الزواج الثانــــــي

بواسطة : عبد الباقي يوسف

قلتها يا غانم، قلتها بكل قسوة، تلك الكلمة التي تبقى ترعب أي امرأة منذ اليوم الأول لزواجها، أطلقت النار على حواسي ومستقبلي، وأشعلت النيران في شهد الماضي رغم سنوات الإخلاص والاستقرار التي أدفأتنا بثلاثة أولاد ، تأتي لتترك هذه الزهور الطالعة للتو يتامى من أجل نزوة عابرة، كم أنت تنسى أيها الرجل، حتى فلذات كبدك ستشقيهم لترضي رغبتك ، وأنا التي ظننت أننا انقسمنا إلى ثلاثة أطفال كل واحد منهم يحمل جزءا منك وجزءا مني، وهذا البيت الذي بنيناه لبنة لبنة بسهر الليالي ليكون عشاً آمناً لهذه الأسرة الصغيرة التي نسجناها ستحيله إلى بيت واهن كبيت العنكبوت، سيصبح هشيماً تذروه الرياح، هكذا في منتصف الطريق تتركني وتقول: وداعاً، من أجل زواج من امرأة ثانية ، وكأننا لم نرسم طريق التوحد معاً، أحياناً كنت أخشى الموت لأنه يشتت دفء هذا العش الآمن ويبعدني عن حميمية أطفالي وعن رائحتك، لكنك تخليت في منتصف الطريق واخترت درباً غير الذي رسمناه لمستقبلنا، يا لي من حمقاء، لا لم أكن حمقاء، بل كنت مخلصة وصادقة إلى أبعد ما كنت تتصور. - هل تظنين بأنك أكثر عدلاً من الشرع الذي منحني هذا الحق ، ألم تكن هذه الشرائح مدركة وهي تحل امرأة ثانية لزوج على رأس امرأته وولده، أنت ستهربين من عشك ومن فلذات كبدك ومن رائحة الرجل الذي أحببته، لا أستطيع أن أخادعك، أجل بي رغبة بهذه المرأة التي تسمينها / ضرة مرة/ بالنسبة لي هي ضرة حلوة، فلماذا تؤثرين أنانيتك على رغبتي، إن هذا العش يتسع لتلك المرأة التي ملتُ إليها على سنة ربي ورسوله وأظنه سيكون أكثر طيبا بها، وإن كنت تسمينها ضرة، فأنا أجلب لك صديقة، إنك تضطهدينني باسم الإخلاص، وأنا لست خائناً كما توصمينني، بل تنظرين إلى حرماني من حق وهبه لي الله عز وجل وأنا رجل ميسور بحمد الله ، ولو كان الأمر معاكساً لما كان بوسعي أن أحرمك حقاً أباحته لك الشرائع . - لكنك رغم ما تقول فقد أهنتني في كبريائي، ولتعلم أن عزة نفسي لتمنعني من العيش في عش مناصفة مع امرأة دخيلة علي وعلى أولادي وزوجي وإنني أفضل أن أنسحب بهدوء إلى بيتي الأول الذي لا بيت لي غيره, سأعود إليه مهزومةكجندية هاربة من أسر . كان هذا الحديث الأخير الذي دار بين السيد غانم وبين زوجته السيدة تركية منذ عشر سنوات، فلبثت هذه الزوجة وحيدة ترفض الزواج ثانية وهي تقيم في بيت أبويها بعد موتهما، فيزورها أولادها الثلاثة كل حين ويحملون لها الهدايا. منذ شهر وهي تستعيد وقائع هذا الحديث الأخير وتشرد فيه فقد قالت لها ابنتها الكبرى أن أباها قد ألمح لها بأنه يريد أن يسترجعها إلى عصمته، وعندما أبدت زوجة أبيها امتعاضاً ألمح لها بأنه مستعد للتخلي عنها كما تخلى أول مرة عن حليلته الأولى، فبدت تظهر قبولاً للفكرة وقالت للابنة: سنستقبل أمك يا بنتي بترحاب وأنا حزينة على ما حدث، ولعلها فرصتي كي أصلح ما كنت سبباً به. في الزيارة الأخيرة قالت لابنتها الكبرى : قولي لأبيك إن كان راغباً، فإنني راغبة مثله للعودة إلى عصمته. وللتو أدركت أن الانسان ليس بوسعه أن يقف أما مايشرع الله ، وأن الله هو رؤوف بعباده في جميع الأحوال ، ومادام أن الله قد شــرّع أمرا لعباده فليس أمام الإنسان أن يقف في وجه هذا الشرع . وعندما غابت ابنتها أحست أن شمساً كانت غائمة منذ عشر سنوات غدت على وشك الشروق لأول مرة بعد عقد من ظلام، وتمتمت في سرها وهي تنظر إلى علامات خيوط الشروق الأولى: لقد نضجتِ الآن يا تركية، يبدو أنك كنت في طيش الصبا، وما الذي يحدث إذا رغب في امرأة أخرى، إنه شرع ربك تبارك وتعالى وهو أعلم بمصالح عباده , ها قد دفعت عشر سنوات من الظلام نتيجة تعصبك، لقد نسيت فيها بأنك امرأة تحتاج إلى رجل يحميها . نظرت إلى ذاتها وعادت تتمتم: لكن هل سأكون قادرة على حمل طفل مرة أخرى؟ وأجابت: لم لا، أجل سيكون ذلك رائعاً كمطر ينزل بعد عشر سنوات جفاف. ثم فتحت النافذة وشرعت توزع نظراتها لتقع على الضوء القادم من بعيد.