بالعملاء يقتلون نشطاء الانتفاضة

بواسطة : أحمد عبد الفتاح سلامة

لا يختلف اثنان على أن انتفاضة الأقصى أبرزت الوجه المشرق لنضال وصمود الشعب الفلسطيني، واستعداده لتقديم كل ما يملك لتحقيق استقلاله وإصراره على اجتثاث السرطان الإسرائيلي الخبيث من أرضنا، في الوقت نفسه ظهرت بعض الممارسات السلبية التي تضعف وتشوه مسيرة النضال الفلسطيني على مدار تاريخه..وتأتي ظاهرة العملاء في مقدمة هذه الظواهر التي عانى الشعب الفلسطيني من ويلاتها منذ بداية الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية في العام 1967ومروراً بالانتفاضة الأولى عام 1987 وانتهاءً بانتفاضة الأقصى خاصة بعد فشل الاحتلال الإسرائيلي بكل ما يملك أن يضع حداً للثورة الفلسطينية..
فبالرغم من الإمكانيات العسكرية الهائلة من دبابات وطائرات وأسلحة ثقيلة.. والقدرات الاستخبارية العالية التي يملكها الاحتلال، لم يستطع الاحتلال إحكام السيطرة على الأراضي الفلسطينية وتوفير الأمن لجيشهم خاصة وان الشعب الفلسطيني أظهر مقاومة عنيدة لمحاولات إخضاعه وإذلاله.. فكانت فكرة التوسع في تجنيد العملاء داخل صفوف الفلسطينيين كأداة من أدوات السيطرة على الشعب الفلسطيني وإرهابه.
قد يتسائل الكثيرون ممن يتابعون حركة الانتفاضة عبر الفضائيات العربية عن الكيفية التي تتيح للعدو الصهيوني توجيه صواريخ مروحياته للسيارات التي يستقلها نشطاء الانتفاضة تحديداً، وزرع متفجرات في سيارات محددة يقودها أحد النشطاء.
ولعلنا نتسائل بدهشة شديدة كيف تمكنت مروحية من توجيه صواريخها لمبنى مكتظ بالسكان في حي الدرج العام الماضي، وكيف استهدفت دبابة إسرائيلية سيارة مدنية يستقلها نشطاء من طلاب الجامعات قرب مدينة خانيونس أثناء عودتهم من الجامعة والتي كانت أول عملية اغتيال خلال انتفاضة الأقصى، وكيف تمكنوا من زرع عبوة في أحد الهواتف العمومية في مدينة نابلس التي استهدفت الناشط في حركة حماس إبراهيم بني عودة..هذا والعديد من عمليات الاغتيال البشعة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي..
من المؤكد أن العدو الصهيوني لا يملك قدرات خارقة تجعله يتعرف على شخصيات النشطاء الشرفاء الذين يستهدفهم بالاغتيال الإجرامي ولا الولايات المتحدة التي تزوده بأحدث أسلحتها وتجهيزاتها الالكترونية المتطورة تملك هذه القوة الخارقة، الأمر الذي يعني بداهة أن هناك عملاء لها يمكنونه بالمعلومات الدقيقة التي يزودونه بها من تتبعه بدقة متناهية وتصفيتهم بصاروخ الطائرة أو مدفع الدبابة أو زرع المتفجرات في مكان معين.. ربما تمكن هذا العدو بإغراءاته المالية من إيجاد عملاء له من الفقراء والجهلة وضعاف النفوس في كل مدينة وقرية وهذا أمر طبيعي وظاهرة عالمية لا يخلو منها شعب في العالم يعيش تحت ظل الاحتلال، وشعبنا العربي الفلسطيني ليس شعب ملائكة ..
لكن الأمر الأشد خطراً هو انه يتم تجنيد عملاء للخدمة الفعلية في قوات الاحتلال الخاصة التابعة للشاباك بحيث يشاركون مباشرة في تصفية المقاومين الفلسطينيين. وهؤلاء يتم تجنيدهم في مراحل مبكرة من عمرهم، ويخضعون لدورات أمنية وعسكرية مكثفة إضافة لعمليات غسيل دماغ من قبل علماء تاريخ وعلم نفس.
وعلى الرغم من صعوبة إحصاء عدد العملاء في صفوف الشعب الفلسطيني، فإن التقديرات تقول إن عددهم يبلغ بضعة آلاف عميل، خصوصاً إذا شمل ذلك “العملاء” سماسرة الأراضي الذين يشترون أراضٍ فلسطينية ويبيعونها للصهاينة، وتجار المخدرات الذين إما يتعاونون مع الشاباك أو مع العصابات الصهيونية، إضافة إلى الذين ينشرون الفساد في الأراضي الفلسطينية بتنسيق مع العدو أو بأمر منه وهذا بالطبع يعد عدداً ضخماً إن كان صحيحاً، ولكنه لا يعني أن هؤلاء العملاء موجودون في كل الأوقات؛ فمنهم من قتل ومنهم من تخلى عن هذه المهمة أو تخلى عنه الصهاينة.
ومن الواضح أن تزايد أعداد العملاء ارتبط بالسعي الدؤوب لقوات الاحتلال لقمع الانتفاضة التي اندلعت في العام 1987، حيث واجه العدو تحدياً كبيراً باندلاعها، إذ فشل جهاز الشاباك المكلف بمراقبة تحركات الفلسطينيين في داخل الأرض المحتلة في توقع قيام الانتفاضة، وامتدادها إلى كل المناطق الفلسطينية المحتلة، واستمرارها لحوالي سبع سنوات متواصلة. وتؤكد بعض التقديرات أن فصائل المقاومة الفلسطينية قتلت خلال الانتفاضة السابقة أكثر من ألف عميل بوسائل تصفية مختلفة
ولا تزال سياسة زرع العملاء سياسة ثابتة للكيان الصهيوني لم تتغير حتى مع توقيعه لاتفاق أوسلو مع السلطة الفلسطينية. كما أن امتلاك العدو الصهيوني للعديد من الوسائل التكنولوجية المتقدمة للتجسس لم تغير من سياسته في تجنيد أعداد بشرية كبيرة من العملاء؛ وكذلك الترويج في الأوساط الفلسطينية أن العملاء موجودون في كل مكان في محاولة منه لردع الشعب الفلسطيني وتخويفه من الانضمام إلى التنظيمات الوطنية الفلسطينية أو المشاركة في مقاومة الاحتلال؛ لدرجة أن ضباط “الشين بيت” لم يكونوا حريصين على إخفاء صلاتهم ببعض العملاء إلا في أوقات متأخرة من الانتفاضة بعد أن تعرض هؤلاء لملاحقات من المقاومة الفلسطينية!