تقضي ذكرى أثرى الأوقات في التأمل بقراءة كتابها المبارك , تحلق بخيالها في فضاءات من نور , وتحس أن الكلمات تجري على لسانها أطيب من شهد العسل , تشعر بأ ن نور الكلمات المباركة يجري في عروقها فتكون في حالة صفاء هائلة , وحالة صلح عظمى مع الله الذي أكرمها بالانفتاح على قراءة هذا الكتاب العزيز قراءات تجعلها تشرق كوردة في ربيع غني 0 كل شيء يغدو أمامها ككتاب قابل للقراءة , وقابل للاستيعاب , وياله من يوم بائس ميت ذاك الذي يمضي دون أن تقرأ فيه شيئا من كتابها فتقول : المدينة التي لا يقرأ فيها القرآن هي مدينة تموت من البرد , الإنسان الذي لا يتدفأ بنور قراءة القرآن هو إنسان يموت من البرد الروحي0 هل سيمهلك العمر يا ذكرى للارتواء من قراءة القرآن المبارك ؟ 0 كتاب الله المفتوح لكل إنسان يفتح عينيه لأول مرة في الحياة 0 القراءة عبادة يا ذكرى , لكن أي قراءة , هل هي قراءة للقراءة فحسب , أم أن العبادة تتحقق بشكل أكثر رسوخا في قراءة الاكتشاف , في قراءة المعرفة , قراءة الاقتراب من الله , التي تقربك من الله 0 يالها من بيوت ميتة تلك التي لانفتح القرآن فيها , يا لها من نفوس مظلمة تلك التي لم تشرق بنور القرآن 0 عندما يخرج القرآن الكريم من بيتك ستفوح من جدرانه رائحة المقابر , وعندما يخرج من نفسك ستفوح من نفسك رائحة الموت 0 حتى الحيوانات الضارة فإنها تكون أقل ضررا في بيت تتلى فيه سطور هذا الكتاب المبارك 0
فتشفق ذكرى على شخص ينام بالمهدئات والأدوية المنومة , والكتاب في ظهرانيه , وتتذكر كيف أنها تغفو بعد صلاة وقراءة آيات مباركات قريرة العين والفؤاد , لا تظن أن هناك من يستمتع بحالة النوم الغارقة مثل الذي ينهي يومه بصلاة وقراءة آيات , نوم طبيعي لا تساويه كل مهدئات العالم في تلك الأوقات الاسترخائية التي يغرق كل عضو وكل ذرة فيها في نوم عميق , وتأتي لحظات الاستيقاظ المشرقة لتتوج كل تلك الساعات المستغرقة بانفتاح جديد على حياة كاملة وكأنها استيقظت فيها للتو , كل صباح يعقب ذاك النوم الهادئ يكون بمثابة ولادة جديدة لها على حياة جديدة بكل لحظاتها وثوانيها , حتى الطعام تشعر بأنها تتناوله لأول مرة , وزوجها بشري تشعر بأنها تكتشفه وتنظر إليه لأول مرة 0 تحتضن القرآن الكريم وتيقن أن علاقة الإنسان بالقرآن أنه إذا دنا إليه فإنه يدنو متدرجا إلى أن لا ينساه , وإذا ابتعد عنه فإنه يبتعد متدرجا إلى أن ينساه 0 لذلك فإنها كل صباح تطلق صوت مقرئ يتلو آيات من سطور كتابها المبارك الذي يبارك حتى في اللبس والطعام والأثاث والآيات تتلى عليها , فتشعر ذكرى بأنها تحلق بمعاني الكلمات إلى ربها و وتزداد إيمانا على إيمانها وهدوءا على هدوئها وراحة نفس على راحتها 0

الواحدة ليلا , بعد ثلاث ساعات متواصلة من قراءة القرآن الكريم , يقول الرجل لزوجته وكأنه ينشد نشيدا : لم أكن أعلم بأن هناك امرأة في هذا الكون يمكن أن تعيدني لأتعلق بالحياة بهذه القوة بعد أن كنت أعيش بانتظار أن أفارق هذه الحياة على خير 0 الآن عندما أستيقظ من النوم في أي لحظة فإنني أبحث لأراك بقربي وعندها أدرك أن لليقظة نكهة جديدة ما كانت في يوم قبلها 0 ذاك الذي لم يظفر بامرأة يحبها مثلما كنت طوال عمري الأربعيني الفائت يثير الشفقة في نفسي لأنه يمضي حياته بدون محبة , وأي شقي هو ذاك الذي يمضي حياته بدون دفء وبيتوتية المرأة التي تسحره بصوتها وحركاتها وعنايتها به وقبلاتها الطائفة عليه حتى وهو مستغرق في سابع نوم 0 في المساء عندما أنام ويدي في يدك لاينتهي خوفي من أن يستيقظ أحدنا فلا يرى الآخر , وعندها ستنطفئ شعلة الحياة مجددا وتأتي أصابع الأشباح لتستبد بكل شعور جميل عشناه معا , أظن بأنني سأكون قد خسرت كل شيء سواء كان الفراق بي أو بك , وهذه المساءات الفائضة بالحيوية والفائضة بكل شيء جميل , كل هذا العالم الذي نعيشه معا هل سينتهي إلى الأبد ويتحول إلى شيء من إرث الماضي 0 هنا يا ذكرى ليس بوسعي أن أتخيل مرارة أن يأتي رجل آخر فيدخل هذا البيت ويأخذ كل شيء يخصني 0 سيكون مؤلما بالنسبة لي أينما كانت روحي أن تكوني مع رجل آخر , سيؤلمني ذلك وستكون خسارتك هي الأفدح من خسارة أي شيء آخر يربطني بالحياة 0 أجل بي رغبة ألا يمكث أحدنا ساعة بعيدا عن الآخر , وكم ستكون مؤلمة تلك الساعة التي يفصل فيها بيننا عالم كامل نجهل كل شيء عنه , ولكن عندما تكون يدك بيدي وتكون يدي بيدك سندخل إلى أي مكان مجهول بشجاعة لأننا نكون معا وسنكون أقوياء بهذا الحب الكبير الذي يحمله أحدنا للآخر و يكون الله إلى جانبنا 0 لن نيأس يا ذكرى من أن نلتقي مرة أخرى , تلك الأقدار التي جعلتنا نلتقي في زمان ومكان وظروف كهذه , سيكون بإمكانها أن تجعلنا نلتقي في أماكن وأزمنة وظروف أخرى 0 كل شيء إذا مات وتحول إلى رماد يا ذكرى فإن الحب الكبير وحده يبقى حيا ولن يتحول إلى رماد , على أجنحته تتحقق المعجزات الكبرى
تهمس ذكرى وقد غاصت عيناها بدموع سخية كحبات المطر , والهمس يخرج ثقيلا كجبل معبئا بشحنة البكاء : هاهي الحياة تزداد دفئا وإشراقا إلى درجة أننا تعلقنا بها بكل هذه القوة 0 الحياة الجميلة تحمل سريرنا على جنحيها وتحلق بنا في سماوات الله الرحبة 0 الحياة تكون مشرقة بوجود الله فيها , كل لمسة جمال تراها هي لمسة من الله تبارك وتعالى , إنه لله يا بشري 00 الله الذي ملأني بكل ذرة إيمان به 00 أشعر بأنه أقرب إلي من نفسي , إنه أكثر رحمة لي من نفسي , كل شيء حولي مكتوب عليه اسم الله , أقرأ اسمه على شربة الماء ولقمة الطعام وجدران البيت , أقرأ اسمه حتى في لون عينيك ونبرات صوتك 0 عندما أحضرت الليلة طعام العشاء وقع نظري على بصلة خضراء طويلة, صرت أردد في نفسي : هاهو الله قد جعل أذيال أوراقها الخضراء مغلقة حتى لا تدخلها حشرات , عندها كان يصعب علينا إخراج تلك الحشرات وغسلها من الداخل 00 أليس هو الله الذي جعل هذا يا ذكرى 0
إن الله هو الذي يملأ كل وقتي وليس من شيء يتردد في خاطري وفمي أكثر من اسم الله 0 ليست هناك نظرة أنظرها إلا باسم الله , ليست هناك خطوة أخطوها إلا باسم الله , ليست هناك كلمة أقولها إلا باسم الله 0
دوما يهب الله الفرص السخية لنا لنكتشف جمالية الحياة وكنوزها ونصلح من شأن أنفسنا , إنـه لا ينظر أن يعاقبنا , ينظر أن يعفو عنا , ولذلك كانت مساحات العفو هي أكثر سعة من مساحات العقاب0 أنا متفائلة بالعلاقة المتبادلة بين الله والإنسان وبين الإنسان والإنسان 0
لا أريد أن يستبد بك الخوف وأنت تؤمن بعدالة الله الكبرى , هذه العدالة التي تلازم الإنسان أينما كان 0 ما أغمضت عيني يوما إلا وحلقت في فضاءاته بنشوة 0 إنني راغبة في لقاء الله , لأننا هناك عندما نلتقي عند الله , سيكون اللقاء أكثر حميمية , سيبدو أمامه لقاؤنا هذا باردا كحلم مضى , ليس لحبنا أي مستقبل بعيدا عن يدي الله , إن اللقاء عند الله هو مستقبل حياتنا الزوجية , ليس من أحد بإمكانه أن يهرب من يدي الله لأنه لم يسبق لإنسان أن تمكن من الهرب من لقاء الله 0 الإنسان الذي أتى من الله فسوف يعود إليه , ولكن لماذا يستبد بك الخوف من العودة إلى مَنْ أتيت منه , عندما أعود إلى يدَي ربي فإنني أحلق إليه كطائر مغرد بأمان , لن أقلق على مصير شخص عزيز علي لأنني سأتركه بين يدي ربي الرحيمتين 0 لن أأسف على الحياة التي تركتها والذكريات التي عشتها لأن الله هو الذي ناداني النداء الذي لبثت عمري في انتظاره , ستذهب يا بشري إلى من هو خير مني 00 ستذهب إلى من يحبك أكثر مني ومن تحبه أكثر مني 00 إلى من يرحمك أكثر مني 0
مايهم يا سيدي هو ألا يفوتك أن تتأمل كل شيء وأنت تنظر فيه أو حتى تفكر فيه ,عندما تنظر إلى الإبل لايفوتك أن تتأمل جمالية الخلق فيه , وعندما تنظر إلى السماء لايفوتك أن تتأمل جمالية ارتفاعها , وعندما تنظر إلى الجبال لايفوتك أن تتأمل جمالية انتصاب قوامها , وعندما تنظر إلى الأرض لايفوتك أن تتأمل جمالية تسطحها , / ألم تر إلى ربك كيف مد الظل / 0
دوما يأتي الله ليقف إلى جانب الإنسان ويبعد عنه الأذى , كنا نرى على النهر أن السمكة عندما تفسد فإن الله يبعث فيها رائحة كريهة حتى يتجنبها الإنسان , فإن فقد الإنسان حاسة الشم , بعث الله لونا يبيّن فسادها أمام ناظريه, فإن فقدهما , أمرها الله أن تبعث إلى فيه طعما فاسدا يجعله يلفظ هذا الطعام الفاسد 0
المجتمع الإنساني يشكل عائلة بشرية كبرى , وهو ربهم ومعيلهم , يوصي عبادة ألا يؤذوا بعضهم وألا يتفرقوا , وأن يتكاتفوا ويصلوا أرحامهم ويتجاوروا ويتسامحوا ويتحابوا , وألا يدع جار جاره جائعا إذا استطاع , وأن يزيحوا الأذى من الطرقات , وأن يلقوا السلام على بعضهم البعض 0 إنهم عباد الله وهو الذي يطعمهم ويسقيهم ويكسيهم 0 واعلم يا بشري أن الإنسان عندما ينادي من أعماقه : يا رب 0 فإن الله تبارك وتعالى من سماواته يجيب : لبيك عبدي 0أحست ذكرى أن شمسا أشرقت في أعماقها وملأت حواسها بنور الله , عند ذاك نزلت دموع من عينيها زادتها خشوعا فنهضت إلى الغرفة الثانية تصلي بخشوع هائل لم تذق حلاوته من قبل 0