من بصائر وصايا لقمان

بواسطة : حسن الأشرف

يقول الله سبحانه و تعالى في سورة لقمان:” و لقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر الله و من يشكر فإنما يشكر لنفسه و من كفر فان الله غني حميد و اذ قال لقمان لابنه و هو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم” ثم يضيف على لسان لقمان و هو يعظ ابنه:” يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير،يا بني أقم الصلاة و أمر بالمعروف و انه عن المنكر و اصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور و لا تصعر خدك للناس و لا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور،و اقصد في مشيك و اغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير”.
* إنها آيات كريمات مليئة بالمعاني السامية و الأخلاق الفاضلة التي يلقنها لقمان الحكيم لابنه في أدب جم من الطرفين معا. فالأب وهو لقمان يلقي مواعظه و نصائحه مصدرا إياها بلفظة يا بني وهي كلمة تنم عن حنان أبوي عظيم، أما الابن فقد أرخى السمع و لم يعترض أو يتجرا لقطع كلام أبيه..و لنبدأ بإقرار الله سبحانه و تعالى بكونه منح لقمان الحكمة وهي هبة ربانية لا يتوفر عليها أي واحد، ثم تنتقل الآية إلى أولى مواعظ لقمان لابنه بحيث يأمره في حنو و رفق بان لا يشرك بالله لان الشرك ظلم عظيم، لا يعادله ظلم آخر، فليس هناك أظلم من أن تشرك أحدا آخر في ربوبية أو ألوهية الله سبحانه و لان هذه النصيحة و هذا الأمر جلل فقد بدأ بها لقمان وعظه و إرشاده لابنه المطيع.
و بعد ذلك ينتقل لقمان الحكيم في هذا السياق نفسه ليوضح لابنه أن الله عز و جل يعلم كبير الأمور و صغيرها،دقها و جلها، عظيمها و حقيرها و بان الله يأتي بها أينما كانت سواء كانت حبة خردل تصعب رؤيتها من طرف العين المجردة إذا كانت في صخرة أو حتى في فضاء السماوات أو أغوار الأراضي فانه عليم بها. و هاته الإشارة الذكية من لقمان لم تكن اعتباطا بل في رأيي قدمها في الأول لفهم ما سيأتي من بعد من أقوال و مواعظ و لتبيان أن النفاق أو التظاهر بشيء عكس ما يكنه الإنسان يعلمه الله بكل يسر. لهذا انتقل لقمان إلى أمر ابنه في قمة الأدب بان يقيم الصلاة و يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و هي مبادئ هامة من أساسيات الدين الإسلامي، و هذا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لا يتأتى إلا بعلم شرعي نافع يكون أساس هذه الشعيرة المهمة ثم يقول لقمان لابنه: اصبر على ما أصابك لان ذلك من عزم الأمور، فليس هناك أعظم من الصبر على الأذى أو الابتلاء، خاصة الصبر على الأذى في سبيل الله، و الأذى في سبيل الدعوة الإسلامية المباركة، ثم يأمر ابنه بان لا يكون من المختالين الفخورين فالله لا يحب كل مختال فخور، فالافتخار بالنفس تفضي بالإنسان إلى الغرور،و الخيلاء ليست من شيم المؤمنين، إنما المؤمن يعرف بدماثة أخلاقه و بتواضعه و باقتصاده في المشي لأنه في نهاية المطاف لن يخرق الأرض و لن يبلغ الجبال طولا.
و في نهاية حكم لقمان و درره الصافية يوصي لقمان ابنه بان يغض من صوته..إننا نسمع كثيرا من ينصح بغض البصر و نادرا من ينصح بغض الصوت. و قد يقصد لقمان بغض الصوت فضلا عن خفضه و عدم التطاول به أن يستعمل صوته في مسائل الخير التي تعود بالنفع عليه و على جماعة المسلمين، و حتى ينفره من ذلك استدل بالتشبيه بصوت الحمير لأنه أنكر الأصوات.