تحقيق الذات ..

بواسطة : محمد المبارك

” تحقيق الذات .. بين سندان الغرور .. ومطرقة التواضع .. “
أطلّت علينا في السنوات الأخيرة دوراتٌ تدريبية مختلفة ومتنوعة تهتم بطبائع النفوس وتهذيب شوائبها ؛ وتزويدها بالمهارات الجديدة بالتدريب والتأهيل ، وانتشرت على اثرها الإعلانات التي تقوم بتسويق هذه الدورات التدريبية في كافة المناطق وعلى عموم الساحات وبكافة الوسائط الدعائية والإعلانية المتاحة ، وقفزاً على ما هيّة هذه الدورات والتفصيل فيها والتحدث عن النزاع الدائر حول بعضها من جهة النفع أو من جهة الإستقلالية التأصلية والمنشأ أو سلامتها من الأغراض التجارية البحتة ؛ أنتقل بكم جميعاً إلى ما أود أن نقف عليه سوياً ..

نقف أمام عناوين برّاقة .. تشُدُّ إليه النفوس بكل قواها .. وكامل رغباتها .. وأعني بذلك الدورات التدريبية التي تحمل عنوان ” تحقيق الذات ” .. أو ” بناء الثقة في النفس ” ..

إن بناء الثقة بالنفس وتعزيزها بالقوة لهي من المتطلبات المهمة للفرد المسلم رجلاً كان أو امرأة فكثيرٌ ما يتخلى ويجافي المؤهلون والأكفّاء تسلّم المسئوليات والقيام ببعض الواجبات الشرعية لهذا الدين أو غيرها بحجة أنه لا يستطيع ذلك لعدم أهليته ؛ أو لخوفه من عدم القيام بحقها ..
لذا جاء مطلب ” تحقيق الذات ” و ” بناء الثقة بالنفس ” مطلباً ملحاً وهاماً للخروج من هذه الإشكالية التي تؤرق الفرد المسلم ؛ خاصة في ظل الأساليب التربوية التقليدية التي يتعامل بها الأولياء مع من ولاهم الله أمرهم .

لكن وبعد هذه المقدمة أرى أنه قد لاح في الأفق بعض الشطحات أو السلبيات في الإيغال والتمحل في بناء الثقة في النفس ..

وأنا هنا ببدائية تفكير أتسائل ؟؟ كيف نقي الفرد المسلم من مغبّة الإكثار من التطرق للثقة في النفس وتعزيزها .. !!
إننا نلحظ في بعض المواقف إسفافٌ وتهكمٌ بمعاني التواضع السامية ؛ وأصبحت كثيراً من جزئياته _ أي التواضع _ ماهي إلا نقصاً وخدشاً لبنيان وشموخ ” بناء الثقة في النفس ” و لـ ” تحقيق الذات ” !!
إن هذا البناء بهذه الصورة بدأ يعكس ويميل علينا بسلبياته المظلمة و أضواءه القاتمة بسبب الجهل بالنصوص الشرعية والسيرة النبوية ؛ فنتج عن ذلك فئام مغرورةٌ إلى العنق .. تسلل إليها ونفذ إلى قلبها عن طريق ” الثقة بالنفس ” فبدأ إعجاب كل ذي رأيٍ برأيه ؛ والكِبر وغمط الناس ونحو .. وكل ذلك تراه في أبجديات هذا الواثقُ بنفسه جداً حتى الثمالة !! تجده في سكنات ومواقف بعض هؤلاء المتربين على هذا المعنى الجليل القدر الذي ندّ به من أساء مغزاه الحقيقي الشرعي .. وهم في كل ذلك مستمسكين باصل ” بناء الثقة في النفس ” ؛ والأخذ بزمام المبادرة معها ..

إن المتأمل في بعض النداءات التغيرية للنفس عبر الدورات التدريبية يجد أن في بعضٍ منها مبالغةً وجنوحاً عن بعض القواعد الشرعية في تناول بعض هذه القضايا المتعلقة بالنفس وعلاقتها بالخالق وعلاقة هذه النفس أيضاً بالخلق ومع ذاتها .. وما كان ذلك إلا لقلة العلم الشرعي الواقي من الزلل ؛ وعدم معرفة أسرار الشريعة وكليّاتها المتينة لدى بعض القائمين على هذه الدورات ؛ أو كان ذلك بسبب عدم التواصل مع أهل الشأن الشرعي لعرض مواد هذه البرامج والقواعد المستمدة في الأعم الأغلب من نظريات غربية نشأت تحت ظروف معينة بخلفيّات خاصة كي تُمحّص و تنقّى من الشوائب هذا إن لم يكن فيما بين أيدينا من بديل في الوحيين .

وأقول هنا ؛ قولةَ إنصاف إنه مع كل هذا فإن الكثير ممن يقومون على الدورات التأهيلية خاصة البعيدة عن دورات ” البرمجيات ” هم كما أعرفهم شخصياً من خيرة القوم وأهل الفضل والدين ، وإنما طرقت هذا الموضوع برُمّته كي يعي أهل الشأن ويتنبهوا قبل استفحال الأمر وازدياد الشرر من ردة الفعل المصاحبة ل ” تعزيز الثقة بالنفس ” وينشأ لدينا جيل مغرور يمقت الناس ويتعالى عليهم بقدراته بدعوى ” الثقة بالنفس وتحقيق الذات ” ..

وأخيراًَ .. أتسائل بسؤال مشروع ..
هل عجزت عقولُ مفكرينا ومدربينا أن يكتبوا في حال كتابتهم لبرنامج الثقة بالنفس وتحقيق الذات بعد انتهائهم من إيجابيات هذا البرنامج أن يضيفوا عليها نقطة مهمة تُسمّى ” المخاطر ” .. مخاطر هذا البرنامج إذا أخذ حيّزاً أكبر من حجمه ؛ فيرصدوا ويقيسوا ردّات الفعل المتوقعة لكي تكون صمام أمان أمام لهذا البرنامج ذا المقصد النبيل .. ؟؟
أرجو ذلك ..
وأتمنى أن تلقى هذه الكلمات آذاناً صاغية .. بل لابد أن يكون مع الإصغاء قلوباً واعية .. تعي هذا الأمر وتضعه في موضعه ويناقش قبل انفراط العقد ..