خلق الله الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد،
وقد أنزل الله القرآن لهذه الأمة ليكون لها النور الذي يهديها في ظلمات البر والبحر، هذا القرآن روح هذه الأمة وإذا نزعت منها روحها أصبحت أمة ميتة لا حياة ولا حراك، تتداعى عليها الأكلة، كالجسد الذي تنزع الروح منه فيصير جسدا ميتا تأكله الديدان والحشرات.
(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الشورى:52]
وهناك من يعمل على نزع هذه الروح من جسد هذه الأمة من يهود وصليبيين وشيوعيين وعملاء لهم يعملون سافرين أحيانا ومقنعين أحيانا؛ لأنهم يعلمون أن القرآن هو سر قوتها وأساس عقيدتها، وهو الذي يدفع الروح رخيصة في سبيل الله. فآية واحدة منه تصنع مضحياً بنفسه وماله ، وكل ما يملكه المؤمن في سبيل الغاية الكبرى هي الجنة التي وعد بها الشهداء والصالحون. كما فعلت آية تحريم الخمر في قوم هم عاشوا عليها وأصبحت عندهم كالماء لا يستطيعون الاستغناء عنه. ولما كان هذا القرآن روحنا، فلماذا نرضى بأن نعيش بدون روح؟ لماذا نعيش حياة الميتين تنهشنا الذئاب ؟ لماذا نخنق أنفسنا بأيدينا وننبذ كتاب الله وراءنا ظهريا؟!.
لما سرت فينا هذه الروح أشعلت في أجسادنا حب الجنة والشوق إلى لقاء الله، وبذل النفس رخيصة في سبيل رب العرش والسماوات فسارع الأطفال والنساء والرجال نحو هذا الطريق، فهو أسرع الطرق إلى الجنة
وقد وفقهم الله لنيل هذا الدرجة ونسأل الله أن يتقبل منهم وأن ينزلهم هذه المنزلة منزلة الشهداء
والتاريخ الإسلامي يفيض بمثل هذه النماذج ، في مكة قبل الهجرة وبعد الهجرة وحتى يومنا هذا الأمثلة أكثر من أن تحصى لرجال ونساء وصبية صدقوا ما عاهدوا الله عليه وقدموا أرواحهم طمعا في ثواب الله ولو أرادوا الحياة الدنيا وزينتها لتمتعوا متاعاً جميلاً.
وما استشهاد الشيخ أحمد ياسين وروحه ورغبته الصادقة في نيل الشهادة، وما هذه العمليات الاستشهادية على أرض الإسراء والمعراج إلا نبته هذه الروح القرآنية، هناك من يبذل روحة رخيصة بلا ثمن، من أجل مسمى زائل ودعوات باطلة، ولن تجد من هؤلاء إلا نادراً، لأنها معان ارتبطت بالأرض ولم تسم بأرواح معتنقيها إلى عنان السماء، أما من تربّوا على القرآن فمحبي الشهادة فيهم كعدد نجوم السماء، وحبات المطر ورمال الصحراء، تراهم في كل مكان على الأرض على اختلاف ألوانهم وألسنتهم، هذا القرآن الذي صنع من عباد الحجر ورعاة الغنم سادة للأمم وهداة في الظلم.
وعلى الجانب الآخر نجد من هم أحرص الناس على حياة وما أجمل التنكير في هذا الوصف “حياة” فهو يحرص على أية حياة دون الاهتمام بشكلها حياة ذل تداس فيها كرامته كل يوم، ينتهك عرضة ، يستباح ماله ، تغتصب أرضه ... كل ذلك لا يهم ، المهم عنده أن يعيش وفقط ، فتراه خائفاً يترقب الموت وينتظره، يعلم أنه سيكون يوماً في عداد القتلى، فهو دائم القلق يشعر أن خلفه استشهادي يلاحقه أينما ذهب أو راح . وتراهم يولون أدبارهم عائدين من حيث أتوا، وهم بأنفسهم يشهدون بذلك ويقرون به (كما جاء في تصريحات رئيس الكنيست الأسبق إبراهام بورج الأخيرة). هذا الخوف آية من آيات الله، وأحد جنوده الذي لا يعلمها إلا هو، روى البخاري عن جابر بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال:” أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر ...” وقال عز وجل: (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب) .
وهي خصلة في يهود صورها القرآن أروع تصوير (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) (البقرة:96)
خصلة يصورها القرآن تبين حال اليهود والمشركين، هم لا يحبون الموت ويخافون منه لأنهم يعلمون أنه لا حياة إلا الحياة التي يعيشونها فهم على يقين أنهم قد خسروا الآخرة بما قدموا من عمل سيئ وإفساد في الأرض، فتراهم يخافون الموت ويهربون منه، لأنهم لا يريدون أن يخسروا الدنيا بطلب الموت
وما أروع إعلان التحدي في القرآن وهو تحدٍّ قائمٍ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها (فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم ).
حتى مع ما أشاعوه من أنهم على الحق وأنهم أصحاب الآخرة ولهم الجنة دون غيرهم فقد دحر القرآن هذه الأباطيل بإعلان هذا التحدي وفضحهم هذه الفضيحة لتكون زادا للمسلمين في معركتهم مع اليهود والمشركين، ولا شك أن من أسباب النصر المادية في المعارك أن تعرف نفسية عدوك وكيفية تفكيره مسبقاً، ولا أعظم من أن يخبرك الخالق بأنهم أحرص الناس على حياة (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)؟ بلى يا رب؛ أنت علام الغيوب وأنت أعلم بما يخفي عبادك، البر منهم والفاجر، ولا يخفى عليك شيء في الأرض ولا في السماء. وبجانب الإخبار الرباني بنفسية اليهود والمشركين يكون إيماننا بالآخرة زاداً ومحركاً نحو بذل النفس والمال والوقت وكل ما يملكه المسلم في سبيل الغاية الكبرى، لأن الآخرة هي خير وأبقى.
هي روح الجهاد فينا والرغبة في تقديم الروح قربانا إلى الله، وسيظل هذا السلاح أفتك من قنابلهم النووية وأسرع من طائرتهم وأقوى من مجنزراتهم, هو أقوى قوة على وجه الأرض.
وما أروع ما وصف سيد قطب رحمه الله إذ يقول:
“إن الإيمان بالحياة الآخرة نعمة ، نعمة يفيضها الإيمان على القلب ، نعمة يهبها الله للفرد العاني الفاني، المحدود الأجل، الواسع الأمل، وما يغلق أحد على نفسه هذا المنفذ إلى الخلود، إلا وحقيقة الحياة في روحه ناقصة أو مطموسة فالإيمان بالآخرة - فوق أنه إيمان بعدل الله المطلق وجزائه الأوفى- هو ذاته دلالة على فيض النفس بالحيوية وعلى امتلاء بالحياة لا يقف عند حدود الأرض؛ إنما يتجاوزها إلى البقاء الطليق الذي لا يعلم إلا الله مداه، وإلى المرتقى السامي الذي يتجه صعداً إلى جوار الله”.