يوميات كاتب

بواسطة : حسن الأشرف

· اليوم الأول: نهضت من النوم على صوت المذياع الذي لم أطفئه ليلة البارحة... المذيع يتلو أخبار الهزائم والنكسات وبيانات الحروب وجديد الإرهاب وسفك الدماء.. لم تأت على لسانه أخبار جيدة.. إنها غائبة اليوم كالأمس تماما.. خرجت متوجها نحو المقهى محملا كعادتي بحزمة من الأوراق.. عرجت على كشك صغير لأقتني الجريدة.. جلست أرشف من كأس القهوة السوداء وعيناي اللتان تكادان تخرجان من جحرهما كأي فأرين فزعين، تلتهمان جديد الثقافة في البلد.. لا شيء يهم.. مجرد عجعجة بلا طحين وذباب كثيرة بلاطنين.. هكذا مرت ساعات هذا اليوم.. في المقهى، أتأمل الوجوه وتتأملني.. أفحصها وتفحصني.. تأكلني أعين الغرباء من كل جانب. تجد لحمي مرا علقما فتلفظني نظراتهم وتحيد عني لتستقر على شيء آخر غيري أنا.. استوحيت فكرة من هذه المشاهد الغبية، وقررت استغفال الورقة حتى أكتب عن تلك الوجوه الذابلة والأعين الجائعة التائهة التي تبحث عن ميناء رسوها.. حاولت أن أخط الكلمة الأولى لكن القلم عصاني وخرج عن طوعي؛ أجهدت نفسي إلى أن أرهقت أعصابي دون أن أكتب شيئا.. فقط، كتبت جملة واحدة: “أنا الغريب بين الناس، أكاد أختنق”.. قبل الخلود إلى النوم ليلا، مزقت الورقة وبصقت في المرآة.
· اليوم الثاني: في الحديقة، كنت أتجول مشيا على قدماي المتعبتين دوماً، وفي يدي حزمة من أوراق عذراء، وفي جيب معطفي الرمادي الداكن قلم حبر جاف أسود المداد.. كللت من المشي بلا غاية ولا هدف فاستلقيت مسترخيا بكامل ثقل جسدي على كرسي وُضع بجانب كراسي أخرى في عناية تامة وسط دائرة من الأشجار الخضراء المورقة.. غفت مقلتاي لدقائق معدودات، بعدها فتحتها على منظر غريب وعجيب مسرحه الكرسي الذي أمامي.. لو لم أكن أعرف أنني في الحديقة لجزمت قطعا أنني في قاعة لعرض شريط سينمائي إباحي رديء.. لم يخجل الشاب ولم تستح الفتاة مما يصنعانه معا.. تأففت واستهجنت المشهد ثم نهضت من مكاني محوقلا لأتابع سيري.. أستدرج فكرة وتهرب مني أخرى.. تغازلني خاطرة وتفرمني أخرى.. أطارد مشروع قصة ولا أجني من المطاردة إلا مزيداً من التأمل والشرود.. وأنا أتنزه، رمقت تحت شجرة وارفة الظل نفس الفتاة وهي تحلم بين ذراعي شخص آخر غير الشاب الذي شاهدته معها منذ ساعة.. استغربت لدهاء الأنثى ومكرها. جلست القرفصاء وعزمت على افتضاض بكارة أوراقي البيضاء بهذه الكلمات: “المرأة ذلك الكائن المدهش والمستفز، هي كالحياة في فتنتها لكل البشر، وكالموت في ضمه لكل البشر”.. وفي الليل، قبل أن أضع رأسي على الوسادة الخالية مزقت الورقة إرباً إربا وبصقت ثانية على المرآة.
· اليوم الرابع: الحياة تسير على إيقاع سلحفاتي.. هو الملل بعينه.. لاشيء يستحق الذكر هذا اليوم إلا من لقاء عابر بصديق لي يمتهن الصحافة. اشتكى لي الصديق من سوء أحواله وتدني مستوى معيشته.. وبدوري، حدثته عن رتابة أيامي وغربتي في مدينتي الفاضلة التي أقطنها لوحدي.. كان حديث الصديق ذا شجون. “الصحافة مهنة لا يحميها القانون!” هكذا تفوه الصحافي بهذه العبارة الثقيلة في لحظة صمتٍ ناطق.. إنها السلطة الرابعة، يقول في سخرية لاذعة.. ودعته وفي قلبي حسرة وأسى، وفي صدري حنق وغيظ.. لقد أشعل فِيَّ كلامه نيراناً يصعب إخمادها.. بين أناملي المرتعشة رفعت القلم وكتبت: “الكاتب مثل الصحافي شمعة تحترق لتضيء دروب الآخرين.. لكن هناك فارق بينهما... الصحافة تعتبر مهنة أما الكتابة فهي محنة.. إنها احتراق السؤال وحيرة المآل، وطلقة المخاض العسير”.. في المساء، كعادتي أحرقت الورقة ثم صببت عليها الماء لعلني أطفيء نار السؤال.. بعدها بصقت في المرآة على آثار الاكتواء من المحنة إياها والتي يختزلها محياي في هدوء غريب..
· اليوم السابع: تكسرت المرآة فلم أجد شيئا أبصق عليه كعادتي...
· على هامش اليوميات: سقطت سهوا من يومياتي بضعة أيام لم ألف فيها ما يستحق الحكي عنها.. مجرد أيام وكفى.. لكنني كنت دائما أطرح على نفسي السؤال الكبير: لماذا أبصق في المرآة كل ليلة وعلى من أبصق؟. بحثت عن الجواب الشافي في دواخلي فلم أجد إلا تفسيراً واحداً : كوني لستُ راضيا عن نفسي وعن العالم لأنني بكل بساطة كـ....ا .....تـ....ب.