قد سألها قوم قبلنا!

بواسطة : اميرة جمال الطويل

أميرة جمال الطويل
(أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران:165]
جاء هذا الدرس القاسي على المسلمين ليكون لهم عبرة إلى أن تقوم الساعة، ولبيان أن لله سنناً لا تتبدل ولا تتحول، ولا محاباة في هذه السنن، مهما كان حجم الخسائر في الصف المؤمن؛ لأن مكاسبها أكبر وأنفع لهذه الأمة، وهذه الدروس هي زاد المسلمين في حياتهم الدنيا، ليعيشوا في عزة لا تدانيها عزة، رافعي رؤوسهم شمخ الأنف؛ لأنهم يسيرون وفق المنهج الذي أراده لهم الله سبحانه، ولينقلوا إلى جوار الله وقد نالوا الأجر العظيم على ما قدموا في دنياهم من التزام بالمنهج الذي بينه لهم الله وجاءت سيرة رسول الله تطبيقاً عملياً لنراه أمامنا رأي العين.
وكلما رجع بي الزمان إلى أحداث الغزوة رأيت رسول الله يجرح وتكسر سنه، وكأني بشهداء المسلمين ودماؤهم تخضب أرض أُحد، وقد رأيت الألم على وجوه الصحابة رضوان الله عليهم لما أصاب رسول الله وأصابهم، المسلمون هم من أصيبوا بهذه المصيبة وهم المسلمون، الذين يقاتلون في سبيل الله وفيهم الذين تركوا أموالهم وديارهم، وفيهم الذين آووا النبي ونصروه، وأعداؤهم فرحين بما أصابوا في المسلمين، وهم الكافرون الذين يحاربون الله ورسوله ويقاتلون أولياءه!.
يقول سيد قطب: “وغزوة أحد لم تكن معركة في الميدان وحده، إنما كانت معركة كذلك في الضمير، كانت معركة ميدانها أوسع الميادين؛ لأن ميدان القتال فيها لم يكن إلا جانباً واحداً من ميدانها الهائل الذي دارت فيه: ميدان النفس البشرية، وتصوراتها ومشاعرها، وأطماعها وشهواتها، ودوافعها وكوابحها على العموم. وكان القرآن يعالج هذه النفوس بألطف وأعمق، وأشمل ما يعالج المحاربون أقرانهم في النزال” [في ظلال القرآن/ المجلد الأول ص:451].
لقد كان من بين العوامل التي جعلت الرماة يتركون أماكنهم؛ خوفهم ألا يقسم لهم الرسول صلى الله عليه وسلم من الغنائم!، وذلك لأن بعض المنافقين (المتكلمين) قد تكلموا بأن بعض غنائم بدر من قبل قد اختفت، ولم يستحوا أن يهمسوا باسم النبي -صلى الله عليه وسلم- عند ذكرهم اختفائها.
لقد كان الانشغال بالغنائم (هذا الأمر التافه) هو السبب الرئيس الذي قلب المعركة وبدل النصر إلى هزيمة، ومن وراء ذلك المنافقون، ولا ننسى أن هذه الهزيمة القاسية كانت بقدر الله ولحكمة بينها الله سبحانه في قوله: وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ*وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا..).
وهنا نقف عند هذا الكلام الذي تحدث به المنافقون وربما تحدثت به نفوس بعض ضعيفي الإيمان، ولننظر كيف كان لهذا الكلام أثره في نفوس البعض من المسلمين. لقد أثار في النفوس حب الدنيا والطمع في شهواتها الزائلة، إذ كيف تصل النفوس إلى أن تحدث نفسها بأمر يتنزه عنه الأنبياء كلهم؟!. وقد دافع الله عن نبيه والأنبياء كلهم ( وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) وهو نفي لعدم إمكان وقوع الفعل، فطبيعة النبي هي الأمانة والعفة والعدل، فكيف يسمع بعض المسلمين لهذا القول عن نبيهم من تلك الفئة المنافقة؟!.
ثم ذكرهم الله بحقيقة هذا النبي وقيمتها الذاتية، وعظم هذه المنة الإلهية ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)
إذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يسلم من أن يُساء به الظن من بعض المسلمين، فلا عجب من أن نسمع في زماننا هذا من يسيء الظن بعلماء المسلمين؛ وبعض من نذروا أنفسهم لله، يقولون الحق ولا يخشون في الله لومة لائم؛ بل قد يصل الأمر إلى التشهير بهم، والسب علناً ونشر هذا الكلام على صفحاتهم، وإنني أتساءل: لمصلحة من إشعال الفتن والتقليل من هيبة العلماء؟ أظنه شأن المنافقين في كل زمان، نعم شأن الشياطين، الشياطين كما وصفهم الله، فالمنافقون في زماننا يقدمون الخدمات لعدو المسلمين الأول بقصد أو بدون قصد (وإذا خلو إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون).
وبعض الناس يحسب اللؤم قوة، والمكر السيئ براعة، وهو في حقيقته ضعف وخسة، فهؤلاء المنافقون كانوا يتظاهرون بالإيمان عند لقاء المؤمنين؛ ليتخذوا هذا الستار وسيلة للأذى، وقد كان اليهود يجدون في هؤلاء المنافقين أداة لتمزيق الصف الإسلامي وتفتيته. وهاهم الآن يعودون بنفس الصفات ونفس المنهج.
إن النفوس إذا تركت للحكم على الهيئات والعلماء؛ كانت البلية الكبرى إذ تضيع الهيبة ويتمزق الصف، ويذهب بالسمع والطاعة، وتتطلع النفوس إلى أهوائها وشهواتها، وكل إنسان يفعل ما ترى نفسه أنه مباح -في شريعته هو- دون الأخذ برأي عالم، ولماذا العالم؟ فقد أصبح كل منهم عالماً في نفسه! لا يرى إلا ما تراه نفسه، ولا يسمع إلا لما يمليه عليه هواه.
لقد ضاع المسلمون زمناً وتأخروا كثيراً بفعل هذه الكلمات التي نراها ونسمعها كل يوم، هذه الكلمات التي ليس من ورائها إلا زرع الوهن والهوان والضعف وحب الدنيا في نفوس المسلمين، ليس من ورائها سوى إيقاد نار الفتن بين المسلمين وشغلهم عن عدوهم الأول، وهي السوس الذي ينخر في عظامها لتصبح هشة لا تستطيع الأمة بعدها حيلة ولا تهتدي سبيلاً.
ثم بعد هذا نتساءل أنى هذا الخزي؟ كيف لنا أن نصاب بكل هذه البلايا؟ لماذا نحن دون غيرنا نقتل ونشرد ونضطهد، ونحن المسلمون وفينا المصلون والمزكون....، وفينا الشيوخ الركع والأطفال الرضع...؟ وكيف للباطل وحزبه أن يكون لهم التمكين والسيادة؟ وكيف للكافرين الذين يحاربون الله ورسوله ويفعلون كل هذا بالمسلمين أن يكون لهم العز والكبرياء، ولنا الذل والمهانة؟ لماذا تبدلت الأوضاع وانقلبت الأمور؟
سألت زينب بنت جحش الرسول صلى الله عليه وسلم: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث”!. [متفق عليه]
وكان الرد الرباني الصريح الواضح قل هو من عند أنفسكم.

إن لله سنناً ثابتة لا تتبدل ولا تتحول، بينها في كتابة ووضحتها سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- إن أردنا التمكين والعزة:
ـ منها؛ ما كان في غزوة بدر سبباً مباشراً في النصر(وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) الخلاف يذهب الهيبة من قلوب أعدائنا، ولا يكون هناك خلاف إلا إذا كان الهوى هو الذي يوجه الرأي، ويجعل صاحبه يتعصب لهذا الرأي ولا يقبل بغيره.
يقول سيد قطب في هذه الآية:” فإذا استسلم الناس لله ورسوله انتفى السبب الأول للنزاع بينهم، -مهما اختلفت وجهات النظر في المسألة المعروضة- فليس الذي يثير النزاع هو اختلاف وجهات النظر، إنما هو الهوى الذي يجعل كل صاحب وجهة نظر يصر عليها مهما تبين له وجه الحق فيها! ، وإنما هو وضع الذات في كفة، والحق في كفة، وترجيح الذات على الحق”.
ـ ومنها(هو الذي أيدك بنصرة وبالمؤمنين) فلا ينزل النصر على المنافقين المتخاذلين، بل إن المؤمنين سبب من أسباب النصر، ولقد نزلت الملائكة في بدر على المؤمنين وثبتتهم وقاتلت بجانبهم ، و كان مع النبي المقاتل ربيون كثير – ولكل منا أن يتخيل ما يحمله هذا الوصف “ربيون”- لم يهنوا ولم يضعفوا ولم يستكينوا، ويلجأون إلى الله بالدعاء (ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين) فاستحقوا التمكين والنصر، لأن التمكين يكون على يد من يرجون رحمة الله ويخافون عذابه ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر(ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز * الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهو عن المنكر ولله عاقبة الأمور) لذا يجب على المؤمنين إذا مُكنوا في الأرض أن تكون هذه صفاتهم كما وردت في الآية.
فلا نصر للكاذبين، ولا مكان لضعاف الإيمان، ولا سبيل إلا باتباع هذا النهج القرآني وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام.
ـ ومنها؛ (بل الله مولاكم وهو خير الناصرين) الله وحده مولانا وهو ناصرنا، ولا ناصر لنا غيره، وإن يخذلنا فمن ذا الذي ينصرنا من بعده؟!، فمن نصره الله لن يهزم أبدًا حتى وإن كان ضعيفاً ذليلاً ولم تكن لدية العدة والعتاد، ومن خذله الله فلن ينتصر أبدًا ولو كان معه كل أسباب القوة والنصر.
ـ (وشاورهم في الأمر) فقد نزل الرسول إلى رأي الأغلبية وخرج إلى قريش رغم أنه كان يفضل الانتظار في المدينة، وإذا أخذ بمبدأ الشورى فلا مجال للرجعة ومراجعة الأمر مرة ثانية، وتركه للأهواء تحكم كما تريد (فإذا عزمت فتوكل على الله).
الدروس من الغزوة أكثر من أن تحصى ولكن رأيت أن أذكّر ببعضها لما استشعره اليوم من محاولات لزعزعة صفوف المسلمين، وشغلهم عن عدوهم الأساس، والدعوة إلى كل فتنة، تترك المجال للأمريكان واليهود يسرقون وينهبون ويغتصبون، بينما نحن إذ سُمع لنا صوت ففي سب بعضنا بعضاً، وإذا رأيتنا نتحرك بقوة وحماس ففي ضرب بعضنا بعضاً، وقد أصبحنا رحماء بأعدائنا أشداء على أنفسنا. نرأف مع الأمريكان واليهود، ونشدد على إخواننا المسلمين.

إنني هنا لا أدعو للقنوط من رحمة الله ، فالنصر آت لا محالة، ولكن هي دعوة لنا جميعاً أن نكون سبباً من أسباب هذا التمكين.
)وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [النور:55].