كفى بالموت واعظا...

بواسطة : حسن الأشرف

في الحياة الدنيا ثنائيات و متضادات كثيرة، فبجانب الآمال هناك الآلام، و فيها الصحة و المرض، و الضحك و البكاء، و الغنى و الفقر، و العزة و المذلة، و السعادة و الشقاء، و الرحمة و العذاب، و الليل و النهار و السماوات و الأرض، كما أن هذه الحياة الدنيا حبلى بالأحزان كما بالأفراح، و بالآثام و المغفرة. و مقابل الحياة نجد الموت..هذا الزائر الذي يأتي بغتة فلا يدري الإنسان كيف و بماذا يستقبل زيارته اللهم إلا من عمل صالح و تسابق نحو فعل أصناف الخير كله. إن الله عز و جل خلق من كل زوجين اثنين و كل هذه الثنائيات تفنى و مصيرها إلى الزوال ليبقى في الأخير وجه الله الواحد الأحد الفرد الصمد لا اله إلا هو"كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم و إليه ترجعون". و الإنسان مهما عمر في الحياة الدنيا لابد له أن يتذوق الموت ولا بد له أن يسجى جثمانه في حفرة ضيقة تحت الثرى، و لابد أن يقف خاليا وحيدا معزولا عاريا حافيا بين يدي الله عز و جل في يوم عظيم، في يوم لا تملك نفس شيئا، في يوم تبيض فيه وجوه و تسود فيه وجوه. وقبل هذا العرض أمام الله و إقامة الحساب العسير لابد لكل واحد منا نحن بني ادم أن نمر عبر مرحلة البرزخ و هي تلك المدة الزمنية الفاصلة بين الحياة الدنيا و بين يوم القيامة و الحساب، ففي القبر سنجد جميعنا مساكن لنا؛ مسكنا وضيعا و متواضعا، لا وسائد فيه و لا أسرة و لا أرائك و لا مكيفات هواء و لا شيء من زينة دار الحياة الدنيا؛ و إنما بيت سنتوسد فيه الحجر و نفترش التراب و يأنس الدود و حشتنا.. عند الله الجميع سواء و لا فرق بين غني و لا فقير، و لا عزيز و لا ذليل، و لا ملك و لا مملوك و لا سيد و لا عبد، فقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يولد الإنسان عاريا و يموت عاريا و يبعث عاريا كما ولدته أمه أول مرة..البارحة توفي أخ لنا في الله، و ربما مات آخرون في نفس اليوم بل في نفس الساعة و الدقيقة و الثانية،واليوم قد أكون أنا أو أنت أيها الأخ الكريم من يأتي عليه الدور، و ليس هناك طلب تأخير أو تمديد لفترة أخرى للحياة. الموت ستحل بنا جميعا، و لو كانت الدنيا تخلد لأحد، لخلدت لرسولنا و حبيبنا المصطفى صلوات الله عليه و سلامه و لكنه مات؛ يقول له رب العزة و الجلال:" انك ميت و إنهم ميتون"..و علينا جميعا أن نعتبر مصيبتنا الكبرى في وفاة رسولنا عليه أفضل الصلاة و السلام، و هكذا سيهون علينا كل شيء آخر.. أيها الأخ الكريم، إن الإنسان لن يأخذ معه إلى قبره إلا عمله الصالح الذي ينير له قبره و يؤنسه في وحشته، و لحكمة سامية جليلة أخفى الله عنا الموت حتى نجد و نجتهد و نجهز أنفسنا للقاء الله عز و جل و نترك الدنيا و نتعلق بالآخرة. و لذلك جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم، و قال له:" يا رسول الله من ازهد الناس".فقال له النبي صلى الله عليه و سلم:" من لم ينس القبر و البلى، و ترك فضل زينة الدنيا، و آثر ما يبقى على ما يفنى و لم يعد غدا ممن أيامه و عد نفسه من الموتى". اعد أيها الأخ الفاضل لمثل هذا اليوم..ما هو زادك له؟ و ما هي الوسائل لضمان الإعداد لساعة الموت؟..ينبغي علينا جميعا أن نتقي الله في خلواتنا و جلواتنا،و دقائق أمورنا و جلائلها و صغيرها و كبيرها،و علينا أيضا هجر المعاصي كلية و التقرب إلى الله زلفى.