وصفة طبية لكل انواع المرض

بواسطة : فاضل بشناق

لأوضاع المأساوية التي يعيشها الأسرى الفلسطينيون داخل أقبية التحقيق وسجون وزنازين النازي الصهيوني تتفاقم لتنذر بالخطر الكبير الذي يهدد الآلاف من أسرى الحرية الفلسطينيين وفي حديثنا هذا ومن خلال قصة ومعاناة المعتقل المهندس وصفي قبها سوف يتضح لنا مدى الممارسات الوحشية التي يمارسها الوحش الصيوني بحق اخوتنا وأبطال مسيرة التحرير والإستقلال في فلسطين الجهاد والرباط ، التي ترويها زوجته والمحامي فاضل بشناق .
أين أنتم
أين أنتم..لا أحد يسأل عنا، بهذه الكلمات استقبل المعتقل وصفي قبها محاميا جاء لزيارته في مستشفى \”هداسا\” إثر إجراء عملية جراحية له بعد رفض مصلحة السجون لفترة طويلة عرض حالته الصحية على طبيب مختص.. وكحال الكثيرين من المعتقلين المرضى دخل المهندس وصفي، مدير الدائرة الهندسية في بلدية جنين، في دائرة النسيان رغم أنه سمع كما سمع ذووه بعشرات المؤسسات الرسمية والأهلية التي تعنى بشئون المعتقلين، كما سمع أيضا عن تجار لمحامين ممن لا تشكل لهم الأوضاع الراهنة إلا وسيلة لكسب المزيد من المال، ولا يهتم أحدهم لو أنه أمسك بزمام ملفات ألف معتقل رغم أن طاقته في العمل لا تحتمل بضع عشرات أو أقل.

صراع مع المرض
تقول أم أسامة زوجة المهندس وصفي أن زوجها لم يكن يعاني من أية أمراض مزمنة قبل اعتقاله بتاريخ 28/5/2002، والذي كان يتمتع بوضع صحي جيد، إلا أن ظروف الاعتقال السيئة ومماطلة مصلحة السجون في تقديم العلاج الملائم أدت إلى تفاقم الوضع الصحي لزوجها حتى آلت الأمور إلى ما آلت إليه، وفي ذلك تقول: لقد اتصل بي زوجي بتاريخ 30/6/ 2004 وأخبرني أنه \”يشعر بالآم حادة في معدته\”، وحين سألته ما إذا كان قد زار الطبيب قال إن \”عيادة السجن تعطي دواء واحدا لكل الأمراض عبارة عن حبتي مسكن \” اكامول \”.
وتضيف السيدة قبها أنه \”بعد ذلك بأسبوع انقطعت أخباره عنا، حيث أبلغنا من معتقلين في سجن \”عوفر\” أنه تم نقله إلى العيادات بعد أن ساءت حالته، أسبوع بعد ذلك علمنا أنه موجود في مستشفى \”هداسا\” حيث أجريت له عملية جراحية بتاريخ 22/7 تم فيها استئصال المرارة، وما زال حتى الآن يرقد في المستشفى، إلا أننا أبلغنا من معتقلين أنه قد تم نقله إلى سجن \”الرملة\” مؤخرا\”.

وحول دور المحامي خلال هذه الفترة، أوضحت أم أسامة أنه لم يسمح للمحامي بزيارته سوى مرة واحدة ولفترة قصيرة ومنع حينها من الاقتراب منه لمسافة تزيد عن مترين وهو أمر مثير للسخرية.

من سجن إلى سجن
تعود الذاكرة بأم أسامة إلى تاريخ الاعتقال الأول لزوجها عام 1989 في ذروة الانتفاضة الأولى، حيث توالى بعد ذلك مسلسل الاعتقالات، فكان الاعتقال الثاني عام 1990، والثالث عام 1992 أثناء فترة الإبعاد إلى مرج الزهور، والرابع عام 1993، حيث أمضى وصفي شهرين قاسيين في التحقيق لم تتمكن خلالها أجهزة الأمن الصهيونية من إثبات أي تهمة بحقه، أما الاعتقال الخامس فكان أواخر عام 1994 خلال حملة استهدفت نشطاء لحماس في منطقة جنين حيث أفرج عنه أوائل عام 1996 ضمن اتفاقات اوسلو، أما الاعتقال السابع فكان هذه المرة في سجون السلطة الفلسطينية أوائل عام 2000 حيث أمضى عاماً تنقل خلاله بين سجني \”جنيد\” و\”بيتونيا\” إلى أن أفرج عنه مع بداية انتفاضة الأقصى، ليكون اعتقاله السابع بتاريخ 28/5/ 2002 خلال اجتياح نفذته قوات الاحتلال مدينة جنين حيث ما زال يقبع في الاعتقال الإداري دون محاكمة أو تهمة محددة، حيث تم تمديده سبع مرات متتالية، وفي كل مرة تقول النيابة العسكرية أن التمديد جاء بناء على الملف السري.

أين أبي ؟
كانت لحظات قاسية شعرت أنها الدهر كله تقول ريان فقد عشت ووالدتي وإخواني الستة على أعصابنا ولم نتوقف ليل نهار عن التضرع لله ليفرج كربنا وكرب والدنا الأسير دون تهمة أو ذنب أو سبب، رغم أننا محرومون من الزيارة منذ اعتقاله قبل عامين ونصف، إذ لم يتمكن الصليب الأحمر من إصدار تصريح زيارة ولو لمرة واحدة منذ اعتقال أبي، وحتى أثناء مرضه الأخير لم تصلنا أخباره إلا عبر معتقلين آخرين وبطرق غير رسمية، رغم انه كان يجب على مصلحة السجون أن تمكننا من زيارته وهو يخضع لعملية جراحية ويمر بظروف صحية قاسية سيما وانه معتقل إداري دون تهمة.

أما بيسان ذات الأعوام التسعة فقالت أن هذا وضعا لا يطاق، لقد تحولت حياتنا إلى جحيم بعد اعتقال أبي، وكلما راودنا الأمل بان يتم الإفراج عنه قالت المحكمة بتمديد اعتقاله ستة اشهر جديدة، وهذه المرة كان الألم من نوع مختلف، فالخبر أن أبي في المستشفى في وضع صحي سيء، وهذا أمر لا يطاق.

حتى متى ؟
وتشاطر الزوجة أم أسامة أطفالها مشاعر الحزن والأسى على استمرار واعتقال زوجها وتقول\” لقد تقدم محاميه بعدة طلبات استئناف التمست من المحكمة الإفصاح عن أسباب اعتقاله دون جدوى فرفضت المحكمة ذلك تحت ذريعة الملف السري الذي هو جزء من سياسة العقاب التي تمارس بحق كل فلسطيني، وعندما جرى تمديده قبل أربعة شهور طالبت المحامية المحكمة إلزام النيابة بالكشف عن حيثيات الملف السري خاصة وأن زوجي يعمل رئيسا لقسم الهندسة في بلدية جنين ويعيل أسرة كبيرة ولا توجد أي أدلة أو إثبات لاعتقاله، وبعد فترة من المماطلة عجزت فيها النيابة عن إثبات أي تهم بحقه وافقت المحكمة على تخفيض شهرين من اعتقاله الذي حدد بستة اشهر، حيث راودنا أمل كبير بالإفراج عنه سيما وأن قرار المحكمة ينص على أنه لا يجوز إجراء أي تمديد إداري جديد بحق المعتقل قبها، إلا أن المحكمة العسكرية ضربت بعرض الحائط كل ذلك وقامت بتمديده التمديد الأخير، واليوم نناشد كل المؤسسات الحقوقية التدخل من أجل الإفراج عنه نظرا لحالته الصحية، نحن لا نريد سوى تطبيق قرار المحكمة القاضي بالإفراج عنه. أين القانون الدولي ؟ أي شريعة تلك التي تجيز مثل هذه الممارسات ؟ أنجبت طفلتي الأخيرة وكبرت وزوجي خلف القضبان أموت وأتقطع ألما عندما أشاهد الأطفال صغار السن ينادون بابا وأطفالي محرومون من هذا الحق يأتي العيد تلو العيد والمناسبة تتلو الآخر وزوجي مقيد بالسلاسل\”.

عقاب قاس
وتتذكر أم أسامة أن سلطات الاحتلال ومنذ اعتقال زوجها اتخذت بحقهم عقابا قاسيا حيث حرموا من زيارته وتقول لم نتمكن من مشاهدته، ومؤخرا تم نقله من سجن \”النقب\” عنوة وباستخدام القوة إلى سجن \”عوفر\” حيث قررت إدارة السجن رفضه وعدم بقائه في النقب بسبب نشاطه واجبر على النقل تحت تهديد الضرب ومع ذلك بقيت زيارته محظورة حتى إشعار آخر.

يقول المحامي فاضل بشناق \”إن وضع المعتقلين في السجون (الإسرائيلية) يزداد سوءا يوما بعد يوم، وخاصة الوضع الصحي لهم، ووصفي قبها واحد ممن تؤكد حالته الصحية المعاملة السيئة التي تعاملها سلطات الاحتلال للمعتقلين، إذ لا يتم عرض المريض على الطبيب المختص في بدايات مرضه، إنما يعطى مسكنات لمختلف الأمراض، ومع الأيام تتضاعف الحالة الصحية حتى تتحول إلى أمراض مزمنة، فالمعتقل وصفي قبها يعاني من أعراض مرضية مختلفة في المعدة والكلى والمرارة والشرايين، ولما ازدادت حالته سوءا تم نقله إلى مستشفى \”هداسا\” قبل أكثر من 25 يوما، وبعد إجراء الفحوص الطبية تبين أنه يعاني آلاما حادة والتهابات قوية في المرارة واضطرابات في الإفرازات الأنزيمية، ومشكلة في الكلى وحصوات وترسبات دهنية، كما أنه لم يسمح للمحامي بالاقتراب منه، وهذا بحد ذاته إجراء مخالف لكل الأعراف والقوانين الدولية.

وأضاف المحامي بشناق أن ملف المعتقلين لم يعد على سلم أولويات نادي الأسير والسلطة الفلسطينية، وبالتالي نجد أن المعتقل بات مصيره مجهولا بسبب هذا الإهمال والتقصير من المؤسسات المختلفة، إذ لم تقم أية مؤسسة فلسطينية تعنى بشئون الأسرى بزيارة هذا المعتقل أو متابعة وضعه.

وتساءل بشناق عن دور بلدية جنين في العمل من أجل الإفراج عن أحد كوادرها الذي يعمل رئيسا للقسم الهندسي فيها، إذ يجب على البلدية على الأقل إثارة قضيته لدى أكثر من محفل وجهة رسمية وأهلية أو إصدار بيان حول وضعه الصحي، وهو ما لم يحدث حتى الآن.
لماذا الإضراب الآن
ويخوض أسرى الحرية معركة الأمعاء الخاوية للتعبير عن احتجاجهم على تردي أوضاعهم في أقبية السجون وزنازينها المظلمة وما يلاقونه من ممارسات وحشية ضدهم وحول توقيت هذا الإضراب قال بشناق أن المعتقلين في سجون الإحتلال يقومون بين الحين والآخر بنوع من الإحتجاج لتحريك الرأي العام معهم والإلتفات الى قضيتهم لشعورهم أن المسؤولين لا يولون قضية الأسرى الأهتمام الكافي ، والقضية ليست متعلقة بتوقيت بقدر ما هي اجراء لا بد منه لإصال المعتقلين رسالتهم وهمهم الذي لم يتوقف لحظة واحدة بل تفاقم الأمر نحو الأسوأ .ولشعوري بعقم التجاوب مع قضية الأسرى من قبل المسؤولين خاصةً الفلسطينيين فإنني لا اتوقع أن يحقق هذا الإضراب كسابقاته من الإضرابات الأخرى النتيجة المرجوة منه وهذا بإعتقادي يزيد احتقان الوضع ويقوي لدى الأسرى الشعور باللامبالاة من قبل المسؤولين بهم . ومن هنا كان لا بد من التأكيد على ضرورة اهتمام المسؤول الفلسطيني بالأسرى الذين لهم فضل تدعيم قواعد السلطة والتواضع والنزول عن عرش الوجاهة الى عرش المواجهة ومناصرة الأسرى في مطالبهم العادلة .