الاعلان الاسلامي

بواسطة : حسن الأشرف

¤ الاعلان الاسلامي
¤
¤ الإعلان اصطلاحا وسيلة غير شخصية لتقديم الأفكار أو السلع أو الخدمات بواسطة جهة معلومة مقابل أجر مدفوع. وهو فن يعتمد على الإغراء، إغراء الأفراد والجماعات المستقبلين سواء الحقيقيين أو المحتملين، كما أن الإعلان عموما يعتبر نشاطا اتصاليا متكامل الأركان، فهو يتكون من رسالة معينة تحمل مضمونا محددا برموز معينة يصدرها طرف وتستقبلها أطراف أخرى، وتقصد الرسالة الإعلانية تأثيرا معينا على الفرد المستقبِل، وتختلف وسائل الإعلان باختلاف وسائل الاتصال من إذاعة وتلفزيون وصحف ومجلات ودوريات ووسائل أخرى متنوعة، والإعلان بصفة عامة هو نشاط اقتصادي تأثيري يجمع بين المنتج والوسيط والجمهور المستهلك. ومخطئ من يعتقد أن الإعلان نشاط سهل أو اعتباطي، إنما هو فن وصناعة مركبة وتحتاج قدرات تقنية وعلمية وفنية حتى يكون الإعلان ناجحا ويؤدي وظائفه التي من أجلها تم إيجاده.
¤ هل هناك رؤية إسلامية للإعلان؟ وهل هناك إعلان إسلامي بهذا المفهوم العام؟ والجواب إيجابي طبعا. نعم، هناك رؤية إسلامية تأصيلية للإعلان، ويمكن البدء بإحدى النصوص النبوي الشريفة فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مر ذات يوم على صبرة طعام في سوق المدينة فأدخل يده الكريمة فيها فوجد فيها بللا، فقال “ما هذا يا صاحب الطعام؟” أجابه: أصابته السماء يا رسول الله. فقال له رسول الله عليه الصلاة والسلام: “أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس، من غشنا فليس منا”. من خلال هذا الحديث الشريف، يتبين لنا كيف ينظر الإسلام إلى الإعلان، فالرجل البائع كان يعلن عن سلعته بطريقة غير سليمة فيها تمويه وزيف وخداع. والرسول عليه الصلاة والسلام لما وجد البلل أسفل السلعة والجافة فوق أنكر على البائع طريقته في الإعلان عن سلعته بحيث أمره أن يجعل البلل فوق الطعام حتى يطلع عليه الناس كلهم ولا ينخدعوا بالمظهر البراق. وهذه هي الطريقة الأصوب في الإعلان عن سلعته ما، بمعنى آخر يحظر الإسلام الإعلان عن سلعة بسبل ملتوية فيها غش وخداع.. كما أن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام نهى كل بائع أن يمدح بضاعته أكثر من اللازم بحيث يغدق عليها أوصافا لا تتوفر عليها في الواقع، وهذا تدليس ينهى عنه الإسلام، بل إن هناك الكثيرون ينغمسون في كثرة الحلف والإيمان قصد بيع بضائعهم، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “إياكم وكثرة الحِلف في البيع إنه يُنَفِّق ثم يمحق”. والواقع الحالي يظهر لنا مدى المدح الزائد بَلْهَ غير اللائق وغير الشرعي الذي يرافق الإعلانات التي نراها اليوم ونشاهدها على شاشات التلفاز وصفحات الجرائد والمجلات وفي المحلات التجارية وغيرها. إعلانات متنوعة تصيب المشاهد بالدوار من فرط كثرتها ومن طرق إخراجها التي ضاهت تقنيات الإخراج السينمائي وفنيات الإغراء وأشكال الزينة، الشيء الذي يؤثر سلبا على المتلقي. أما الإعلان في حد ذاته فلم يسبق في علمنا المتواضع حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا لذاته بل ما نهى عنه هو أن يكون الإعلان عن السلعة أو البضاعة وإشهارها بالطرق الملتوية والتحايل والتزيف وغيره.
¤ لكن رب سائل يقول: وما الداعي إلى وجود هذا الإعلان الإسلامي؟ والجواب يكمن في أن هناك مبررات عديدة لصياغة إعلان إسلامي يحترم الفرد والجماعة، فهناك مبررات شرعية وأخرى دعوية واقتصادية أيضا. لكن قبل عرض هذه المبررات ينبغي أولا تحديد مفهوم الإعلان الإسلامي. إن الإعلان الإسلامي هو نشاط اتصالي غير شخصي وإبداع فني مشروع يعتمد على الوضوح في عرض المنتوج مع الافصاح عن طبيعة وشخصية المنتج حتى يستقبلها المتلقي مرتاح البال، فلا يشوش عليه مدح زائد أو إطراء فاضح. والأهم من هذا وذاك في الإعلان من المنظور الإسلامي هو أنه لا يدعو إلى حرام وكما قال الأستاذ أحمد عيساوي: الإعلان الإسلامي نشاط اقتصادي مشروع يتكيف وفق صيغ الحكم الشرعي للمكلفين فهو حرام في مواضع الحرمة وهو حلال في مواضع الحل وهو واجب في موضوع الوجوب وهو مكروه في مواضع الكراهة، ومندوب في مواضع الندب. ثم إن الإعلان الإسلامي نشاط اجتماعي وثقافي وتربوي وتعليمي ينسجم مع واقع وثقافة وقيم ومرجعية الجمهور المسلم: بحيث لا يجوز بأي حال من الأحوال الإعلان عن أمر يخالف معلوما من الدين بالضرورة أو شيئا منهيا عنه أو حتى في دائرة المكروهات.. إن الدواعي لقيام وجود إعلان إسلامي بحيثياته ومرجعياته الدينية كثيرة يمكن حصرها في المبررات الشرعية التي بإمكانها ضبط عملية الاتصال بين المرسل والمرسل إليه من خلال الرسالة الإعلانية والوسيلة الإعلانية أيضا.وهناك دواعي تنموية باعتبار أن هذا الإعلان الإسلامي إذا ما تمت صياغته سوف يكون لبنة أساسية في بناء صرح الإعلام الإسلامي الذي لم يتكامل بناؤه كليا إلى حدود اليوم باستثناء قنوات فضائية وبعض الصحف والمجلات ومواقع الانترنت التي تساهم بشكل فعال في بناء هرم الإعلام الإسلامي، وتؤدي دورها الرسالي والدعوي بغية حماية الأمة الإسلامية من منزلقات الإعلان الغربي الخطير تأثيره على الجمهور المسلم وما قنواتهم التلفزيونية إلا خير دليل على ما يقدمونه من تحلل وتفسخ للقيم والأخلاق وهناك مبرر هام آخر لوجود الإعلان الإسلامي ألا وهو ضرورة ملء الساحة الإعلامية والإعلانية في الوطن العربي والإسلامي بمادة الإعلان الإسلامي المتكامل صورة وفنية ورسالة وإبداعا وذوقا، ويخلص الجمهور الإسلامي من مخاطر تبعية الإعلان الغربي والأمريكي، وخير مثال يمكن إيراده في هذا الباب قوله تعالى في سورة الحج: “وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم”. إن الأذان بالحج هو في الأصل إعلان عن بداية موسم الحج ويمكن أن يرافق هذا الإعلان إخبار وإعلام بالمعاملات والإجراءات والفوائد التجارية وتبادل السلع المادية المواكبة لموسم الحج وهذه من المنافع التي تحدثت عنها الآية الكريمة، ويمكن إضافة الإعلان عن شركات الطيران وأسعارها وخدماتها عن البنوك الإسلامية وتعاملاتها المالية وعن أماكن الإقامة من فنادق وغيرها حيث لا يوجد فيها كل ما هو حرام، وهذه من وظائف الإعلان الإسلامي. فمتى يكون لدينا إعلان إسلامي متكامل البناء والتصور؟ سؤال نطرحه على ذوي الاختصاص.