ذاكرة ثائر

بواسطة : حسين عوض

أعلم جيدآ أن أبا خالدلابد وأن يكون أحد المدعوين قي حفل تكريم المجاهدين , فقد كان أحد
ثوار الستة وثلاثين عاش ست سنوات بين الجبال , وعندما غادر فلسطين في الثمانية وأربعين
كان حزنه كبيرآ , لاشيء أعاد الفرحة إلى قلبه إلا القرار الصائب الذي اتخذه , سيكون
فدائيآ يستطلع لعمليات وينفذها في قلب فلسطين , نفذ قراره فكان أحد فدائيي الوطن لمدة
تزيد على عشر سنوات منذ أواسط الخمسينات وحتى أواسط الستينات.
ذهبت مع صديقيً مشينا على الرصيف العام اتجهنا غربآ قاصدين بيته , وبعد مسافة ليست
قصيرة وصلنا , وجدناه أمام الدار سلمت عليه بقولي :
- مرحبآ ياأبا خالد.
- أهلآ يا أبا مروان , تفضلوا.
أصر كعادته على دخول مضافته , صب القهوة المرة , لف سيجارة ودفع علبة التبغ باتجاهنا
وجهه المتهلل يفيض بالبشر والمرح , طلب عمل الشاي , فقلت:
- لا يا أبا خالد نحن في عجلة من أمرنا , شربنا قهوتك وان شاء الله( دايمة) , جئناك
لتشاركنا هذه المرة حفل تكريم الثوار , وأنت أول شخص ندعوه , أمامنا برنامج كبير.
- اتشرف بالحضور سأتي بالوقت المحدد.
أبلغناه بمكان الحفل وقبل أن نغادر بيته , طلب الينا أن نعود ثانية ليحدثنا حديثآ خاصآ
عن أيام زمان , في المكان المحدد حضر قبل المدعوين , تذكرت وعده مازال أمامنا وقت
لبداية الحفل فقلت في نفسي إنها فرصة مناسبة , اعطيته طرف الخيط , قلت له جملة واحدة
ذكرته بماضيه , أنا أعلم من خلال علاقتي معه , ان هذه الجملة مفتاح جيد لحيث طويل ,
وبالفعل لم يكذب ظني , تململ قليلآ في جلسته , انتفض كالباشق الذي استعاد صحته وقوته ,
لقد استعاد أبو خالد بذاكرته الماضي دفعة واحدة , هل سيتحدث عن ثوار الستة وثلاثين وأنا
أعلم جيدآ أنه كان أحدهم أم عن هزيمة الثمانية والأربعين أم عن الفدائيين في الستة
وخمسين , وكما توقعت أختار أن يتحدث عن الماضي البعيد بعض الشيء , عن ثورة الستة
وثلاثين.
قال:
ذات ليلة نصبنا كمينآ مع غروب الشمس بين بيت جن الواقعة غرب صفد ويما القريبة من طبريا
, كان معي اثنان هما علي أبو عمر وخالد أبو السعود , كمنا في الزرع بانتظار قدوم بعض
اليهود
, واحد منا يرفع برأسه قليلآ ويخبرنا , بقينا هكذا مدة تزيد على ساعتين , قال أبو
السعود أرى من يتقدم , صاح أبو عمر إنهم ثلاثة يهود مسلحين , قلت:
- لاتطلقوا النار عليهم الآن دعوهم يقتربون أكثر. سددنا جيدآ وتركناهم حتى صاروا على
بعد عشرة أمتار , كل واحد منا عليه أن يحقق هدفه سددت مصوبآ بندقيتي تجاه الأول , وسدد
أبو عمر صوب الثاني وأبو السعود صوب الثالث خلال لحظات قليلة حققنا هدفنا , وأتجهنا
صوبهم أخذنا سلاحهم وذخيرتهم وغادرنا المكان بسرعة. في هذه اللحظة بدأ اطلاق النار
تجاهنا , انطلق من الكبانية الغربية مترافقآ مع نباح الكلاب البوليسية , تابعنا طريقنا
شمالآ بينما أبو السعود يرش الفلفل الأحمر.
بعد أشهر طويلة من هذه العملية نفذت ذخيرتنا , نصبنا كمينآ على الطريق المارة , رأى أبو
عمر شخصآ يقترب يدخن سيجارته , في الليل تظهر النار على بعد , فأول ماشاهدنا جمرة
سيجارته تقترب منا , وعندما صار على بعد أمتار قليلة , قفزت واوقفه , بينما رفيقاي
يسددان بنادقهما صوبه , طلبت إليه أن يعطينا خمس ليرات لشراء ذخيرة , اطمأن وأخرج مافي
جيبه ليرة واحدة أعطاها وهو مسرور , لأنه ظن أن هجومنا تجاهه قد يكلفه حياته , اشترينا
عشرة أمشاط مما أدى إلى إعادة الفرحة من جديد إلى قلوبنا.
بعد يومين توجهنا إلى ( حيزات بايت ) قرب مركز البوليس لاقتناص ثلاثة جنود يهود يحرسون
الكبانية ذات الأبنية العالية المبنية من الحجر الأسود, لها بوابتان واحدة من الشرق
والأخرى من الجنوب, أقتربنا ونحن ننظر إلى وجوه بعضنا بعض , اقتربنا من البوابة
الجنوبية حيث الهدف, أطلقنا النار وهربنا.
في بداية الصيف وصلتنا معلومات حول ورشة من اليهود تقدر بثلاثين عاملاً يعملون في كسارة
مابين الحمام وطبريا , تحركنا بعد منتصف الليل , راقبنا المنطقة جيداً , مع خيوط ذاك
النهار , طلوا في مقدمتهم مسلح يحرسهم , صوبت بندقيتي وأطلقت سقط على أثرها , تابعنا
إطلاق النار فسقط منهم حوالي ثماينة , إنسحبنا نحو الجبال القريبة , بعد قليل جاءت
دبابة صوبت رشاشها نحو السفح الذي نحتمي بصخوره التصقنا خلف أشجار السنديان والصخور حتى
توقف إطلاق النار وإنسحبت الدبابة.
تسللنا بحذر صوب المنارة وأقتربنا من سرجونية , أتعبنا المشوار كثيراً عطشنا ونشف ريقنا
, شربنا بقية الماء من مطرة أبي عمر المخبأة في المغارة , أسترحنا ثم توجهنا قاصدين بيت
حسن أبو دهيس شيخ لوبيا , في بيته إلتقينا مجموعة من الثوار تبادلنا أطراف الحديث وهكذا
حتى حظر القائد الشيخ يحيى انصت إلى كلامنا وسمع منا مالم يكن يتوقعه , أعجب بنا , وطلب
إلى أبي دهيس أن يزودنا ببنادق جديدة وذخيرة كافية وهو يقول:
إنهم أبطال يستحقون منا كل تأييد . شربنا قهوتنا وتناولنا الطعام ثم غادرنا لوبيا
معززين مكرمين , بعد أسبوع أخبرنا أحد اللوابنة , بأن الأنكليز حضروا إلى بيت أبي دهيس
واتهموه بإيواء الثوار ومساعدتهم , حددوا الزمان الذي حظرنا فيه , قال له الضابط
الإنكليزي:
أمامك حلان إما أن تسلمنا الثوار أو تدلنا عليهم. رد أبو دهيس.
- حرام ياناس ألا يكفيهم خراب البيوت , جئتم تطلبون مني مالا املكه ولا علم لي به,
الذي أخبركم بذلك غلطان.
لم يقتنع الضابط ( طلب أخيرآ أسماء الثوارومن أي بلد).
- أنا لست عميلاً لديكم أفعلوا ماشئتم. عندها نفذوا تهديدهم وحرقوا سبعين بيتاً , ظهرت
روح التعاون والأخوة وجمع أهل لوبيا المساعدات وقدموها للمنكوبين.
تابع أبو خالد حديثه على الرغم من توافد عدد من المدعويين , قال: هذه المرة كان هدفنا
الباص الذي ينقل اليهود مابين يما وطبريا , مع طلوع الفجر لغمنا جسراً يقع بينهما
سيمرون فوقه, وانتظرنا, بعد ساعتين أطل الباص عن بعد , هللنا بصوت واحد الله أكبر
وبقينا نترقب وصوله للجسر , بعد لحظات وصل وسرعان ماتحول إلى سحابة دخان عاليه وكتلة
حديد ارتمت على يمين الشارع , هبت النار وتصاعد اللهب والدخان الأسود , شممنا رائحة
الشواء , كانت رائحة كريهة , ثم سمعنا أصوات أبواق مختلفة , ومن بعيد رأينا سيارات
الإسعاف والنجدة.
صمت قليلاً , الشاي جاهز لف أبو خالد سيجارته وناولني كيس التبغ ربًتُ على يده وقلت له
, لقد تركت الدخان , وأنصحك بتركه يا أبا خالد. ابتسم ووضع يده على لحيته وقبل أن ينطق
حرفآ واحدآ قلت له , لنكمل دعك من ذلك. هل سمعت يا أبا مروان بعملية النحماني.
- اسمع بالنحماني التاجر اليهودي الذي يسكن في طبريا ويشتري الأرض لصالح المؤسسة
الصهيونية , كان يدفع بالدنم الواحد من سبع ليرات إلى عشر ليرات فلسطينية.
- صدقت يارفيق .
- النحماني له بيت مميز , اضواؤه ملونة , محصن يشبه ثكنة عسكرية , حوله أشجار الحور
وداخله بعض الدوالي والأشجار المثمرة , رسمنا خطة الدخول إلى بيته , وجدنا في حوش داره
الشمالية ثلاثة غزلان. قال أبو عمر : مارأيكم بذبح غزال وأكل لحمه , إن لحم الغزلان
مكتنز فيه شيء من الحموضة وطعمه لذيذ. أجبته : لا يا أبا عمر , هل نسيت أننا أبلغنا
القيادة بتنفيذ العملية هذه الليلة , وعيب علينا إفشالها من أجل بطوننا.
- كما تريد يا أبا خالد. تركنا الحوش الشمالي وأقتربنا من البيت الجنوبي , بعد أن دخلنا
فتشنا عن مكتبه , نظرت إلى الأعلى كانت النجوم تشع بأضوائها وطبريا راقدة على مخدة
بحيرتها , الوقت يقترب من طلوع الفجر , الندى الصباحي يغسل وجوهنا , دفعنا باب الغرقة ,
كانت محكمة الاغلاق , فدفعناه بقوة فوقع الباب أرضآ , وجدنا أوراقآ وكتبآ وأجهزة
اتصالات وغيرها , مددنا خيوطآ قطنية مغموسة بالزيت في أرجاء المكتب وعلى نوافذ الغرف
المجاورة , أشعلنا النار وابتعدنا , أضاءت ألسنة النيران المنطقة , انسحبنا بحذر وسرعة
وجلسنا نراقب مايحدث , سمعنا صفارات الانذار وسلطت الأضواء الكاشفة على المكان والاماكن
المجاورة , سيارات النجدة تفتح صوت أبواقها المزعجة طائرة مروحية أو أكثر تجوب المكان
وتلقي بالقنابل المضيئة , وبعد لحظات جاءت طائرة أو أكثر من سمخ , الطائرات المروحية
تجوب المكان وتنيره , التصقنا بالأرض , وبعد ساعة ونصف الساعة غادرت الطائرات الجو , في
حين اُطفئت النار التي حولت كل شيء إلى رماد.
قرر الرفاق أن يبدؤوا الإحتفال , همس أبو خالد في اذني سأحدثك عن عملية حيزات كيبر بعد
انتهاء الإحتفال. تهلل وجه أبي خالد , إنه معروف من قبل أبناء المخيم , كانوا يسلمون
عليه ويأخذون مكانهم.. في نهاية الإحتفال ظل أبو خالد مكانه تذكرت وعده , جلست إلى
جانبه , وتحلق حولنا بعض الشبان.
- هل تعرف طبريا يا أبا مروان؟
- أنا لاأعرف بلدي جب يوسف خرجت منها وعمري عام واحد.
- في طبريا حارة تسمى حيزات كيبر , في وسط هذه الحارة التي سكنها اليهود بناء كبير
اجتمع فيه الجنسان , لهذا البناء سور عال , الباب الرئيسي مغلق وعلى الاسطح العالية
أربع نقاط حراسة الوقت منتصف الليل اصوات الغناء والرقص والضحكات تصل اسماعنا , فتأكدنا
بأنهم شربوا وسكروا بعد قليل سمعنا الأغنية التالية بلهجتنا:
نحنا بنات صهيون وسلاحنا المسنون زنود عريانة ونهود مليانة. الحراس الأربعة فقدوا
أعصابهم , كانوا ينزلون يشربون ويرقصون ثم يعودون إلى مكانهم ثملين فاقدي توازنهم ,
ونحن فقدنا صبرنا , السور لايبعد عنا سوى خمسة أمتار أو أكثر قليلآ , كل واحد منا يحمل
قنبلتين ومسدسآ وبارودة , خلال لحظة واحدة قذفنا ثلاثة قنابل يدوية فارتفع جعيرهم
وصراخهم فناولناهم الثلاثة الآخر. صمت الغناء وانطلقت سحابة مغبرة. غطت المنطقة ,
توجهنا شرقآ , ولم تعرف الخسائر... جاءت كعادتها سيارات الاسعاف.
عند هذا الحد شعر انه انهى حديثه نظر إلى وجهي وأردف قائلآ: ست سنوات يارفيقي ونحن
كالضباء والفهود والوعول نعيش في الجبال , لم نترك شجرة إلا وجلسنا في فيئها وصخرة إلا
وحمتنا من رصاصهم , نذهب إلى بيوتنا كل شهرين أو ثلاثة , ندخل بيوت اصدقائنا نأكل ونشرب
ونشتري الذخائر , سنوات هي كل حياتي مليئة بالفرح والابتسامة والأمل.
تصور يا أبا مروان ماحدث معي ذات مرة , دخلت بيتي لأحضر زوادة وبعض التموين , ولأطمئن
على أهلي , استرحت قليلآ وطلبت ماءآ ساخنآ لحلاقة ذقني , كانت شقيقتي ( الله يذكرها
بالخير) لاتهدأ تراقب الطرق , لاأراها إلا حين الدخول والخروج , فهي تخاف عليً من
المفسدين , انهيت الجانب الأيسر من حلاقة ذقني , فإذا بها تصيح ( اهرب ياأخي اشاهد عشرة
يرتدون لباسآ اردنيآ يقتربون من بيتنا ويأخذون وضعية القتال) عرفت أنهم يهود يرتدون
الزي الأردني لخداعنا , هربت والتصقت بحفرة قريبة , سألوا عني , داروا حول البيت دورة
كاملة نظروا نحو اليمين واليسار ولما لم يجدوا أحدآ غادروا , عدت وأكملت الحلاقة وأخذت
مااحتاجه , عشت شهرآ بعدها في نمرين , حننت إلى صاحبيً خالد وعلي , التقينا واتفقنا على
هدف جديد هو مضخة الماء التي يمتلكها اليهود في يما , اسرعنا إلى هناك لم نجد الحرس ,
بحثنا عنه وجدناه مختبئآ في الزرع , شلحناه سلاحه وقلنا له أبلغ قيادتك بأننا مررنا من
هنا.
سأله أحد الرفاق عن مأمور الأحراش الذي كان يتعاون مع الانكليز ويبلغهم مايراه وما
يسمعه. نظر إليً وهو يهم بالخروج , قال الا يكفي هذا؟
- كما تريد يا أبا خالد ولكنني أحبذ أن أسمع منك الكثير . لم يجلس حدثنا وهو واقف خوفآ
من الاسترسال بالحيث أكثر , قال: في ليلة شتائية عاصفة , الغيوم تملأ السماء , الرياح
تصفر والأرض موحلة ومطر خفيف يجعل الرؤية معدومة , أغلقنا أعيننا لنتعود على الظلام ,
بعدها بدأنا نميز , الزرع مازال يجاهد لينمو أكثر , هناك نصبنا كمينآ مع الفجر , جاء
كعادته على فرسه يتلفت يمينآ ويسارآ , تقدم باتجاهنا , وجهت بارودتي ووضعت رأسه هدفآ ,
ضغطت بأصبعي على الزناد , سقط عن ظهر الفرس واطلق النار , ولكنه مالبث أن هدأ بعد قليل
, ركض خالد أحضر بندقيته وفرسه غادرنا سريعآ خوفآ من نقطة البوليس القريبة من الحادث ,
دخلنا الأحراش وابتعدنا.
سلم أبو خالد علينا , ووجهه يصافح النورشعر أن مهمة الثوار لم تنته بعد فنام تلك الليلة
نومآ هادئآ وحلم أحلامآ سعيدة.