من تراثنا الفلسطيني ..

بواسطة : مأمون أحمد مصطفي

اللعبة الأولى \”حاكم جلاد\”

دوات اللعبة:-
1- ورقة بيضاء مقسمة إلى أربعة قطع بالتساوي، بحيث تكون متشابهة بالشكل والحجم، ويمنع وجود علامة فارقة على أي من الأوراق، وإذا ما تضررت أي من الأوراق بشكل يجعلها ملحوظة ومعروفة، يعاد قص ورقة جديدة حتى تكون الأمور سائرة ومتوائمة مع شروط اللعبة.

2- مسطرة أو عصا أو حزام، أو أي أداة ممكن استخدامها للضرب والجلد، ولكن اشهر ما كان يستخدم للجلد هو الحزام أو أي قطعة من الجلد.

عدد اللاعبين:-
أربعة لاعبين من الذكور أو الإناث أو من الذكور والإناث معا.

طريقة اللعب:-
يكتب على كل ورقة من الأوراق المقسمة كلمة تدل على صفة حاملها والمهمة التي ستوكل إليه حسب قوانين اللعبة، فالورقة الأولى تحمل صفة الحاكم، والثانية تحمل اسم المفتش، والثالثة تحمل اسم الجلاد، والرابعة تحمل لفظ اللص.

تطوى الأوراق على شكل مربع أو مستطيل متشابه، وتجري قرعة لمن يحق له البدء باللعب، وحين تستقر القرعة على شخص معين يأخذ الأوراق ويغلق يديه عليها برفق ويبدأ بعملية خض الأوراق داخل اليد المغلقة، ثم يقذفها داخل دائرة الأطفال ويحركها بيديه حتى لا يكون هناك أي مجال للغش أو التنبؤ بطبيعة الورقة، ويبدأ كل من الأولاد بانتقاء ورقة خاصة به، ثم يفتح الجميع أوراقهم، فمن امتلك صفة الحاكم يكون هو صاحب الحق في توجيه السؤال الأول لبقية الأولاد، ويكون السؤال:- \” أين المفتش \”؟ فيجيب المفتش:- \” حاضر سيدي \” فيسأل الحاكم:- \” أين اللص \”؟ وهنا تكون مهمة المفتش محفوفة بالمخاطر، لأنه المسؤول عن كشف اللص، فإذا ما اخطأ فانه سيواجه العقاب الذي كان من المفترض أن يواجهه اللص.

في هذه اللحظة المشحونة بالتوقع، يكون اللص غارقا بأمل الخطأ من المفتش، ويكون المفتش ملفعا بالحيرة التي قد تقوده للخطأ، فتراه يبحث في وجهي الولدين عن توتر أو قلق قد يقوده إلى التحقق من اللص، وحين يطول الانتظار يصرخ الحاكم بقوة:- \” أيها المفتش أين لصك \” فيضطر المفتش لاختيار احد الاثنين إما اعتمادا على الحظ الكامل، وإما اعتمادا على فراسته.

عندها يفتح الولدين ورقتيهما، فان كان جواب المفتش صحيحا فانه يطلب من الحاكم أن يأمر الجلاد بجلد اللص، وهنا يكون من حق الحاكم تحديد عدد الجلدات دون أن يمتلك اللص الحق بالرفض أو الاعتراض. ولكن إذا تم في بادىء الأمر تحديد عدد الجلدات كقاعدة للعبة، فان الحاكم يملك الحق في تقرير عدد الجلدات من واحد إلى العدد الأقصى الذي تم الاتفاق عليه، ولا يكون له الحق بتجاوز العدد الذي تم الاتفاق عليه.

وهناك أيضا اتفاق يتم على نوعية الجلد ودرجته في بعض الأحيان، كأن يكون الجلد برفق، أو متوسط، أو قوي، ويبقى الحاكم محتفظا بتحديد نوعية الجلد ودرجته، وكذلك عدد الجلدات. ويكون الجلد في اغلب الأحيان رقيقا إذا ما اكتشف أن اللص فتاة.

أما إذا اخطأ المفتش بتحديد اللص كأن يشير نحو الجلاد، فيكون لزاما على الحاكم أن يأمر بجلد المفتش عقابا على إهماله وعدم قدرته على تحديد اللص بنفس القواعد والقوانين السابقة.

وهكذا تنتهي اللعبة لتبدأ لعبة جديدة.

تحليل اللعبة:-

تتميز هذه اللعبة بالبساطة الشديدة، فهي لا تحتاج إلى أي ميزة من ميزات الاحتراف، كما أنها لا تحتاج إلى مهارات خاصة تدعو للتميز أو التفوق، لكنها بنفس الوقت تحمل كما من المشاعر التي تنتاب اللص الذي يتوقع من الحاكم أن يقرر كم الألم الذي يستطيع أن يجعله يحسه إذا ما قرر عددا كبيرا من الجلدات بالإضافة إلى درجة الجلد وقوتها، وكذلك ترى مشاعر الحاكم وهو يستبد في حكمه، أو يتهاون في الحكم، أما الجلاد فانه مأمور من الحاكم، لذلك فان الحكم على مشاعره يكون مقيدا بالأمر الصادر إليه، في حين يكون المفتش موزعا بين الرجاء والخيبة حين يطلب منه تحديد اللص، فتراه يدقق في الملامح، ويتردد في إصدار قراره خوفا من الوقوع في الخطأ الذي سيقوده للجلد بدلا من اللص.

ورغم بساطة اللعبة وعفويتها، فان الأولاد لا يعدمون وسيلة من اجل التحايل على القوانين، كأن يتفق بعضهم قبل البدء بتحديد عدد بسيط من الجلدات مع اخذ ارق نوعية وأرفقها، ويكون العكس إذا ما خرج الخيار من دائرتهم إلى الدائرة الأخرى، وكذلك استعمال الغمز أو الإشارة إلى بعض بالأيدي بإشارة يكون متفقا عليها قبل البدء في اللعبة، ولكن إذا ما تم اكتشاف الغش فانه يكون من حق الحاكم أمر الجلاد أن يجلد الغشاش عقابا له على غشه.

ولكن الملفت للنظر في هذه اللعبة- وجميع ألعاب الطفولة- أنها تمتاز بدقة وثبات قوانينها، كما تمتاز بضرورة الالتزام بتلك القوانين التزاما جبريا وتاما، ومن يحاول التنصل من تلك القوانين وعدم الالتزام أو الانصياع لها، فانه يقابل بالنبذ والإقصاء من مجتمع الألعاب، ويكون ذلك بتعميم اسمه وجرمه على الأطفال الباقين كي ينبذوه من حلقاتهم ودوائرهم، وهذا بدوره يعتبر قانونا يمكن استحضاره واستخدامه في حالة الطوارىء.

لذلك كان مجتمع الطفولة مجتمع متطور متقدم في تشريعاته وقوانينه، بل وكان أقسى من مجتمع الكبار، لان الطفل لا يستطيع الاستغناء عن ساحة اللعب لوقت طويل، مما يضطره للتراجع وقبول العقاب الذي تنصل منه سابقا مع العقاب المضاف كي يتم الصفح عنه، وحين انتقل للألعاب الأخرى فان القواعد ستظهر كقوانين وتشريعات أتت من التجربة والخطأ لتستقر كقوانين يمنع العبث فيها أو تحويرها، وستبدو قساوة القانون وشراسته في بعض الألعاب، مما يؤكد ويدلل على أن الطفولة لم تكن بمعزل عن تصارعات النفس والحياة المتشابكة مع القوانين والتشريعات الملزمة.

وكما يوجد لهذه اللعبة قوانين، فإنها تمتلك أيضا مصطلحات خاصة بها، مصطلحات تتحكم بطريقة الكلام وطبيعة الأمر الموصوف، فمثلا حين يسأل الحاكم:- \” أين المفتش \” فعلى المفتش أن يجيب تحديدا:- \” حاضر سيدي \”. وهناك مصطلحات خاصة باللعبة مثل:-

من قاع الدست.
ويقصد بذلك أن تكون الجلدات بأقوى ما يملك الجلاد من قوة.

زي الريشة.
ويقصد بذلك أن تكون الجلدات ناعمة على اليد نعومة الريشة.

لازم تسلخ سلخ.
تعبير عن قوة الجلدات التي يجب أن تسلخ الجلد من شدة قوتها.

على أي حال فهذه اللعبة كما أشرت سابقا من الألعاب البسيطة التي لا تتضمن كما كبيرا من القوانين أو المصطلحات الخاصة، لكنها لعبة عذبة، لها جوها الخاص، ومشاعرها وانفعالاتها الخاصة، فالجلوس متربعا على حصيرة القش وصوت المطر وهو يسقط على ألواح الصفيح \” الزينكو \” وكانون النار وفرقعة الكستناء إضافة إلى رائحة الطبخ وانبعاث بخاره، كل هذه الأمور كانت تشكل إطارا خاصا يجعل اللعبة تتموج فيه وكأنه جزء من تركيبتها وقانونها. فاللعبة مجموعة من الأحاسيس المتعاضدة المتكاتفة التي تتشكل من محاور اللعبة ومحيطها.