الخطاب الديني من النقد إلى التفكيك

بواسطة : محمد المبارك

تتعالى بين فينةٍ وأخرى دعوات ونداءات مختلفة لمراجعة ونقد " الخاطب الديني " الموجه للمجتمع المسلم وللعالم الآخر ، وكانت هذه النداءات تنضوي تحت شعار " نقد الذات " و " التصحيح " ، والعقلاء المنصفين من أبناء الدعوة الإسلامية الإصلاحية لا يضيرهم أن يصححوا مسارهم إن بدا لهم فيه ما يستحق التراجع عنه أو عدم صلاحية لظرف راهن وذلك فيما يتعلق بالنهج والوسائل وبعض ما ارتكز عليه مضامين الخطاب الديني ، وذلك كله حرصاً على تنقية المسيرة وتقويمها وهم يرفعون شعار أن لا أحد يعلو فوق النقد أو يسلم من الخطأ إلا نصوص الوحيين . لكن الملفت في الأمر أن من ثنايا الإسلاميين المسمّون " بالإصلاحيين " أو من كانت له تجربة سابقة وعمل مع الإصلاحيين أو كان يسلك طريق العلم والدعوة ثم انجرف إلى تيارٍ فكري قد تلقفوا هذه النداءات من أطراف قومية صرفة وأطراف ليبرالية متعصبة وعقلية محضة ، وتحول بعضهم من حيث يدري أو لا يدري إلى السعي إلى " تفكيك " و " تمييع " الخطاب الديني بل تعدى ذلك إلى النص نفسه أياً كان مصدره ومستواه ؛ متمثلاً في نقد الإرث الحضاري ونبرة الخطاب في الجيل السالف والتعامل مع الآخر ؛ بل حتى المعاصرين لم يسلموا من ذلك ولقد صرح بعض المتشددين من أحد الأطراف المغذية لهذه الفكرة " فكرة تفكيك الخطاب الديني " _ وهو سيار الجمل " الذي لم يسلم منه " الجابري " نفسه دعي إلى " تفكيك " و " التخلص " من طريقة طرح الكتّاب ذوي النفس الإسلامي كسيد قطب المبنى خطابه على الإرث الماضوي مبيناً أن الخطاب السلفي تحديداً لم يعد صالحاً البتة كلغة حوار وتخاطب في هذا العصر بل إنه علاوةً على ذلك يمثل خطراً وتهديداً على المجتمعات ويضر بها ضرراً بالغاً . فكانت محصلة هذا التفكيك المتزيي بزي " النقد " الخلط بين النقد المبني على الرغبة في تصحيح المسار وتوجيه الدفة وبين تفكيك وتمزيق الخطاب الديني وتمييعه ، وكذلك الخلط بين النقد الموجه لبعض العلائق والشوائب التي تعلقت بالخطاب الإسلامي في ظل الظروف السياسية الخانقة وبين ثوابت وأصول ومرتكزات الخطاب الإسلامي النقي . وقبل الختام لعل من المفيد ذكره أن أحد الشعراء الكتاب في صحيفة " الشرق الأوسط " وهو محي الدين اللاذقاني عندما سئل حول رده على جورج طرابيشي وأدونيس بخصوص نقد الخطاب الديني قال : ( نحن مجتمعات دينية في الأصل والحديث عن نقد الوحي الديني الأساسي المعرفي لنا ، ماهو إلا محاولة في الحقيقة لتمييع واستعداء الشارع العربي على حركة ثقافية بدأت تنضج وتعي أولوياتها .. ) . فهل يعي الإسلاميون هذا الكيد المبطن ؟ وهل آن أن يفطن ذوو النوايا الحسنة خفايا الأمر وأن للأمر أكمة . نقول ذلك ترسيخاً لقيم المراجعات الواعية للذات لتقويم ما يحتاج إلى تقويم بعيداً عن الانهزامية أو قبول الإسقاط المتعمد من الغير في زي النقد البريء .