تصحيــــح  خطــأ الحـــــــب

بواسطة : عبد الباقي يوسف

تناهت نبرات خافتة إلى مسمعه، تحركت كدودة على غشاء الطبل فأيقظت كامل الجسد الذي كان غائراً في نوم عميق منذ ثلاث ساعات غير متقطعة. في لحظات بدا له الاستيقاظ كحصان واهن يستجر جبلاً، وبدا النوم أثقل من أن يقاومه, ثم على هذا الوتر الذي بدا كلحن استسلم مرة أخرى – دون أن يدري – لنومه وهو يتخيل أن النبرات كانت جزءاً مزعجاً من حلم .
بعد جزء آخر من استغراقه عادت الدودة ذاتها تقوم بفعلها السابق على غشاء الطبل، انتفض هذه المرة باركاً على تخته الخشبي المهترئ ، امتدت سبابته لزر صغير فاكتظت الغرفة المظلمة نوراً . رفع عينيه إلى الساعة ، تمضي نحو الثالثة والنصف فجراً ، وتذكر من جديد بأن صوتاً ما أيقظه. ألقى نظرة إلى الشارع من خلال النافذة المشرعة في طابقه الثاني علـّه يرى مصدراً للصوت الذي أزعجه في هذا الوقت فلم يقع على شيء وللتو تذكر وجود أخته في الغرفة الملاصقة، وأدرك أنه صوتها فهي معتادة أن تتحدث في النوم . امتدت سبابته ثانية إلى الزر فخيّم ظلام فاتح على أجواء الغرفة وضوء خافت يتسرب من السماء عبر النافذة مع نسيمات ربيعية باردة. سحب البطانية إلى كامل جسده وهو يتمتم : يا لها من بلهاء .. تتحدث وهي نائمة.
عند زيارته للقرية الشهر الفائت، أصرت أخته نوال أن تصحبه لتتقدم إلى امتحانات شهادة الثانوية الحرة . قالت بأنها ستخصص الشهرين القادمين للدراسة في بيته حتى لا يشغلها أحد إلى أن يحين وقت الامتحان .
أربع سنوات من الملل مضت منذ حصولها على شهادة الإعدادية، واضطرت للتوقف كارهة بسبب عدم وجود ثانوية في قريتها النائية، وعدم موافقة أبيها – الذي رحل منذ سنتين – لتدرس في المدينة فآثرت رضا الأب على الدراسة دون أن تناقش الأمر حتى بينها وبين نفسها , لكن الآن عادت الفكرة تلح على مخيلتها بقوة : لِمَ لا أكمل تعليمي، لن أكون ضائعة في المدينة، إنه بيت أخي الذي طالما رغبت الإقامة فيه بعد موت زوجته. أعلم أنه يعاني من الأعمال المتراكمة عليه في البيت، بيد أنه لا يُظهر هذه المعاناة. لا لن يتضايق حمدي من استضافتي عندما يصبح الأمر واقعاً. هناك سأتعرف بصديقات جديدات في المدرسة وفي الجوار، وسأخفف عن أخي أعمال البيت، ياه كم أتمنى فيما لو تعرفت بفتاة جيدة تصلح أن تكون زوجة له .
ولا تدري كيف رأت المرونة من أمها وأخيها عبد القهار الذي أخذ موقع ونفوذ الأب في البيت والوصاية، وهو ذاته نزل معها إلى المدينة وابتاع الكتب قائلاً لها : حتى يقول الناس ابنة قرية، لكن تحمل شهادة .
للمرة الثالثة عاد الصوت المزعج ذاته يطن في أذنيه فانتفض مرة أخرى من نومه العميق والصوت يتعالى ويتداخل بهمس آخر .ترك الفراش وخطا حافياً نحو باب غرفتها كي لا ييقظها إذا كانت نائمة رغم الشك الذي تسرب إليه عند سماع الهمس المتداخل. وأمام الباب المغلق تناهى ذات الهمس بخفوت إلى أذنيه: لا تخافي، إنه نائم .
عقب همسها : قلت بأنك تريد أن تراني، يكفي أنا خائفة من استيقاظه.
- : لم أرك بعد، سأنظر إليك قليلاً و أخرج .
- : أنت تسبب لي مشكلة ببقائك، لم أكن لأدخلك لولا أن قلت في الهاتف بأنك ستطلبني للزواج .
- : سأخرج الآن، لكن أريد قبلة ما قبل الزواج حتى تبقى ذكرى معي .
- : لا .. لا .. يكفي ما أنا فيه من إثم، إن الله يرانا.
- : لكننا سنتزوج .
- : عند ذاك سأعطيك ماتريد بالحلال .
مدّ حمدي كفه إلى قبضة الباب وأدارها بأقصى سرعة فتسمرا كشخصين محنّطين، سدد إليهما نظرة محتقنة واستدار عائداً إلى غرفته وقد ترك الباب مشرعاً.
أشعل سيجارة وتاقت نفسه لفنجان قهوة يحتسيها أمام النافذة علّه ينسى ما رأى ، تناول نصف كأس ماء وهو يقاوم رغبة القهوة كي يمنع نفسه الخروج مرة أخرى من الغرفة، فلبث يدخن ويحاول أن يصغي للمذياع ويهدئ من روعه ، وبنظرة مباغتة إلى الساعة كانت تشير إلى السابعة والنصف. خرج إلى الصالون لم يسمع صوتها الصباحي الهادئ ككل صباح خلال الأيام العشرة الماضية : صباح الخير يا حمدي يا أطيب أخ في العالم . وبيدها كأس الماء. راح صوب المغسلة، رمى بعض ماء بارد على وجهه بعجالة، ثم عاد إلى الصالون يمارس حركات رياضية سويدية، وفوجئ بالفطار على الطاولة دون أن تكون جالسة بانتظاره وتصب له كأس الشاي ، أو تقشر بيضة وتضعها أمامه ، لكن ذلك أزاح من خاطره أفكاراً سيئة راودته في أثناء الغسيل فاطمأن على أخته الصغيرة من هول ما وقع . تناول حبات زيتون مع قليل من زعتر وشاي، ومرة أخرى تعمد التباطؤ في ارتداء ثيابه علّها تخرج، عندها رفع صوت المذياع إلى آخره وخرج متأخراً عن عمله ربع ساعة، مما أدى إلى تأخره عن باص الدائرة الذي يأخذه إلى الباب. على الرصيف لمح ذات الشاب يستدير ويجري بخطوات راكضة، تذكر بأنه شاب خجول كلما رآه أقبل إليه مسلِّماً، وهو يسكن في الطابق الأرضي من هذا البناء، يعمل في دكان والده في صناعة الأبواب والشبابيك , ذاك الأب الطيب المبتسم دائماً الذي يستجيب لأي طلب قائلاً بشيء من المزاح : أنت فوقنا وطلباتك أوامر أستاذ حمدي 0
فيجيب : أشـكرك ياأباجوان 0
في الثانية بعد الظهر عاد إلى البيت منهكاً من العمل، خلع ثيابه واغتسل، ثم تمدد قليلاً كعادته قبل أن يتغذى، وبعد قليل اتجه إلى مائدة الغذاء التي أحضرتها , لكنه لم يرها ترفع الأغطية عن الصحون كالعادة وتسكب له. قعد يتناول طعامه بامتعاض ونظراته معلقة بمدخل غرفتها علّ الباب ينفتح أو يصدر صوتاً، لكنه بخل بذلك، فنهض إلى غرفته،استلقى على التخت الخشبي العتيق وراح في غفوة إلى المساء، عندها تمطط ونهض إلى المطبخ يصنع فنجان قهوة، عملها بيده وجلس على البراندا يدخن ويحتسي القهوة، ينظر إلى الناس في الشارع وهو يشعر بفراغ إلى جواره إذ كانت تبرك حده يتحدثان ساعة كاملة ثم يجددان القهوة إلى أن يحين موعد الجلوس للتلفاز وحفلة الشاي والكاتو والمكسرات، ثم ينتهي البرنامج بعشاء خفيف من خيار وبندورة وحمص، أو بطاطا مسلوقة ولبن. جلس نحو ساعة مملة ثم عاد واستلقى على الكنبة . بعد قليل أشعل التلفاز، لبث سهراناً كيتيم حتى الواحدة ليلاً لكنها لم تخرج،عندئذ أغلق التلفاز وقبل أن يتجه إلى غرفته خطا نحو غرفتها، مد يده بحركة بطيئة غير مسموعة إلى قبضة الباب فلمس بأنه مقفول من الداخل .
في الصباح وهو يتوجه إلى مائدة الفطار لمح ورقة كتبت عليها حاجات البيت من طعام، حملها في جيبه وخرج . عشرة أيام مضت ولم تلتق نظراتهما رغم وجودهما في بيت واحد، ولم يسمع لها نبرة صوت حتى إذا اضطر إلى محادثتها ترك لها ورقة، فتجيب على هذه الورقة. في أمسية يوم الحادي عشر نهض في السابعة مساءً، وكعادته صنع فنجان قهوة وأخذ علبة دخانه إلى البراندا، وقبل أن يفرغ من السيجارة الأولى وفنجان القهوة رُن جرس الباب، تعمد أن يتباطأ في الاستجابة متأملاً أن تخرج فيراها وينتهي الإضراب، لكن الرنين تكرر وكأنها لا تسمع شيئاً، فاضطر إلى النهوض مكرهاً ونظراته مصوبة إلى باب حجرتها المحكم .
كأنه كان في نوم عميق فاستيقظ على رشة ماء مثلّج، أنسته الرشة البادية عليه أن يسارع كما تجري العادة في هذا الحي الاجتماعي : أهلاً وسهلاً .. تفضلوا .
لكن صوت جاره الواثق خفف عليه من وقع المفاجأة :
أم جوان أصرّت أن تشرب مع جارتها الجديدة فنجان قهوة .
انتبه حمدي للتو إلى قصوره وتأخره في دعوتهم للدخول، وبشيء من الإيحاء المربك بأنه أراد أن يطيل في الترحيب احتفاءً بالمفاجأة السارة، سرت على لسانه كلمات تحمل بعض ثقة : لا أعرف كيف أعبّر عن سعادتي بهذه الزيارة، أهلاً .. أهلاً وسهلاً .. تفضلوا .
دخل جاره محمد سليم- صانع الأبواب والشبابيك - قائلاً : بسم الله , ثم أعقبته زوجته بصوتها : ما شاء الله, وامتدت خطوات جوان تلحقهما بصمت وقد غرق في خجل بدا ظاهراً على سحنته. إنها المرة الأولى التي يرى فيها جواناً يرتدي بدلة وربطة عنق، وينتعل حذاءً يلمع. كان كلما صادفه في مدخل البناء لفت نظره بثيابه المتسخة الرثة ونعله الممزق المتسخ الذي ينتعله كشحاطة، يقول بأدب جم : مرحبا عمو .
فيجيب هازاً رأسه مبتسماً : أهلاً معلم جوان .. كيف الشغل .. وهو يكمل صاعداً الدرج دون أن ينتظر الإجابة .
دخلوا جميعاً صالون الاستقبال، قعدت أم جوان مع ابنها على كنبة، وقعد محمد سليم على كنبة مقابلة 0 بعد لحظات من وقوفه انتبه حمدي بأنه مازال واقفاً وعليه أن يبرك، فأعاد عبارات الترحيب وهو يبرك جوار محمد سليم ويسأله عن أحوال المعيشة، لكنه لم يستطع التغلب على حالة الإرباك التي ركبته. ففي موقف كهذا لا بد لها أن تخرج وتستقبل هؤلاء الضيوف الذين أتوا بصفة عائلية، فامتدت يده - وهو مازال شارداً- ملأت كأس ماء فارغة جوار الإبريق، ثم فطن لعلبة الدخان، أخرجها من جيبه وهو ما يزال في شرود، مد سيجارة لجاره الذي تناولها شاكرا ً: هل يقول لهم بأنها عادت إلى القرية .. هل يدّعي بأنها عليلة ولا تستطيع النهوض من الفراش . ولا يدري لماذا تذكر في هذه اللحظات جلوسه مع أبيه و أمه في بيت زوجته المتوفية، راحت المشاهد تتداعى في مخيلته كأنها حية، هاهم أخوتها جميعاً يستقبلونه ويرحبون به وبأبويه، بعد قليل تخرج من إحدى الغرف، تقدم للضيوف قهوة، ثم تبرك حد أمها خجلة لا تنبس ببنت شفة. بدأ الوقت يمضي وعليه أن يقدم شيئاً حتى لو اعتذر عن قدوم أخته، وبدا متردداً أمام فكرة النهوض وتقديم قهوة بنفسه، وكذلك تردد أمام فكرة أن ينهض ويطرق عليها الباب، لأنه لم يشأ أن يفسد عليها وضعها النفسي .
بعد مرور ساعة من الإرباك والقلق والانتظار انفتح شق باب غرفتها ببطء شديد، فتقافزت فرحة إلى وجوه الجميع أحسستهم بشيء من الطمأنينة، وعلت بسمة مشتركة على وجوههم خرجت على إثرها كعروس ليلة زفافها. نهض الجميع ترحيباً بها. لم تكن خجلة كما توقع حمدي ، لم تُشعرهم بالوضع الذي كانت عليه طوال الأيام العشر الفائتة، وبدا حمدي ينظر إليها دهشاً وكأنها خرجت بالسلامة للتو من عملية جراحية عصية وهو يشم رائحة عطر منعش لم يشمه قط بهذا الطيب في بيته. مدت يدها تسلم عليهم واحداً واحداً بتلقائية محببة، ثم استأذنتهم متجهة نحو المطبخ تاركة فيهم طيب ريحها ورقـّة حضورها. بعد لحظات قليلة أطلّت ثانية حاملة إليهم قهوة كأنها تتبخر عطراً، فوجدتهم يضحكون ويتبادلون الأحاديث الحميمة، وحمدي يصر أن يشعل سيجارة ضيفه بيده، وهو بدوره يصر أن يشعل لحمدي سيجارته. قدمت لكل واحد فنجاناً وبركت جوار أخيها. وبثقة وازت ما كان به من حيرة قال محمد سليم : نحن لا نكتفي بالقهوة، جئنا نأخذ منك صانعة القهوة حتى تبقى تصنعها لنا طيبة كهذه .
فقال حمدي مازحاً : هاهي مثل ابنتك، امسك بيدها وخذها معك .
فابتسمت نوال، ثم رفعت كفها إلى فمها بخجل، وابتسم جوان أيضاً وهو ينظر إليها. أعقبت الأم : جوان معلم في حرفة الأبواب والشبابيك الخشبية، ويكسب بالحلال من حرفته أكثر من مدير دائرة، نتشرف يا حمدي أن نناسبكم .
وتعلقت به الأنظار كلها منتظرة ما سيصدر من فمه.