دور المسلمين في بناء الحضارة الانسانية

بواسطة : عبد الباقي يوسف

يقول <ول ديورانت>: <تزعَّم الإسلام العالم كله في إعداد المستشفيات الصالحة وإمدادها بحاجاتها من الأدوية، ومعالجة المرضى بلا أجر وإمدادهم بالدواء من غير ثمن· وكانت المستشفيات تحتوي على أقسام منفصلة لمختلف الأمراض وأخرى للناقهين، ومعامل للتحليل وصيدلية وعيادات خارجية ومطابخ وحمامات ومكتبة وقاعة للمحاضرات، وأماكن للمصابين بالأمراض العقلية>

·
وتروي المستشرقة الألمانية

<زيغريد هونكه>في كتابها الذي سمته <شمس العرب>: <إن البيمارستانات كانت تقدم مساعدة من موازنتها لكل مريض يدخل إليها سواء كان مسلماً أو غير مسلم، فيعافى ويخرج منها خلال فترة النقاهة، وكانت تقدم له مرتباً شهرياً يتناسب مع دخله قبل المرض، ويدوم هذا العطاء مدة ستة أشهر قابلة للزيادة وذلك لأن المريض الناقِـه لايستطيع أن يرجع إلى عمله لمجرد خروجه من المشفى· فهذا التأمين الصحي لم تصل إليه أرقى الدول الحديثة حتى في العصر الحاضر>· أمام ولادة هذه الدولة الإسلامية التي تتمتع بكل المواصفات التي تحقق للإنسان أمنه وكرامته، أصبح الناس يتفاخرون بدولتهم هذه سواء من داخل الإسلام أومن خارجه · يقول <ول ديورانت>مرة أخرى في قصة الحضارة: <في زمن الخلفاء الراشدين مُسحت الأراضي واحتفظت الحكومة بسجلاتها وأنشأت عدداً كبيراً من الطرق وعنيتْ بصيانتها، وأقيمتْ السدود حول الأنهار لمنع فيضانها، وكانت الأرض قبل الفتح الإسلامي صحراء جرداء، فاستحالت أرضها بعده جنات فيحاء، وكان كثير من أراضي فلسطين قبل الفتح رملاً وحجارة، فأصبحتْ خصبة غنية عامرة بالسكان>· وقد أقام الإسلام جزءاً من دولته في الأندلس ما يزيد عن سبعمئة سنة متواصلة، فقدّم لهذه البلاد إنجازات إسلامية هائلة على جميع الأصعدة، لقد بنوا المكان وأحسنوا إليه كما أحسنوا إلى كل حي يقيم فيه وحتى وصل التحسين إلى الزراعة والجماد وباتت تلك السنوات الذهبية تُعرف في تاريخ الأندلس بتاريخ الحضارة الإسلامية في الأندلس، و<ديورانت>نفسه يصف هذه الحضارة بقول: <القباب المتلألئة والمآذن المذهَّبة جعلت بلاد الأندلس في القرن العاشر الميلادي أعظم البلاد المتحضرة في العالم كله في ذلك الوقت· وكان زائرو مدينة قرطبة يُدهشون من ثراء الطبقات العليا ومما كان يبدو أنه رخام عام >

· لم يكن في ذاك الوقت مَنْ يفكّر إلاّ بالإحسان والعمل الطيب وتقديم الخير ويُذكر أن الهندسة الإسلامية استطاعت في ذلك الوقت أن تقيم جسراً من الحجارة له سبعة عشر عقداً على نهر الوادي الكبير·

<وأنشأ عبد الرحمن قناة تحمل إلى مدينة قرطبة كفايتها من ماء الشرب تنقله إلى المنازل والحدائق والفساقي والحمامات واشتهرت المدينة بكثرة الحدائق والمتنزهات>

·
ويقول

<جان بول رو>

: <لقد وصل العرب في ميدان الصناعة الكيمياوية إلى مرتبة عالية، فاستخرجوا المعادن وعملوا في الصناعة الزراعية مثل صناعة السكر، وعنهم أخذتْ فرنسا الناعورة، وطاحونة الهواء وصناعة الأسلحة، والأقمشة، وفن العمارة، والبحرية، وعلم الفلك، والرياضيات، والطب، والتجارة والإدارة والموسيقا· أما الفيلسوف الألماني الشهير <كانت>فيقول: <أخذت مبادئ التنكرية العقوقية تضمحل في بعض أرجاء أوربا بعد ظهور العربية الإسلامية في الأندلس التي سطع إشراقها من وراء جبال <البيرنه>إلى أواسط فرنسا، فتناول طلاب التجدد التعاليم الاجتماعية البارعة التي انبثقت عن الحضارة العربية العظيمة وأخذوا في تبنيها، فأيقظت فيهم رويداً رويداً شعور مكافحة التنكر والغرور، واستبدلوها بطلب التجدد، وظلت هذه الميول تختمر في الرؤوس حتى ظهرتْ بوادر الثورة الفرنسية الثانية، وأعقبتها الثورة الثالثة · وماهَلّت طلائع القرن التاسع عشر حتى تسربتْ تعاليم الروح الاشتراكية إلى المجتمع الأوربي، وكان ذلك أول تقليد شريف للعرب والإسلام تجلببتْ به أوربا لتخطو خطواتها الكبرى في سبيل تنظيم حياة شعوبها السياسية والاقتصادية والإجتماعية>· والأوضح من هذا أن المؤرخ الإنكليزي <جون دوانبورت>انتهى به تأريخه إلى أن قال في نهاية المطاف: <لو لم تقم في جنوب أوروبا الحضارة الأندلسية العربية، لظلت هذه القارة تسبح مع شعوبها المختلفي النحل والنزعات في حلك من ظلمة الجهل والبداوة، ولما ظهر للمدنيّة الأوربية الحالية أثر في الوجود>· والواقع أن هذه الدولة التي أسست للعالم الحديث، وكذلك للمدنية الحديثة التي انبثقت عن التعاليم الإسلامية الخالصة التي أتى بها، محمد صلى الله عليه وسلم، لترتكز عليها أركان دولته، وهذه التعاليم قبل كل شيء بدأت بغسل الإنسان المسلم من براثن الجاهلية ليكون صالحاً وقادراً على بناء هذه الدولة القويمة فكان دوماً يزرع في نفوس أصحابه والمسلمين بعامة القيم والمبادئ والحس الإنساني والأخوة الإنسانية، ودوماً كان، صلى الله عليه وسلم، يتودد إليهم بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة فينهي مسلماً أن يحتكر حاجة ليستغل بها الناس ويقول له: <لايحتكر إلا خاطئ>· وينهى الناس عن الاتكاء إلى الكسل لالتقاط أرزاقهم ويدعوهم إلى العمل والتجارة والحركة فقال لهم: (وأحل الله البيع وحرّم الربا) البقرة:572· ويبيِّن لهم أن الرشوة مذمومة في دولة الإسلام وبين أبنائه قال صلى الله عليه وسلم: <لعن الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما>·
ويـدعو إلى دوام الحركة سواء حركة المال أو حركة الجسد حتى لا تكون دولته جامدة منطفئة فيذكرهم بقوله تعالى: (فامشوا في مناكبها) الملك:51، ويذكرهم أيضاً بقوله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم)· ويوصيهم: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) التوبة:43، (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)، <وكونوا عباد الله إخوانا>، (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) التوبة:501·
لقد كان المسلم يهتدي بنور هذه الأخلاق ويسمو بها ويضحّي بكل غال ونفيس في سبيل أن يقدم لبنة لبناء دولة الإسلام التي أساسها تنظيم المجتمع المدني·
في سيرته الذاتية يسرد <مالكوم إكس>العام 1964م: <لقد منَّ الله عليَّ فحججتُ البيت وطفتُ به وشربت من ماء زمزم وسعيت بين الصفا والمروة وصليت في منى ووقفت بعرفات مع عشرات الآلاف من الناس القادمين من كل أرض، والذين يمثلون كل درجات الألوان البشرية من الشقر ذوي العيون الزرق إلى الأفارقة السود، فأديت معهم المناسك نفسها في إخاء ووحدة كنت أحسب من تجربتي في أميركا أنهما أمران مستحيلان بين الإنسان الأبيض والأسود>· فهناك يكون المسلم مسلماً، بل جاء ليكون مسلماً (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً) البقرة:125· وروى أبو داود وابن خزيمة في صحيحه عن أسامة بن شريك قال : خرجتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم حاجاً، فكان الناس يأتونه، فمن قال : يا رسول الله سعيتُ قبل أن أطوف، أو قدمتُ شيئاً أو أخرتُ شيئاً فكان يقول : لا حرج>· وفي كتابه <رحلة حاج أميركي إلى مكة>يقول <مايكل وولف>: <رحلة تعطي الفرصة للحاج ليستعيد شيئاً من المساحة النقية في حياته · هذا شيء مركزي في هذه الفريضة هو أمر ثمين جداً لأننا جميعاً نضيع في هذا العالم>· وفي حوار لجريدة <سان خوزيه ميركوري>الأميركية يقول <وولف>: <عندما ترى الكعبة للمرة الأولى تنظر إليها بعد أن تكون قد صليت باتجاهها لسنوات فتجدها رائعة جداً وجميلة جداً· الناس دائماً يبكون عندما يرون الكعبة بالرغم من كونها مبنى مربعاً بسيطاً· عندما تؤدي الطواف تشعر بإحساس عظيم من السمو الروحي، ولكن في الوقت نفسه تحس بالتجمع الهائل والتكامل مع الآخرين وهذا يجعلك تسمو روحياً دون أن تشطح عن حدودك الجسدية واتزانك الطبيعي>·