معاملة الإسلام لغير المسلمين...

بواسطة : حسن الأشرف

لقد أسس الدين الإسلامي الحنيف ركائز التعايش السلمي ومبادئ الوئام والعدل والتسامح في التعامل مع غير المسلمين في ظل المجتمع الإسلامي. فالإسلام ساوى بشكل مطلق في تطبيق العدل والمساواة والتسامح بين من هم على ملة الدين الذي ارتضاه لنا رب العزة والجلال وبين غير المسلمين من الملل والنحل المختلفة الأخرى. يقول الله سبحانه وتعالى في سورة المائدة، آية 8 :" ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألاَّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى". من هو الذمي؟. لقد جرت العادة على تسمية المواطنين من غير المسلمين في المجتمع الإسلامي باسم "أهل الذمة" أو "الذميين"، والذمة لغة هي العهد والأمان والضمان؛ وأهل الذمة هم المستوطنون في بلاد الإسلام من غير المسلمين. ولقد سمي الذميون بذلك لأن لهم عهد الله وعهد رسوله الكريم وعهد جماعة المسلمين بأن يعيشوا في أمن وأمان تحت مظلة حماية الإسلام لهم ولحقوقهم وأموالهم وأرواحهم. يقول الدكتور علي عبد الواحد وافي في كتابه القيم (حقوق الإنسان في الإسلام) :" الأساس الذي يقوم عليه الإسلام في التعامل مع غير المسلمين أنه يسوي في تطبيق هذه المبادئ بين المسلمين وغير المسلمين فيقرر أن [الذميين في بلد إسلامي أو في بلد خاضع للمسلمين لهم ما للمسلمين من حقوق وعليهم ما على المسلمين كذلك، ويجب على الدولة أن تقاتل عنهم كما تقاتل عن رعاياها المسلمين أيضا وتطبق عليهم القوانين القضائية التي تطبق على هؤلاء إلا ما يتعلق منها بشؤون الدين فتحرم فيه عقائدهم ونحلهم، فلا توقع عليهم الحدود الإسلامية فيها لا يحرمونه ولا يدعون إلى القضاء في أيام أعيادهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:أنتم يهود عليكم خاصة ألا تعدوا في السبت]". لقد دعانا الشارع الحكيم إلى مجادلة أهل الكتاب من بين غير المسلمين بالتي هي أحسن حتى لا تنشأ العداوة ويقع الشنآن والبغضاء بين المسلمين وبينهم. والآية الكريمة في سورة العنكبوت واضحة وجلية؛ يقول سبحانه :"ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون". يقول الدكتور يوسف القرضاوي :"إن لأهل الكتاب من بين غير المسلمين منزلة خاصة في المعاملة والتشريع والمراد بأهل الكتاب : من قام دينهم في الأصل على كتاب سماوي، وإن حُرِّف وبُدِّل بعد، كاليهود والنصارى الذين قام دينهم على التوراة والإنجيل". ويحكم العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين آية قرآنية عظيمة جاءت في سورة الممتحنة:"لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتسقطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون". كما أن الله تعالى قال في سورة المائدة آية 5 :" وطعام الذين أوتوا الكتاب حِلٌّ لكم، وطعامكم حِل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإذا آتيتموهم أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من آذى ذِميا فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة". وفي حديث آخر:" من آذى ذميا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله" رواه الطبراني وهو حديث حسن. هذه هي الملامح الأساسية الموجودة في دستور الإسلام في قضية معاملة غير المسلمين بحيث أنه حدد لهم عدة حقوق مهمة فرض على المسلمين احترامها ومراعاتها، وبالمقابل أوجب عليهم التزامات إزاء المسلمين... لقد جاءت تحذيرات الرسول الكريم إلى المسلمين بأن يبتعدوا عن ظلم غير المسلمين، ومنعهم من أن يعتدوا عليهم، فالله سبحانه وتعالى لا يحب الظالمين ولا يهديهم. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من ظلم معاهداً أو انتقصه حقا أو كلفه فوق طاقته أخذ منه شيئا بغير طيب نفسه فأنا حجيجه يوم القيامة". إن الإسلام أوصى بحماية أموال غير المسلمين وممتلكاتهم؛ فحتى الخنزير أو الخمر مما يعتبره المسلمون مالا حراما، يدعو الإسلام إلى احترامه، بل من أتلفهما على الذمي غُرِّم قيمتهما كما هو منصوص عليه في الفقه الحنفي. وأبرز حقوق غير المسلمين على المسلمين داخل المجتمع الإسلامي هو حق الحرية في التدين والاعتقاد، فلكل ذي دينٍ دينه، ولا إكراه في الدين. والآية 256 من سورة البقرة تقول:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"، بمعنى أنه لا ينبغي إجبار أحدٍ على اعتناق دين الإسلام فهو دين واضح المعالم جَلي البراهين ولا يحتاج إلى إكراه أو إرغام الناس على الدخول تحت رايته. ولقد أجاز الإسلام لغير المسلمين حق العمل والكسب المشروع داخل المجتمع الإسلامي، وأمكنهم أن يتعاقدوا مع غيرهم أو يشتغلوا لصالح أنفسهم، وأن يتاجروا ويمتهنوا ما شاءوا من المهن الحرة والاقتصادية إلا ما كان فيه ربا، فهو محرم عليهم كما هو محرم أصلا على المسلمين. لكن مقابل هذه الحقوق العظيمة التي أولاها الإسلام لغير المسلمين وأوجب أهل الإسلام احترامها وتطبيقها، هناك التزامات على هؤلاء داخل المجتمع الإسلامي؛ وأهمها : أن لا ينكروا كتاب الله سبحانه وتعالى بطعن ولا أن يقوموا بتحريفه، وأن لا يكذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم أو ينتقصوا من شأنه وشأن رسالته أو يذكروا دين الإسلام بسوء وأن لا يفتنوا مسلما عن دينه. كما أنه من المستحب أن لا يجاهروا المسلمين بشرب خمورهم أو إظهار صلبانهم وأن لا يسمعوهم أصوات نواقيسهم ولا تلاوة كتبهم. هذه هي تعاليم ديننا الإسلام السمح في مسألة كيفية التعامل مع غير المسلمين؛ وهذا كان هو منهج رسولنا النبي الكريم والسلف الصالح. لكن ما بال أقوام اليوم في عهدنا هذا وفي بلداننا الإسلامية، ما بالهم أجازوا لأنفسهم مالا يرضاه الله ولا رسوله، وأحلوا ما حرمه الله، وحرموا ما أحله الله... فهل هذا هو الدين؟. لقد سمعنا وما نزال عن هجومات واعتداءات على أناس غير مسلمين في المغرب والسعودية وبعض البلدان الإسلامية الأخرى، بدعوى أنهم ليسوا على ملة الإسلام، ووصل الأمر إلى حد التقتيل والإرهاب البدني والمعنوي. وسموا أعمالهم الإجرامية جهاداً في سبيل الله. فهل الجهاد يكون بقتل غير المسلمين من ذميين ومعاهدين في دار الإسلام وفي مجتمع الإسلام؟. أين هم من النصوص الواردة في القرآن الكريم وسنة المصطفى الأمين، أم أن على قلوبهم أقفال حديدية لايرون بسببها إلا ما يريدون رؤيته، بل ويفتنون بغير علم غير آبهين بعاقبة أفعالهم الخسيسة والتي لا تمت بالإسلام ولا بالجهاد بصلة. إن الإسلام دين يؤمن بالإنسانية العامة الشاملة وينبذ العنف والإرهاب واستخدام العنف؛ ولقد لجأت الدولة الإسلامية في جل فترات تاريخها المجيد إلى سياسة التعايش الديني بغية تحقيق التعايش السلمي الذي يشيع المحبة والإخاء والتعاون وهذا ما يفيد المجتمع الإسلامي والإنساني قاطبة. المرجع : كتاب العدل والتسامح الإسلامي لكتابه أحمد المخزنجي