجدران التي تسكب الألم من شقوقها
الممزقة والحمام الذي اتخذ من المطبخ مكانا له وضعه وضع الثلاجة هناك والبعوض الذي
يسرح في الأجواء حال ما أسوء منه حال.
البيت الذي يضم أربعة غرف بين كل اثنتين أربعين درجة، فالغرفتين المعلقتين في الأعلى
لايمكن الاستفادة منهما لشدة الرطوبة وخاصة في فصل الشتاء الذي يسنح لمائه فرصة
الطواف فيهما، وفي الصيف لا يعرف البيت خيوط شمس دافئة.
تسعة أفراد ينامون جميعا في غرفة واحدة الأب والأم والأبناء يجتمعون على فراش واحد
ويزدحمون معا على بقعة الطعام واللباس فماذا سيحفظ هؤلاء من ماضيهم إلا ذكرى أليمة
عصية على النسيان؟
من يستمع لشكوى هؤلاء ؟من ينقذ أمثالهم من لحمة الألم والفقر والحاجة؟ فتلك الشابة
تأخذ الدواء بسبب مرضها(الربو) البخاخ بيدها كنت أود في أن آخذه منها ففي ذاك الوقت
شعرت بالحاجة إليه، لحظات جعلتني هكذا، فماذا تقول هذه الفتاة التي عاشت 17 عاما من
عمرها هاهنا؟
في البيت هم خمسة مصابين بالربو وهي إحداهم، يتألق السواد تحت أعينهم، وترهقهم لحظات
التعب والمرض، لترسم على ملامح وجههم شيخوخة الصبا إن صح تعبيري.
أخرج من ذلك المكان، وأنا أرتد قليلا إلى ذاكرتي، ويطن سؤالي لتلك الفتاة ليضرب
أحاسيسي، كيف تعيشون؟ لتجيبني مع ابتسامة شاحبة من قلة الموت.