شـوارع  الحــي القديم

بواسطة : عبد الباقي يوسف

ها هو الرجل يعود منتفخاً كطاووس ها هو يمضي بسيارته الأنيقة في طرقات طالما مشى فيها حافياً، يتأمل أزقة وقف فيها جائعاً ينظر بشهية إلى ما يحمله الناس من أكياس طعام يمضون به إلى أولادهم. سيارته الأنيقة تلفت أنظار سكان الحي البائس، تقف بمحاذاة بيته القديم الذي غاب عنه عشرين سنة. الناس يهرولون صوب السيارة، يلتمون حولها، بانتظار الزعيم الذي سينزل، لكنه يتريث. أحدهم يمد كفه إلى الممسك ويفتح الباب حانياً رأسه دون أن يعرف من يكون بداخلها. الأنظار كلها علقت في الباب تنتظر شخصية القادم. بعد نحو ربع ساعة من فتح الباب امتدت قدم بتمهل.. وبعد قليل لحقتها أختها.. ثم بعد دقائق أخرى انتصب جسد عليهما ما زال يحافظ على بعض سحنته رغم سنوات الاغتراب. وفجأة تعالى هتاف جماعي موحد بفرح عارم: دحام أفندي.. حمدا ً لله على سلامتك دحام أفندي. في رفة جفن رأى نفسه مكرهاً في أحضانهم تنهال عليه أسئلة وقبلات وكلمات فرح وابتهاج, وكذلك دموع وضحكات، فمَنْ لم يتمكن من تقبيل وجهه وقع على كتفيه، ومن لم يتمكن من تقبيل كتفيه وقع على كفيه، ومن لم يتمكن من تقبيل كفيه سقط على قدميه. اكتظ الشارع بالأجساد والأصوات حتى خرج أخوة الرجل الستة من البيت وتدخلوا ببعض عنف ليسحبوا شقيقهم من موج الأجساد. برك الرجل يلتقط أنفاسه وقد تناول كأساً من الماء فتذكر للتو بأنه نسي زوجته وأولاده الثلاثة في السيارة المقفولة عندئذ خرج منه هتاف شديد : يا خليل الحرمةو الأولاد في السيارة. انتفض خليل شقيقه الأكبر مهرولاً إلى الخارج لحقته أخته العانس روشة تجر خلفها أذيال خمسين سنة من عمرها: يا جماعة والله لن ننساكم.. لكن اصبروا حتى نعرف ما في البئر. انتشر هذا الكلام الذي أطلقه خليل في أسماع أهل الحي فتفرقوا فرادى وجماعات وابتعدوا عن السيارة. عند المساء اعتذر خليل عن استقبال أحد حتى الوجهاء والأقرباء تلبية لرغبة دحام أفندي الذي قرر أن ينام بعد صلاة العشاء. أخلوا له غرفة وفرشوا فيها فرش النوم لكن دحام أفندي قال بأنه لا يقدر النوم إلا على تخت وأنه يخاف النوم على الأرض ,هذا الخوف ذكرهم بطفولته عندما لدغه عقرب وهو نائم في أرض الدار. تبادلوا نظرات الحيرة فيما بينهم فمن أين يأتون له بالسرير وأي سرير ,إنه يريد سريراً مريحاً كذاك الذي ينام عليه في بلاد الغربة، لكن دحام أفندي بدد ملامح الحيرة من وجوه أخوته وهو يناول خليل مبلغاً من المال: بسيطة يا خليل اشتر لنا أجود تخت زان من السوق. تناول خليل حزمة النقود واختفى0 بعد ساعة كان السرير ممدداً في الغرفة الطينية وكان دحام أفندي مستلقياً عليه وقد علقت عيناه في أعمدة السقف متأملاً: "عشرون سنة ولت على الحادثة سيئة الذكر، يبدو الناس رأوا من الخير نسيانها، فإن أراد مارد يذكرهم ,قالوا له بحكمة: نحن أولاد اليوم، العفو أقرب إلى التقوى، دحام البارحة رحمه الله، هذا دحام جديد، جاء كي يمحو ما فعله دحام الماضي، فلنعطه فرصة". تقلّب من ظهره إلى الجهة اليسرى من السرير الجديد في البيت الذي طالما حن للعودة إليه ولو للحظة خاطفة بعد منتصف ليل، وفي غمرة الاحتفاء الروحي بلحظات العودة الثرية غاب في إغفاءة خدرة إلى بدايات نوم رحيب. شريط الماضي يعود مشهداً مشهداً إلى ذاكرة الأهالي، تبدو التفاصيل طازجة وقعت للتو، دحامهم الذي لن ينسوه, بطل أشهر واقعة في الحارة. في العقد الثاني يبيع الدخان المهرب لسيارات عابرة عند مفترق طرقات. ذات يوم وفي منتصف ليلة حزيرانية مازالوا يقظين فيها يقاومون حرارة لا تطاق على أسطحة منازلهم تتسرب سيارتا شرطة إلى الحارة تحت أضواء مصابيح أعمدة الشارع الساطعة.. تقفان بمحاذاة بيت جارهم الذي يبيع أحد أولاده دخاناً مهرّباً عند مفترق طرقات. يفتح الرب باب بيته إثر طرقات شديدة مزعجة متلاحقة. يستفسر دهشاً، يلج العناصر قائلين بأنهم ينفذون مهمة شرطية موكلة إليهم. يمسح الأسطحة التي بدت مغروزة بقامات آدمية بنظرة استغرابية ويلحق بالقوم ذوي قبعات شرطية تذكر الناظر إليها بجدران السجون , يقلّبون كل ما يقع بأيديهم، يفتشون البيت ذراعاً ذراعاً، يأتون الأسطحة وبيت الخلاء وقن الدجاج دون أن يعثروا للمارد على رائحة، يأخذوا تصريحاً خطياً من الرجل ذو الشعر الأبيض الخالص الذي أتى به إلى هذا العالم بالإبلاغ الفوري لدى معرفة أي معلومة عن الضال تحت طائلة مسؤولية قانونية وأمنية. بعد مرور يومين على تلك الزيارة الليلية قام المخفر بلصق بيان على شوارع الحي يهيب بالأهالي ضرورة تقديم معلومات عنه في حال معرفة مكانه أو رؤيته أو سماع أي شيء يفيد للوصول إليه ,وينذرهم من أي تستر على خبر قد يؤدي إلى مكانه. تم لصق صورة واضحة له في أعلى البيان وتحتها معلومات مفصلة عنه مثل مواليده وعمره الثلاثي وعمله ومسكنه والجرم الذي ارتكبه ,ووضعت الشرطة حراسة مشددة على بيته وبيوت أقربائه لمدة شهر لكن دون أن تعرف له أي أثر. لقد توارى مخلفاً العار لأهله وأخوته الذين يمشون منكسي الرؤوس في الحي لما لحقهم من عار نتيجة جريمة دحام حتى أن شقيقه الأكبر خليل صرح أكثر من مرة بأنه لن يتردد من قتله إذا رآه ليشفي فيه غليله ,وأما إذا قام أحد أقرباء المغدور بذلك فإنه سيعفو عنه ولن يقيم أي ادعاء عليه. كل هذه التفاصيل لا يعلمها دحام لأنه كان يعيش خارج البلاد دون أن يعرف أحد من أقربائه أي خبر عنه طوال كل هذه السنوات وهو أيضاً لم يعرف ما حدث خلال هذه السنوات ولا يعرف أن أباه قد مات قهراً بجلطة قلبية بعد تعليق البيان في الشوارع بثلاثة أيام وأن أمه قضت هي الأخرى بعد عدة أيام معدودة بماس كهربائي يُشاع بأنها كانت عملية انتحارية لعدم تحملها الصدمة. في اليوم التالي دعا معظم سكان هذا الحي إلى وليمة كبيرة وأعطى للفقراء بعض العون ورأى أهل المغدور الذي كان سبب هروبه يتسامحون معه خاصة فكان اللين والسماح والتفاهم ما بين الجميع وما بين دحام أفندي وقد نفذ كل وعوده معهم واشترى لنفسه بيتاً في حي جيد من المدينة وأعان أخوته وأقرباءه وبعض مساكين حيه القديم. دحام أفندي هو سيد الحي مع أنه لا يقيم فيه.. لكنه كل مساء يأتي إلى بيته القديم الذي ولد فيه ويجمع حوله السكان وقد أعطى للبعض أدواراً , فعمه الذي هو بعمر والده عليه أن يقدم لقدميه الحذاء عندما ينهض , وأخوه الأكبر عليه أن يفتح باب السيارة للدخول والخروج ,وشاب قوي البنية ضخم الجثة يلازمه دوماً.. وفي جلساته عندما يرى أحد لجلوس يسهو عنه قليلاً فلديه هواية أن يقذفه بالنعل، وأما من يتحدث في حضرته فيتلقى شتيمة 0كل هؤلاء يقبضون رواتب شهرية وهدايا. أما الذي ينقذف بالنعل ويصمت، فتلحقه ورقة نقدية وكذلك الذي يتلقى شتيمة ويبتلعها. عند مروره في الشارع لا بد أن ينهض كل جالس ,منذ أيام بينما كان دحام أفندي يمر بسيارته في أحد شوارع الحي رأى رجلاً عجوزا ً لم ينهض من جلوسه ,فوقفت السيارة ,نزل منها دحام أفندي وراح يصفع الرجل المسن في وجهه , لكنه في صبيحة اليوم التالي أرسل إليه خروفاً كهدية. فقال في سره : ما لي أزداد قوة ونفوذاً ,وما لهم يزدادون ضعفاً وخضوعاً!! وواجه نفسه بالسؤال بأن عليه أن يتعامل معهم على هذه القاعدة وهو مادام سيعطيهم سيقدمون له ما يشاء: "ولكن ماذا ستأخذ منهم يا دحام؟" 0 - لا تنس أن الذي تغاضى النظر مرة سيتغاضى مرات أخرى. تذكر بأنه رأى صبية بالغة الحسن تقدم له القهوة في بيت الممرض نايف خان وهو أحد جواره القدامى، فركب سيارته متجهاً إلى بيته مساءً. استقبله الممرض نايف خان ودفع ابنته لتقدم له الضيافة مع أنها عندما تخرج إلى الشارع تتحجب كي لا يراها أحد ويمنع عليها رؤية الرجال.. ولكن كما قالت لها أمها: دحام أفندي استثناء يا بنتي.بعد زيارتين لم يتردد دحام أفندي من طلب يدها للزواج قائلاً: يا نايف خان الله يبعدنا عن الحرام.. الحلال فيما أحله الله وأنا رجل مقتدر وأرغب أن أناسبكم. قال: والله يا دحام أفندي هذا يشرفني لكن الرأي رأيها. ثم اختفى قليلاً وعاد يقول: البنت تقول بأنك بعمر والدها وترفض . صُدم دحام أفندي بهذا الرفض، لكنه بذات الوقت ازداد إصراراً فصار يرسل إليها هدايا ثمينة عن طريق نساء من الحي ويطلب منهن إقناعها .. في أمسية طلبها في الهاتف وعندما سمعت صوته أقفلت السماعة مماجعله أكثر إصراراً في مطلبه وتحولت"هند" إلى قضية أثيرة لديه: أنا دحام أفندي زعيم الحارة وولي نعمتها تتجرأ ابنة ممرض على رفضي. تكاثرت زياراته إلى بيت نايف خان، في كل زيارة يحمل إليه هدية ثمينة، وأحياناً يأخذ معه خروفاً محشياً مع صندوق فاكهة قائلاً وهو يبتسم: الليلة سأتعشى عندكم يا نايف. فيجيب: بيتك يا سيدي وتاج راسي. لكن هند لبثت في موقفها، وامتنعت حتى عن تقديم الشاي إليه، وأمام إلحاحه يضطر الأب لإحضارها بشيء من العنف كي تبرك مع أمها جوار دحام أفندي. في إحدى الأيام أوقفته"سلومة" وهي امرأة متوسطة العمر معروفة بأنها تتوسط بين الشباب والبنات للزواج. جلست بجواره في السيارة وقالت: يا دحام أفندي اعلم بأنك لن تتزوج "هند" إلا عن طريق"سلومة". نصف شباب وبنات الحارة والحارات المجاورة تزوجوا عن طريقي. قال دحام بأنه لا يريد غير أن تقنعها للتحدث إليه ولو مرة واحدة بالهاتف. فطلبت أن ينزلها بجانب بيت نايف خان، وينتظر مكالمة"هند" له مساءً. عاد دحام إلى البيت عصراً ولم يخرج بانتظار أن يأتيه صوتها الساحر. أغلق باب غرفته على نفسه وطلب من زوجته ألا تستقبل أحداً، وألاتدخل أو تُدخل عليه الأولاد لأنه ينتظر محادثة هامة. لبث ينتظر إلى أن بلغت الساعة الثانية عشر ليلاً وبدأ يفقد الأمل ويدرك أن سلومة فشلت في إقناعها، بيد أن الجرس الذي رُن أزاح عنه مشاعر اليأس وأنعش عروقه المنتظرة، فمد يده بفرح غامر إلى السماعة ورفعها إلى أذنه ليتناهى إلى سمعه صوتها العذب: مساء الخير يا دحام، سلومة أوصلت سلامك إلي، لكن يا دحام أنا أحب شاباً وهو يحبني واتفقنا على الزواج 0 قال دحام باستياء: وماذا تنتظران؟ قالت: ليس لديه مال ليتقدم إلى خطبتي. قال: لكن أنا لدي مال أتقدم به لخطبتك قالت: لكنه حبي الأوحد.. كيف سأنساه. قال: عندما نتزوج، ستكتشفين بأن ذلك كان هراءً قالت: لا أظن أن الحب هراء قال: إنه حب في الهواء، بلا أمل، ستنتظرين طويلاً إلى أن يموت ذاك الحب، عندها تكونين وردة ذابلة لا يلتفت إليها أحد. فوافقت أن تقابله غداً في بيتها. بدا مستعداً لأي مقابل مادي ومعنوي، ينتعش بلفظ عبارات التفاوض على بضاعة رغب بقوة امتلاكها، في غمرة أجواء التحاور يقفز أجداده إلى الذاكرة يتمتم في سريرته: بربي كانوا أكثر صدقاً ووضوحاً أمام رؤية حسناء يبتغون شرائها. كانوا يشترونها من سيدها، ها هو الأب يؤدي دور السيادة، يكون أكثر عنداً في التفاوض. يضع كفه في كفها: قولي باركني الله لك. تجيب بلهجة تجارية والكف في الكف: ألا ترى بأن الثمن بخس. ترتفع المفاوضات حد شراء البيت وسيارة باسمها، وتسديد ما تراكم من ديون على أبيها. تقول هازة كفه: كن شجاعاً أكثر إن أردت بضاعة نظيفة. يقول هازاً كفها: قبلنا نصيب أخيك حتى يبارك البيع. تطرح الجزء الأخير عليه قائلة: يا دحام أفندي، أعلم بأنك أسخى، سأكون في حضنك. يجيب: قبلنا ذلك باسمك في المصرف. تفض كفها من كفه بقوة: الآن باركني الله لك. عاد إلى بيته غانماً ولم ينس أن يأخذ معه طبقاً من حلويات باهظة الثمن، طيبة المذاق. ومرة أخرى قفز أجداده إلى فضاء الذاكرة، الأمر كله كان يفرغ لحظة الشراء والمباركة، يحتاج الآن لترتيبات واستعدادات نقل ملكيتها إليه، ولا يعجبه أن يتنافق على روحه، يدرك أنه ابتاع متاعاً أكثر مما تأهل لزواج هذه الصراحة الذاتية أدخلته إلى طقس خاص من الاحتفال الذاتي بهذا الظفر فأراد أن يحتفي بهذه المناسبة على طريقته ويبذخ على جميع السكان غنيهم وفقرهم فقال لجمع من هؤلاء: سأشبعكم يا أهل حارتي لحماً طرياً مما تشتهون وفاكهة مما تتخيرون، أسمعكم طرباً، أمنحكم فرصة لترقصوا. بدت زينة هائلة تأخذ مكانها على جدران الحارة، حضر عمال البلدية مع سيارات النظافة لم يتركوا عقباً على الأرض، ارتدت الحارة حلة زاهية فأشرقت كعروس، وكان ختام الاستعدادات في أمسية الحفلة أن حضرت سيارة تبخ الجدران عطراً. ثلاثة أيام كرنفالية بأيامها ولياليها حتى قال الناس بأنهم اكتفوا طعاماً وشراباً وطرباً ورقصاً وحبوراً، أمسك دحام أفندي على إثرها يد عروسته منطلقاً لشهر عسل. في معزل عن كل هذا راحت الزوجة الأولى تضمر له شراً في صدرها انفجر ليلة السفر وهي تقول: أنا بنيتك يا خائن، وأنا سأهدمك. صباحية اليوم الأول نطت العروسة بفتوة من عش ليلة دخلتها، فتقافز فرح صبياني إلى قلب دحام أفندي محركاً في عروقه طاقة شبابية بدت تستيقظ من نوم مع استيقاظه. تقافزت ألسنة نيران خمدت نيران قلب امرأة منتقمة لم يعجبها أن تمسي زوجة سابقة لرجل يستبدلها بفتاة، تقافز ثلاثة أولاد إلى بيت عروسة لم تعد إليه بعد من شهر عسلها، حطموا الأبواب وأووا هرباً من ألسنة نيران أكلت بيتهم بما فيه.