لا يمكن أن يتم أي عمل إلا إذا تم تأطيره بكلمات معينة حتى يعرف الإنسان مادا يريد أن يفعل، و العمل بدون كلام يوجهه لن يصير إلا في الفوضى العارمة، ولن تكون النتيجة مرضية أبدا، مثلا إذا أخذنا مصنعا يضم مجموعة من العمال، و جربنا فيهم طريقتين. الأولى أن يتركهم صاحب المعمل يعملون دون تكليفهم بشيء محدد ودون توضيح طبيعة العمل بكلمات تصدر منه؛ و الثانية أن يحدد رب هذا المعمل لهؤلاء العمال ماذا عليهم أن يقوموا به و ذلك في إطار مكون من عبارات و جمل و كلمات؛ فالطريقة الأولى لن تفضي إلا إلى فوضى في العمل و الإنتاج و لا شك أن المعمل سيصيبه إفلاس قريب ووشيك.أما الطريقة الثانية فهي أكثر سلاما ووضوحا و من شانها أن تساعد على ضبط العوامل التي تؤدي إلى تسريع نمو إنتاج المعمل. و كذلك في الحياة، تلعب الكلمة دورا حيويا في حياة الناس.. و في القرآن الكريم جاء ذكر الكلمة في عدة مواضع منها قوله تعالى: )و تمت كلمة ربك صدقا وعدلا و قوله و كلمة الله هي العلي(.
و لذلك فان كلمات الله سبحانه وتعالى هي تمام فعله لان الله عزيز و لا تستطيع أية قوة مهما كانت أن تمنع تنفيذ كلمة الله في الكون. ولقد تحدث الله سبحانه و تعالى عن الكلمة كثيرا في القرآن الكريم، ولكنه ضرب مثلا فقال في كتابه الكريم: )ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها و يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون(، و مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار.. إن الإسلام يحث أساسا على ذكر الكلام الطيب و التفوه به و إشاعته بين الناس بدل قول السوء و الاشتغال باللغو واحتراف الغيبة و الغيبة تعد من الكلام الخبيث، و قد حذر منها القرآن الكريم بالقول: )أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه(..إنها صورة غاية في الفظاعة و الخبث و الكراهة أن تأكل لحم أخيك المؤمن ميتا، فكذلك الكلام الخبيث باغتياب الآخرين، و لقد روي عن جعفر الصادق أنه علم أن رجلا قد اغتابه فطلب من خادمه أن يأتيه بأحسن أنواع التمر الموجودة عنده ثم انتقى أطيبها و أرسلها في طبق إلى الرجل الذي اغتابه و كتب معها ورقة قال فيها: علمت انك قد اغتبتني بالأمس وبما أنك قدمت لي أحسن ما عندك وهو حسناتك فلم أجد بدا من أرد الهدية، فأعطيك أحسن ما عندي وهو هدا التمر..
لقد شبه الله تعالى الكلمة بالشجرة لسبب هام يوضح براعة الدقة في التصوير و التشبيه، فأصل الشجرة بدرة وتبدأ في النمو شيئا فشيئا، و كذلك يتناولها الناس و تشيع بينهم فتكبر الكلمة و لا تصبح مجرد حروف ينطقها الإنسان بل تضحى مسؤولية على عاتق قائلها، لذلك شبه الله تعالى الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، و الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة، فالكلمة الطيبة متى بذرت في الأرض تبقى ليعمل بها الناس سواء قلوا أو كثروا، و جزاءها عند الله وحده، فالجزاء في السماء لهذا كان الوصف بليغا أيضا حين قال سبحانه و فرعها في السماء بمعنى أن فرع الكلمة الطيبة/ الشجرة يبلغ السماء عند الحق سبحانه ليجازي قائلها، ومن هنا جاءت ضرورة مراقبة الإنسان لما يتلفظ به من كلمات لأن كل ما يلفظه من قول محسوب عليه لا محالة، قال تعالى في سورة ق )ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد(.
لذلك إذا علمنا أن القول الذي يلفظه الإنسان هو محسوب عليه كان لزاما على الناس أن يتدبروا مليّا قبل النطق بأي كلمة فإذا أضفنا إلى ذلك أن الشجرة تكون بذرة ثم تكبر و تترعرع و تعطي ثمارا ثم هذه الثمار تتحول مرة أخرى إلى بذرة و تؤخذ و تزرع في أماكن مختلفة تنتج شجرة من النوع نفسه، و هذا الشجر يأتي بدوره بثمر و الثمر هو الأخر يصبح بذرة صالحة للزراعة و هكذا بلا نهاية.
حينئذ نعرف عظم ثواب الكلمة و عقاب الكلمة الخبيثة و نعرف أن كليهما ينتشر في الأرض كالشجرة التي تنتج البذرة.. إن قول الحق سبحانه، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. قول بليغ الدقة و البيان في لفظه كل حين.. فالكلمة الطيبة عن شخص مثلا، تؤتي أكلها بان ذلك الشخص يحاول كل حين أن يجزيك بالطيب عن تلك الكلمة التي قلتها في حقه، كما أن الكلمة الطيبة تنتقل من مكان إلى آخر بسرعة كبيرة فيحصل الإنسان قائل الكلمة الطيبة على خير كثير في أكثر من مكان بفضل الكلمة الطيبة التي تفوه بها. على عكس الكلمة الخبيثة التي لا نفع فيها و إنما يكون عطاؤها خبيثا مثلها تماما، وقد يتضرر منها المجتمع كله. يقول الله سبحانه و تعالى في محكم بيانه: )و البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه و الذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون..( لهذا علينا جميعا نحن المسلمين أن نحاول جهد الإمكان العمل بما يطلبه منا سبحانه و تعالى أي الحديث بالكلام الطيب والابتعاد عن الغيبة والنميمة وكلام السوء واللغو ففي ذلك سلام للفرد والمجتمع أيضا من عدة أمراض وعلل نفسية،والكلمة الطيبة وحدها تدوم وتبقى وبإمكانها محاربة آلاف الكلمات الخبيثة، فالكلمة الطيبة مثلها مثل السنة الحسنة يقوم بها الفرد فإذا تبعه الناس و نهجوا نهجه فاز بخير عميم رغم انه لم يقم إلا بزرع البذرة الأولى.