مـــن ســيرة شــداد

بواسطة : عبد الباقي يوسف

تناهت إلى مسمعه حركات غريبة استطاع أن يميز بينهما وبين حركات الفئران التي تبدأ في هذا الوقت من سكون الليل ممارسة رياضتها، ورغم أنه لا يبصرها بسبب الظلمة الدامسة إلا أنه يتحسسها وهي تتقافز على جسده. وأحياناً يكون مستغرقاً في النوم فينتفض على فأر يقرط أحد أعضائه ,يصرخ كبركان: الفئران أكلتني. فتكون زوجته في الغرفة المقابلة مستغرقة في نومها، أو أنها تسمع وتتكاسل أن تجيب، وإذا ازداد اصطراخاً في مثل هذا الوقت المتأخر من الليل ورأت أنها لم تعد تحتمل سماع الصوت الذي تكرهه، تقفز من فراشها ملغومة بالعتاب وتقف خلف بابه المغلق إلى أن تنتهي عائدة لفرشتها: كل ليلة نعيد هذه الاسطوانة، ألا تستطيع أن تنام دون أن تسمعها، ماذا تريدني أن أفعل للفئران، افترض أنها تمازحك.
إنه شدّاد الذي أقلق مدينة بكل قراها ونواحيها، لا يوجد بيت فيها إلا ودبته قدماه رغم أن سمعته تسبقه إلى كل بيت بأنه محتال، وهو ذاته عندما يكون في بيته الذي نادراً ما ينام فيه ينظر إلى المرآة ويقول لزوجته: بربك يا غنيمة ألا أشبه الشيطان. فتقول غنيمة: بل إنك شيطان.
يقول: لكن الناس يفتحون بيوتهم لي قبل أن أصلها بألف خطوة، وأحياناً عندما يعلمون بقدومي في الليل وأتأخر قليلاً، فإنهم يتركون أبوابهم مفتوحة طوال الليل بانتظاري، فأدخل وأرى عشائي بجانب الفراش ينتظرني. أتعشى وأصنع إبريقاً من الشاي – ثم يضحك وهو يردف في سره: و.......- دون أن يشعر بي أحد ويتفاجأون صباحاً بدراجتي في الحوش وبي نائماً في الفراش.
هؤلاء لا يستقبلوه مع سمعته السيئة لسواد عينيه، إنهم يعرفون أن شداداً لن يخرج قبل أن يترك لكل مدخن نصيبه من التبغ التركي الطازج ذو الرائحة الطيبة، وعلى الأغلب فإن غالبية سكان هذه البيوت نساءً ورجالاً يدخنون، وشداد هو مصدر دخانهم الوحيد، فهو يذهب إلى حدود تركيا بدراجته النارية ذات العجلتين ويشتري ما يريد من التبغ وورق اللف وعلب التبغ التي تلف السجائر بشكل آلي. فيأتي ويبيع في القرى وأحياناً يشتغل حسب الطلب. فيؤمن لسكان القرى طلباتهم الخاصة مثل القضامة التركية والزبيب والجوز والعلكة والأقمشة وقد يؤمن مسدساً وعيارات نارية عندما يغريه أحدهم بربح جيد. ثمانية شهور مضت عليه وهو قيد الإقامة الجبرية في الغرفة التي كانت مخصصة للدواب التي يجلبها من القرى فيشبّه حاله بحال الطير الذي كُسرت جناحاه. لقد فعل كل شيء من أجل ألا يكون مثل هذا الطير. باع الدواب.. الدراجة.. أغراض البيت.. أتى على أي شيء يمكن له أن يباع ولو بمبلغ زهيد عله يساعد على الشفاء، دار على أطباء العاصمة وعلى مشافيها وعاد خائباً دون أي أمل في الشفاء، أمله الوحيد هو حدوث معجزة ينهض على إثرها وهي حالة استثنائية قد تحدث لشخص واحد من مئة حالة، وأمام هذا الواقع فقد خيرته زوجته بين أن يتنازل عن البيت لها أو تتركه خوفاً من أن يقدم على بيع البيت المسجل باسمه جرياً خلف أمل واهم. فاضطر مرغماً تحت تهديدها أن يتنازل عن البيت. وعند ذاك راحت تنظف غرفة الدواب من الروث وتفرش فيها حصيرة مهترئة ومخدة واسفنجة ولحافاً، وخيرته مرة أخرى بين أن تطرده من البيت وبين أن يقيم في تلك الغرفة، ومما زادها عناداً وإصراراً على موقفها أن ابنهما الوحيد البالغ من العمر عشرين سنة وقف في صف أمه، وهو الآخر صار يستفز من الروائح الكريهة التي تصدر من أبيه، وغدا يخجل من استقبال صديق لدى عودته من الجامعة يومي الخميس والجمعة ليقضيهما في البيت خاصة وأن هذا الأب العاجز لم يعد مصدر مصروفه، فهذا الطالب يعمل في مطعم طوال الليل ليحصل على نفقات الدراسة.
وبشيء من القوة حملاه ووضعاه في مسكنه الجديد، ثم جلبت المرأة حزمة أكياس سوداء حطتها بجانب رأسه ليقضي حاجته فيها.
وتذكر حديثهما الصارم في وجهه: هذا السخان لن أضعه في الكهرباء إلا ساعتين اثنتين في اليوم، ساعة في النهار، وساعة في الليل. إنما تشفط الكهرباء.. من أين سنسدد الفواتير وحضرتك ممدد على ظهرك وتريد دخاناً وشاياً، وأيضاً تريد لبناً في الصباح، يا رجل ألا يكفي أنني أتسول لك الخبز والشاي من بيت أخي الذي لولاه لمتنا جوعاً… والأكثر من هذا إنك تريد الغداء والعشاء وتقول بأنك تشتهي العدس.. أتعلم أن كيلو العدس بثلاثين ليرة.. وتقول بأنك تشتهي الرز وغداً ربما تطلب اللحم، مثلاً أن تفقد عقلك وتطلب”دجاجة”.. أجل قد يحدث هذا في المستقبل لأنك منذ ثلاثة شهور ألمحت إلي بأن اللحم لم يدخل بيتنا منذ شهرين. عليك أن تشكر أخي صباح مساء لأنه تبرع وجلب لنا كيساً من البصل اليابس وكيساً من البرغل وأنه يتبرع كل يومين ويرسل مع ابنه ربطة خبز. ليكن بعلمك إنه لا يفعل ذلك لسواد عينيك، بل من أجل أخته حتى يقيها الموت جوعاً.. و تعرف أن السمان توقف عن بيعنا السكر والشاي والتبغ منذ الشهر الفائت بعد أن تراكمت علينا الديون. يا رجل ألا تحمد الله بأنني أوؤمن لك فطوراً من خبز وشاي، وغداء وعشاء من برغل وبصل. وأوؤمن لك ساعتين تدفئة. أقسم برأس أخي فإن تماديت، أو مردت سأطردك من البيت وتعرف بأنك سجلت البيت باسمي بعد جريمتك بحق ذلك المسكين، ولكن ماذا أفعل بك.. إن ابني هو الذي يجعلني صابرة في هذه المعيشة.. لا أعرف ما هو ذنبي الذي أذنبته حتى عرفني الله بنتن مثلك. لكن إبني وقرة عيني هو الذي يجعلني ساكتة على أفعالك، إنك كومة خطايا ومعاصي . تعرف أن كلمة واحدة مني تأخذك في غياهب السجون مدى حياتك، لكن ما ذنب ابني كي يُعار بأب قاطع طريق. كم أنت ظالم أيها الرجل. كنت تجرجرني بالقوة لنقف في طرقات مقطوعة…
يقاطعها ساعلاً: اخرسي .. صوتك يصل الشارع، يكفي ما نحن فيه. وانطلق منه صراخ: افتحي علي الباب.. سأختنق.
قذف الإبريق على الباب، قذف الكأس، صرخ بأعلى صوته.. ثم بكى بأعلى صوته.. وصار يلطم خديه، يشد شعره، يخرمش وجهه، يخبط رأسه على الحائط.لم تستجب المرأة، فقد غارت في نوم عميق 0