ربما مات.. لكنه لم يُهزم..

بواسطة : أحمد عبد الفتاح سلامة

عندما تفكر في الحديث عن ياسر عرفات.. فإنك لا تعرف من أين يمكن أن تبدأ ومن أين ستنتهي.. فتاريخ هذا الرجل.. لا تتسع له المجلدات أو الكتب.. فهو مليء بالمحطات التي لا تُنسى.. فلم يكن القائد الرمز مجرد رجلاً عادياً في تاريخ البشرية.. بل كان أسطورةً في جهاده.. في صموده.. في تمسكه بثوابته الوطنية.. أسطورة في كل شيء فقد شكّل بديلاً عن الجغرافيا حين التقيناه عندما ضاعت الأرض.. معظمنا اختلف معه.. لكننا لم نختلف عليه..
فلم يكن بطلاً أو مجموعة أبطال.. أو قائد.. أو زعيم.. فحسب!!
إنه رجل المرحلة.. رجل التاريخ.. رجل القضية.. عاش هذا الجبل الأشم غامضاً في حياته.. وفي مماته.. كان شخصيةً مركبة ليس من السهل الإحاطة بها أو اختصارها.. عاش في موقع القيادة والكفاح والنضال أربعين عاماً، شقّ طريقاً صعباً لم يحمل فيه إلا القضية الفلسطينية وهمها وخلاصها.. فبث فيها الروح ليؤكد للعالم أن هناك حلماً اسمه “فلسطين”..
كان يؤمن رغم وعورة الطريق بإرادة شعبه القوية التي تعوض خلل موازين القوى.. ولهذا سار رغم كل الحرائق والمآسي والحروب والحصار والقتل والرحيل والاقتلاع وظلم ذوي القربى وانقطاعهم حتى عن السؤال عنه في حصاره ومرضه..
كان يريد أن يستشهد في حصاره وكان يخشى أن يموت منفياً وغريباً أو بعيداً عن الأرض التي رسم خارطتها على رأسه وكافح أربعين عاماً حتى عاد إليها وأحسّ بيديه ثراها.. كانت غايته أن يزرع قدميه في ارض فلسطين. فقد كان يؤمن أن أقدام المناضلين والمجاهدين سرعان ما تتحول إلى جذور. وان كفاحه سرعان ما يتحول إلى أغصان وثمار، وانتصارات..
فكيف يمكن أن نتصور فقدانه.. كيف يمكن للعرب أن يتخيلوا رحيله؟!
قد يصعب علينا، وربما على الكثيرين من أمثالنا أن نتصور عالماً عربياً بدون ياسر عرفات بكوفيته وعقاله وبزته العسكرية التي لم يغيرها علي مدى أربعين عاماً، ومعيشته البسيطة جداً، وتواضعه في التعامل مع أبناء شعبه، ومواقفه السياسية التي يصعب التنبؤ بمعظمها مسبقا. فهو الوحيد الذي قال “لا” في وجه الغطرسة الأمريكية عندما قال الجميع “نعم”..
والتاريخ سيكتب أن عرفات قضى طاهراً نظيفاً وان كل التُهم والسهام والتشكيك الذي واجهه بها الكثيرون لم يُشوه صورته ولم يقو على خدشها مهما حاولوا..
نعم هكذا كان عرفات في حياته.. ومماته..