المغالطات الكبرى في الأيديولوجيا الصهيونية

بواسطة : محمد خضر

لم تحرز أية حركة سياسية معاصرة ما أحرزته الصهيونية منذ نشوئها من نجاحات عملية. كما لم تصل أية حركة أو اتجاه إلى نفوذ في عالم اليوم يماثل ما وصلت إليه الصهيونية، ولا زالت تحتفظ به. ومع ذلك فإن كل ذلك النجاح العملي لا يخفي التناقضات المعرفية والفكرية في قلب الأيديولوجيا الصهيونية. تلك الأيديولوجيا التي تم استخدامها بذكاء ونجاح كبيرين في حشد طاقات اليهود في أنحاء العالم كافة، مستغلة عقلية الغيتو وعقدة الاضطهاد التي يحملها اليهودي العادي. فتم حث كل اليهود على التحزب وراء الصهيونية بأهداف ظاهرها خدمة قضية الشعب اليهودي، وإيجاد وطن قومي له. ومن ناحية أخرى فقد تم استغلال أخطاء الكنيسة التاريخية بحق اليهود، بدءا من محاكم التفتيش - وربما قبلها - وحتى ما بعد الحرب العالمية الثانية. وتم التركيز خصوصا‏
على “الكارثة” أو الهولوكوست، وموروث عقدة الذنب لدى الغرب المسيحي تجاه الأقلية اليهودية (المظلومة).‏
واستخدمت وسائل الإعلام بتركيز كبير على هذه النقط إلى درجة أنه أصبح من المحرمات - في الغرب الديموقراطي - المس من قريب أو بعيد بكل ما يتعلق باليهود أو الصهيونية.‏
وكما ذكرنا فإن ذلك النجاح لا ينفي أن الأيديولوجيا الصهيونية تحمل في داخلها مغالطات وتناقضات نجحت في طمسها كل الفترة الماضية لأسباب براغماتية تتعلق بتوافق مصالح كبير بين أصحاب رؤوس الأموال اليهود - المسيطرين الحقيقيين على الصهيونية - والدول الاستعمارية الكبرى، وتمت التغطية عليها بواسطة إعلام مرتبط برأس المال الغربي من ناحية، وبالصهيونية من ناحية أخرى.‏
أولى تلك المغالطات وأهمها هي ارتكاز الصهيونية على ديانة غير علمية، ينطلق منها وعد (إلهي) غامض بوطن ما. وذلك الوعد المزعوم يأتي في التوراة، والتوراة نفسها لم تعد مقبولة علميا. فقد كشفت بحوث عدد من الباحثين العرب واليهود والغربيين - كل على حدة - عن انتفاء أي أساس أركيولوجي (أثري) للتوراة وأحداثها كما هي بين أيدينا الآن. بل إن بعض البحوث أثبتت بشكل قاطع قيام أحبار اليهود بالاقتباس الحرفي من التراث الديني الذي كان سائدا وقت كتابة التوراة في فترة السبي البابلي. ويلاحظ في العهد القديم من التوراة أن الحديث يدور حول يهوه (الله عند اليهود) بصفته أقوى الآلهة، وليس إلها وحيدا. وهكذا فالتوراة التي وصلتنا تبدو ككتاب بشري وثني، تجميعي من أكثر من تراث قديم (آرامي،بابلي،..) لا علاقة له بالديانات السماوية. أما الوعد الإلهي ‏
بالوطن (فلسطين) فليس أكثر من كذبة كبرى وضعها أحبار اليهود عندما أعادوا كتابة التوراة.‏
وترتب على تلفيق ذلك الوعد محاولة لتلفيق تاريخ يلصق اليهود بفلسطين إلصاقا. وذلك بالاستفادة من قصة هجرة اليهود من مصر إلى فلسطين، والتي ترد في التوراة بشكل واضح التلفيق. وإذا كان النبي موسى (عليه السلام) قد هاجر من مصر إلى فلسطين، فلا يعني ذلك أن من هاجروا معه هم من أنشأوا دولتي يهودا والسامرة لاحقا كما تدعي التوراة، إذ إن أكثر دراسات المؤرخين اليهود الجدد تقدم أدلة على أن دولتي يهودا والسامرة هما كنعانيتان خالصتان فيها معابد ليهوه، كما لبعل والشراه وغيرها من الآلهة، وإذا ففلسطين كنعانية عربية احتضنت ديانة جديدة هي اليهودية التي انتشرت بين أبناء فلسطين أنفسهم عن طريق النبي موسى وعدد قليل من اتباعه المؤمنين.‏
ولا تحتوي الرواية القرآنية الكريمة أي دعم للرواية التوراتية، بل تخالفها في بعض المواقع وأستفادت الصهيونية من هذه الروايات، واعتمدت على عقلية مغلقة متزمتة لدى اليهود لتقدم لهم مغالطة معرفية جديدة، وهي أن اليهود الحاليين هم أحفاد اللذين هاجروا مع النبي موسى (عليه السلام) من مصر، وعليه فإن اليهود يشكلون شعبا ينحدر من عرق واحد (العبرانيين). وقد حاولت الصهيونية خلق قومية جديدة على أساس ديني هش وتاريخ مزور، ويتضح من واقع الكيان الصهيوني حاليا مقدار عدم كفاية الديانة اليهودية بحد ذاتها لإنشاء دولة حيث بدأت التناقضات تظهر بين الأعراق المختلفة في ذلك الكيان حتى وصلت حدودا غير مسبوقة مؤخرا.‏
وفي محاولة للتوفيق بين متطلبات النجاح العملية والعقلية اليهودية غير الاجتماعية، فقد ادعت الصهيونية أنها حركة علمانية اجتماعية أقرب إلى الاشتراكية. وفي خضم انزلاق اليهود وراء الحلم والوعد الإلهي نسوا انهم غير قادرين على التعايش حتى مع بعضهم، ونسوا أن من جاء من المغرب مثلا محملا بأشد أفكار اليهودية تخلفا لن يتمكن من استيعاب علمانية وتحرر اليهودي الألماني، وإذا مارس الأخير علمانيته، فما الذي سيربطه بالآخر بعد الدين؟
إن الصهيونية تدعي تمثيلها لكل اليهود، ولكن من يرى واقع الكيان الصهيوني يعرف أن عامة اليهود وأكثرهم تخلفا وفقرا هم اللذين جاؤوا إلى فلسطين، أما ذوو النفوذ والغنى فقد بقي أكثرهم في بلادهم الأصلية، أو هاجروا، ولكن إلى أمريكا أو الغرب. ان اليهود المهاجرين هم من اشتبكوا مع أصحاب الأرض الأصلية وباقي العرب، وهم من قتلوا وقتل منهم، وأسروا وأسر منهم، وهم من عاش في رعب وخوف وحصار وكره من أهل المنطقة.‏
إن ذلك يكشف بوضوح كيف أن الصهيونية استغلت مشاعر عامة اليهود لأغراض تلتقي عليها مصالح أغنياء اليهود ورؤوس الأموال الدولية، وتتمثل في الحاجة إلى السيطرة على منطقتنا العربية ذات الثروات الهائلة والموقع الاستراتيجي.‏
وحتى يسهل قيادة أولئك اليهود فقد تم حشد ماكنة إعلامية ضخمة تركز على قضيتين أساسيتين:‏
أولا: العداء الأوروبي، والعالمي عموما، للسامية، بما يعزز عقدة ألأغيار (الغوييم) لدى اليهود ويكرس اعتبارهم كائنات دونية، وبالتالي فدمائهم وأعراضهم وأموالهم مباحة لليهود. وواضح ما في هذا الطرح من لا إنسانية ووحشية تبدت واضحة في مذابح عديدة، رافقت وجود اليهود الحديث في فلسطين ومن حولها (دير ياسين، بحر البقر، قانا...). ولكن لا تحظى مجازر وأخطاء اليهود بالتغطية الإعلامية التي ينالها أي خطأ - أو ما يعتقد أنه خطأ - في حق اليهود.‏
ثانيا: دونية الخصم وتخلفه. “الأرض بلا أصحاب،فلنستعمرها. العرب متوحشون، شهوانيون، لا يستحقون الحياة ولا الأرض”. وهذه الصورة لا تسود فقط بين اليهود، بل وعبر وسائل الإعلام الصهيونية تسود الغرب كله. وكم فوجئ اليهود والعالم بصور عربية مختلفة، جاءت تباعا: حرب الكرامة، حرب73، قلعة الشقيف، جنوب لبنان، الانتفاضة، وغيرها. لقد شكلت تلك الأمور المتتابعة صدمة لدى الكثيرين من اليهود اللذين بدأوا يشكون في مصداقية أيديولوجيا دولتهم، فظهرت اتجاهات جديدة تعبر عنها ما بعد الصهيونية وحركة المؤرخين الجدد، الذين بدأوا يحاولون إعادة كتابة تاريخ (إسرائيل). بل إن بعض اليهود يعيبون على الكيان الصهيوني تجاهله للزخم الحضاري العربي وانعزاله عن محيطه. ومن صدف أن استمع إلى إذاعات عبرية يلاحظ كيف أن كثيرا من الأغاني التي تبثها مأخوذة عن ألحان عربية معروفة.‏
إن كل تلك المغالطات بدأت الآن تطفو على السطح، وبدأت تبرز الخلافات بين اليهود أنفسهم. وان كانت لا زالت لم تأخذ مداها بعد، فلأن الساسة الصهاينة لا زالوا يحققون مصالح كبار الرأسماليين اليهود في أمريكا والغرب، ولأن العالم العربي لا زال في غير مواقع المبادرة حتى يستفيد من هذا الانهيار الأيديولوجي القريب للكيان الصهيوني.‏