المسجد: أدواره وأهدافه

بواسطة : حسن الأشرف

المسجد هو المنارة التي يسترشد بها كل مؤمن في حياته، ومنه يستمد مقوماته الدينية ويعرف أصوله ومبادءه. والمسجد يعتبر مكونا أساسيا للمسلم، إذ يوجهه في مختلف ميادين حياته وينير له سبيل الهدى وطريق الرشد.. والمسجد أيضا هو المنطلق الرئيسي للإنسان الذي يرغب في شق طريقه في الحياة باطمئنان وراحة بال. لقد كان المسجد دوما بمثابة المدرسة والمعهد والجامعة وكل ما يحتاجه المرء في التكون والتحصن من جميع ما قد يهدد عقيدته أو حياته. إن الهدف الأسمى من بناء المساجد في الإسلام هو عبادة الله وحده. قال تعالى: "وإن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً" آية 18 من سورة الجن. وليست الغاية من المساجد الأمور التعبدية فقط بل أيضا النهوض بمستوى المسلمين علميا وخلقيا بما يلقى فيه من مواعظ ودروس على لسان فقهاء المسلمين وعلمائهم الذين ساروا على هدي نبيهم. يقول الدكتور غوستاف لوبون في كتاب حضارة العرب الذي ترجمه محمد زعيتر: "وكما أن مساجد المسلمين مركز للاجتماع وملجأ للغرباء ومرجع للمرضى، هي كذلك مكان للتعليم، وفي اصغر المساجد يعلم الأولاد وتعد المساجد الكبيرة من الجامعات التي لا تقل عن جامعات أوربية أهمية. إن أهم ما ينبغي تثبيته في قلوب الناس هو العقيدة التي تعتبر رحى الإيمان والمسجد طبعا هو المكان المناسب لترسيخ مفهوم العقيدة وما تتطلبه. ولقد ذكر الله عز وجل عُمار المسجد في القرآن الكريم ووصفهم بأصحاب العقيدة الصحيحة. قال عز من قائل: "إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخشى إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين". لقد حدد الله تعالى صفات عمار المساجد في الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ولا يخافون إلا هو سبحانه. إنهم المهتدون حقا.. وتلك هي ركائز العقيدة الصحيحة، وعمار المسجد لا تكون بالحضور إلى المسجد جسدا بلا روح، وإنما عمارة المسجد تستوجب من المسلم توفره على عقيدة قوية تجعل ارتباطه بالمسجد ارتباطا متينا كارتباط الروح بالجسد. وقال الله سبحانه وتعالى: "في بيوتٍ أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع ذكر الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب". هذه أوصاف أخرى للمؤمنين الذي يعمرون المسجد. إنهم رجال تربوا في كنف الإسلام وشَبُّوا على اتباع معالم العقيدة الإسلامية النيرة، لا تلهيهم تجارة ولا لهو ولا بيع عن ذكر الله في المسجد. يقول الدكتور محمد ناصر بوحجام في مجلة نزوى عدد 6 نونبر 2001 أن القائمين على المساجد ينبغي أن يؤسسوا عملهم على قواعد أساسية أبرزها: زرع محبة الله ورسوله في القلوب حتى تقبل على طاعة الله والاستجابة لأوامر رسوله الكريم، فالإنسان يحترم من يحب ويستحيي إن يخالف أوامره، ومحبة الله تستلزم طاعته، وأيضا تربية الناس على الإيمان بوحدانية الله والإيمان باليوم الآخر وهي قاعدة ذهبية على المربي أو الموجه أن يعتمدها في تربيته، ثم التركيز على عظمة الخالق وقدرته غير المحدودة في إبداع الكون. إن مخاطبة الناس على أساس هذه القاعدة ستسير بالقلوب في طريق العبادة الصحيحة وتسهم في تذكير الناس بأفضال الله عليهم. يقول عبد الرحمان النحلاوي: "إن ذلك يثير في النفس الانفعالات الربانية كالخضوع والشكر ومحبة الله والخشوع له ثم تأتي العبادات والسلوك المثالي تطبيقا عمليا للأخلاق الربانية". والمسجد أيضا كان لو دور مهم في نهضة الأمة، إذ كان وما يزال في قلب كل المقاومات ضد المستعمرين عبر التاريخ، فلقد شكل المكان الملائم لتشكيل نواة المقاومة الشعبية في زمن الحروب الصليبية والغزو المغولي والغزو الاستعماري، وانطلقت المقاومة ضد الغزو الصليبي في مصر من المساجد وقاد المقاومة علماء الأمة في حركة جهادية انتصرت على الأعداء. وكذلك فعل علماء الموصل ودمشق وحلب أيام صلاح الدين الأيوبي. أما في زمننا هذا فقد لعب المسجد أيضا دورا مهما في ثورة القسام عام 1936 حيث كان جامع الاستقلال أول مكان تنظم فيه خلايا المقاومة وإداراتها ضد المحتل الصهيوني. كما أن المسجد أيضا يلعب دورا حساما وقائيا ضد المخدرات والآفات الاجتماعية الخطيرة ودور المسجد يكمن أساسا في حفظ العقل من الانغماس وراء الملاهي والمعاصي والآثام وبالتالي الإعراض عن ذكر الله.