تأملات حول العلاقة المتبادلة بين الإنسان والطبيعة في الإسـلام

بواسطة : عبد الباقي يوسف

إن القرآن الكريم وإذ كان يدعوك لقراءته ، فإنه لايمنعك من النظر في مخلوقات الله لتكتسب المعرفة ، بل يدعوك إلى النظر والتأمل في كل شيء تراه من نبات وحيوان وجماد ، ففي سورة الغاشية :” أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقت ، وإلى السماء كيف رُفعت ، وإلى الجبال كيف نُصبتْ ، وإلى الأرض كيف سُطحت ” فالقرآن الكريم هنا دعوة إلى التأمل بغية التعرف على عظمة الخالق ، وسنتعرف هنا كيف أن الله قد خلق كل شيء بقدر . وبالطبع فنحن لانستطيع أن نفسر الطبيعة تفسيرا كاملا دون استعانة بالقرآن الكريم ، أو لنقل أن الطبيعة هي كوكب مظلم ،ويكمن النور في ثنايا القرآن الذي جاء ليكون نورا لظلام الإنسان وظلام الطبيعة التي يعيش فيها وتعيش فيه . ولنتأمل هذا النور الذي يبدد الظلمتين في بعض آيات مباركات :
“إنا كل شيء خلقناه بقدر “(أ).
” والسماء بنيناها بأيد وإنَّا لموسعون “(ب).
” إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استولى على العرش يُغشي الليلَ النهارَ يطلبه حثيثاً”(ت).
“سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبيَّن أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد “(ث) . “لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون “(ج) .
هنا سننظر إنشاء الله ل وبصورة شبه مركزة إلى العلاقة ما بين الإنسان والطبيعة التي يعيش فيها . الطبيعة التي هي أيضاً تستمد حيويتها من بقاء وتكاثر الإنسان فيها وهي كذلك تتحسس من تدخل الإنسان في شؤون فطريتها وتبلغ مرحلة النقم منه وردعه إزاء تماديه في هذا التدخل .
لاشك أن الإنسان قد استطاع أن يمتطي عجلة التقدم العلمي والتكنولوجي بشكل واقعي فعال اعتبارا من مائة وخمسين سنة ماضية وهذا بذاته كان حلم الإنسان منذ ملايين السنين . إذن عمر الحضارة البشرية بالمفهوم العلمي والتكنولوجي لا يتجاوز مئة وخمسين سنة استطاعت أن تقلّب الموازين والمفاهيم وتحيل ما كان خيالاً إلى واقع ملموس . وما يعنينا في هذا المقام هو عكس هذا المنجز البشري الهائل على الهواء الذي نتنفسه . بطبيعة الحال فإنه لا يوجد في الطبيعة البشرية منجزاً إلاّ ويأتي على حساب حالة مستقرة ونحن نعترف بأن البيئة قبل مائتي سنة مثلا ً كانت أنقى من واقعنا الحالي ، ولكن الإنسان سعيد أكثر منه في السابق لأنه يتمتع بهذه الاكتشافات المذهلة حتى لو جاءت على حساب الأوكسجين وبديهي أن الإنسان القديم كان يتمتع بهواء أنظف عندما كان يغتسل على ضفاف الأنهار ، ولكنه الآن يعاني قلة الأوكسجين داخل حمّام مغلق مليء بالبخار وهذا المثال يأتي على مختلف أشكال وألوان التفجّر العلمي والتكنولوجي . وإذا كانت حياة الإنسان القديم لا تدعوه لأي التفات إلى العناية ببيئته ، فإن نمط حياتنا الآن لا يدعونا فحسب ، بل يفرض علينا اهتماما خاصاً بالبيئة التي نعيش فيها لأن كل إنسان بات مصدراً لتلويث البيئة وهو ذاته يستطيع أن يخفف من هذا أويزيد فيه حتى من خلال سيجارة يدخنها ، أو من خلال سيارة يقودها ، أو من خلال موقع عمله سواء كان صناعياً أو تجارياً أو حرفياً . فعلى سبيل المثال إذا خفّف كل مدخن في منطقتنا سيجارتين لأنقذ البيئة من دخان ملايين السجائر كل ساعة ، ولو استخدم كل صاحب سيارة قدميه في المشاوير القريبة لأراح البيئة من دخان ملايين السيارات كل ساعة . وهانحن نرى صيحات علماء البيئة المرعبة التي تدعو الإنسان للكف من انتهاك حرماتها ، وإنها تعرف كيف سترد على هذا الإنسان وتجعله يلتزم حدوده . والإنسان بنظر علماء البيئة مهدد بانتقام البيئة منه وما ارتفاع الحرارة في الصيف بدرجة غير مسبوقة إلاّ إشارات لهذا الانتقام . أظن بأننا في هذه البقعة الصغيرة من الأرض نحتاج إلى ثقافة بيئية تمكّننا من التعامل السليم مع البيئة التي نعيش فيها . حتى الآن يجهل الكثيرون مفهوم البيئة ، بل لا يؤمنون بها ، وبناء على ذلك فإن البيئة – الغير موجودة بمفهومهم – لا تعنيهم بشيء وحتى لو فكروا بشيء كهذا فإنهم يعدونه نوعا من الخرافة .. بطبيعة الحال فإننا أدرى بهذه الوقائع من غيرنا كوننا أبناء هذا الواقع . من جهة أخرى يرى البعض بأن أمر البيئة شأن عام في العالم برمته ولا تخصه كونه لا يستطيع أن يقدّم أو يؤخر في أمر مفلوت عام . والحقيقة فإنها مفاهيم تنم عن عدم إدراك الخطورة التي تعكسها وهذا لا يعفي الجهات التوجيهية والتربوية والبيئية من جسامة مسؤولياتها تجاه هذه المفاهيم لدى شريحة كبيرة من السكان . لكن ما هي البيئة ؟
البيئة هي الحياة برمتها .. هي الهواء الذي نتنفسه.. هي لون بشرتنا .. هي تفكيرنا .. هي منتوجاتنا وبالتالي هي خصوصيتنا . كل فرد لديه بيئة تخصه فمفهوم البيئة هو مفهوم عام كما هو مفهوم خاص .
إن كل إنسان توجد في داخله بيئة أحياناً تنقى فتهبه نعمة صفاء الفكر ، وأحياناً تتلوث فتجعله مرتبكاً مشوشاً لايقدر على التركيز . فالإنسان يبدأ أولاً بتنقية بيئته النفسية ، ثم يبدأ بتنقية بيئة المنزل الذي يعيش فيه ، ومن ثم الشارع الذي يسير فيه ، ومن ثم الحي الذي يقيم فيه ، ومن ثم المدينة التي يسكنها ، ومن ثم البلاد التي ينتمي إليها . إن تدخين سيجارة واحدة تسهم في تلويث أجواء بيت كامل مؤلف من ست غرف ، وإن دخان سيارة غير منضبطة وقودياً وميكانيكياً تسهم في تلويث أجواء حي كامل ، وإن أي شكل من فضلات طعام تراكم في زاوية منزل أو على رصيف فإن الروائح تنتشر منه وتلوث أي نسمة نقية تهب على المكان . هذه هي مسؤوليات الناس على كافة مستوياتهم ويمكن لكل فرد أن يركّز على الترويج لهذه الحقائق .
الإسلام يربي الإنسان على النظافة والحفاظ على طبيعة الأماكن ونظافتها وواجب الإنسان هو أن يحافظ على نظافة أي مكان يتردد إليه فقد بيَّن الإسلام بأنه حتى إزاحة الأذى عن الطريق حسنة ، فما بالنا بمن يضع الأذى على الطرقات ,وليست الطرقات هي التي نمضي فيها فحسب , بل هي تلك التي نستنشقها أيضا , فالذي يلوث نسيما , كمن يلوث دربا 0 الإنسان هو ابن البيئة التي يعيش فيها ، ولا يمكن لبيئة ملوثة أن تقدّم إنساناً سليماً في فكره وبدنه . ليس بالضرورة أن تكتظ أسواقنا بالمحلات التجارية والأبنية الشاهقة ، ولكن من الضرورة للحفاظ على فطرية البيئة وجود حدائق مختلفة الأحجام ودوائر خضراء في كل ساحة من ساحات مدننا ، ولنستغل أي مساحة صغيرة لنغرس فيها شجرة كما نستغل أي مساحة شاغرة في نفوسنا لنغرس فيها وردة .
يدعونا الله تبارك وتعالى إلى قراءة كتاب الطبيعة والتأمل في كل صفحة من صفحات هذا الكتاب المنظور لأن هذا التأمل يجعلنا أكثر قرباً من الله ، وأكثر تقديراً للنعمة التي أنعمها الله علينا :” فلينظر الإنسان إلى طعامه ، أنا صببنا الماء صبا ، ثم شققنا الأرض شقا ، فأنبتنا فيها حبا ، وعنباً وقصبا ، وزيتوناً ونخلا ، وحدائق غلبا ، وفاكهة وأبا، متاعاً لكم ولأنعامكم “(ح). ثم يصف جل وعلا :” وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وانبتت من كل زوج بهيج “(خ) . ويقول تبارك وتعالى :” أ فرأيتم الماء الذي تشربون ، أ أنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ، لو نشاء جعلناه أجاجاً فلولا تشكرون “(د).
ويدعوك لأن ترفع نظرك إلى السماء وأنت تتلو ذكره :” وزينا السماء الدنيا بمصابيح “(ذ) . وحتى تبقى محافظاً على ذكر الله فإنه يقول لك :” هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها “(ر) . وهكذا توصل النبي في تأمله إلى قرآن الطبيعة إلى أن قال :” جعلت لي الأرض كلها مسجداً طهورا”(ز) .
ودعا الناس إلى احترام نعمة الطبيعة حتى آخر لحظة :” إن قامت على أحدكم القيامة وبيده فسيلة فليغرسها “(س) . ” وأشرقت الأرض بنور ربها “(ش) .

مراجع
أ‌- سورة القمر ، الآية 49
ب‌- سورة الذاريات ، الآية 47
ت‌- سوؤة الأعراف ، للآية 54
ث‌- سورة فصلت ، الآية 53
ج‌- سورة غافر ، الآية 57
ح‌- سورة عبس ، الآيتان 24 –32
خ‌- سورة الحج ، الآية 5
د‌- سورة الواقعة ، الآيات 68 – 70
ذ‌- سورة فصلت ، الآية 12
ر‌- سورة هود ، الآية 61
ز‌- رواه البخاري ومسلم والترمذي
س‌- عن الإمام أحمد
ش- سورة الزمر , الآية 69
================================================