الحجر الأسود 2

بواسطة : كلمات

يورد الشيخ محمد سائد بكداش وهو مؤرخ معاصر يعيش في المدينة المنورة في مصنفه الشامل ( فضل الحجر الأسود ) قصة القرامطة المشهورة عن الحجر الأسود من أمهات كتب التاريخ بعد تحقيقها فيقول ” في يوم الاثنين الثامن من شهر ذي الحجة ( يوم التروية ) لم يشعر الناس إلا وقد وافاهم عدو الله أبو طاهر القرمطي في تسعمائة رجل من أصحابه ، فدخلوا المسجد الحرام وأسرف هو وأصحابه في قتل الحجاج في الحرم ، وردم بهم ( بئر) زمزم ، كما قتل غيرهم في سكك مكة وما حولها زهاء 30ألفاً ، وفعل أفعالاً منكرة ، ثم جاء إلى الحجر الأسود فضربه بدبوس ( مطرقة مدببة الأطراف ) فكسره ثم قلعه بعد صلاة العصر من يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة ، وانصرف إلى بلده هجر ( البحرين والمنطقة الشرقية للسعودية الآن) وحمله معه ، قيل أنه هلك تحت الحجر الأسود عند نقله 40 حملاً ـ يريد أن يجعل الحج عنده ، لكنه خاب وخسر كما خاب قبله أبرهة الأشرم ” . واحتفظ القرامطة بالحجر الأسود بعد أن بنو له كعبة جديدة في دولتهم طوال 22 سنة . ورفضوا أن يردوه لمكة وقد بذلت في سبيل إرجاعه 50 ألف دينار فلم يستجيبوا ، وبقى مكان الحجر خالياً يلتمس الحجاج والمعتمرين فجوته بأيديهم وهم يبكون ويتوسلون إلى الله أن يعيد لهم الركن إلى مكانه . وبعد أن هلك أبو طاهر القرمطي سنة 332هـ فوجيء المسلمون في يوم النحر ( عيد الأضحى ) الموافق ليوم الثلاثاء من سنة 339هـ بزعيم القرامطة سنبر بن الحسن القرمطي يوافي مكة بالحجر الأسود ـ قيل أن الحجر الأسود عاد على ظهر قعود ضعيف فسمن ! ـ فأظهره بفناء الكعبة ومعه أمير مكة . وكان على الحجر ضبات فضة قد عملت عليه من طوله وعرضه ، تضبط شقوقاً حدثت عليه بعد قلعه ، وأحضر معه جصاً يشد به ، فوضع سنبر القرمطي الحجر بيده ، وشد الصانع بالجص ، وقال سنبر لما رده ” أخذناه بقدرة الله ، ورددناه بمشيئة الله ” ونظر الناس إلى الحجر الأسود فتبينوه وقبلوه وحمدوا الله تعالى . ويقال أن القرامطة حاولوا غش المسلمين فيه ، فجاءوا بحجر مماثل له ، إلا أن المفاجأة كانت لهم حين قبل رئيس وفد مكة اختبار مادة أصل الحجر . وطلب إحضار ماء لكون الحجر الأسود يطفو على الماء وهو ليس كبقية الحجار المعروفة ، مما جعل رئيسهم يظهر تعجبه البالغ وهو يردد ” هذا دين مضبوط ” ! .
ولم تكن حادثة القرامطة هي الوحيدة ، فقد جرت عدت أحداث تاريخية للحجر الأسود خلال الأزمنة التي سبقت الإسلام وبعده ، خلفت آثاراً فيه بتصدع أو تكسر نتيجة لها ، فقد أصاب البيت الحرام حريقان ، الأول في عهد قريش قبل الإسلام ، فاحترق الحجر الأسود ، واشتد سواده .
والثاني : في الإسلام في عصر عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما ، حين حاصره الحصين بن نمير الكندي ، فاحترقت الكعبة المشرفة واحترق الحجر الأسود ، فتفلق ثلاث فلق ، حتى شد شعبه ابن الزبير بالفضة فكان أول من ربط الركن الأسود ، وفي عهد أمير المؤمنين هارون الرشيد ، كانت الفضة التي على الحجر الأسود قد رقت وتزعزعت عن محلها ، حتى خافوا على الركن أن ينقض ، فلما اعتمر هارون عمرته سنة 188هـ أمر بإصلاحه ، وأمر بالحجارة التي بينها الحجر الأسود ، فثقبت بالماس من فوقها وتحتها ، ثم أفرغ فيها الفضة .
وفي حوادث عام 363هـ ذكر ابن فهد المكي في كتابه ” إتحاف الورى بأخبار أم القرى ” قصة رجل رومي جاء من بلاد الروم ، وقد جعل هل مالاً كثيراً على ذهاب الركن ، فضرب الركن بمعول ضربة شديدة ، فلما هم بضربه ثانية بادره رجل من اليمن كان يطوف في البيت فطعنه بخنجر حتى أرداه قتيلاً .
وفي حوادث سنة 413هـ سد ابن فهد المكي حادث اعتداء آخر على الحجر من مجموعة من عشرة فرسان ، استغواهم الحاكم العبيدي في مصر يقودهم رجل تام القامة جسيم طويل بإحدى يديه سيف مسلول ، وبالأخرى دبوس ، يقول : ” وبعدما فرغ الإمام من صلاة الجمعة ليوم النفر الأول ، وقبل عودة الحجيج من منى ، قام قاصداً الحجر وكأنه يستلمه ، فضرب وجه الحجر ثلاث ضربات متوالية بالدبوس ” . وهو يقول : ” إلا متى يعبد الحجر الأسود؟ ولا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولا علي ( كرم الله وجهه ) يمنعانني عما أفعله ، فإنني أريد اليوم أن أهدم هذا الييت وأرفعه ، وكان على أبواب المسجد عشرة فرسان لنصرته ، فاحتسب رجلا وثار به فوجأه ( طعنه ) بخنجر واحتوشه الناس فقتلوه وقطعوه وأحرقوه بالنار . وأقام الحجر علىحاله ذلك يومين ، وكان قد تنخش وجهه في وسطه ، وصارت فيه شقوق يميناً ويساراً ، وتقشر من تلك الضربات ، وتساقطت منه شظايا مثل الأظفار ، وخرج مسكره أسمر يضرب غلى صفرة ، ثم أن بعض بني شيبة جمعوا ما وجدوا مما سقط منه ، وعجنوه بالمسك والًلك ـ صبغ أحمر ـ وحشيت به الشقوق .
وذكر الإمام ابن علان في كتابه ( فضل الحجر الأسود ) أنه في سنة 990هـ : ” جاء رجل عراقي أعجمي ، وكان منجذباً ، فضرب الحجر الأسود بدبوس في يده ، وكان عند البيت الأمير ناصر جاوش حاضراً ، فوجيء ذلك العجمي بالخنجر يقتله ” . وآخر حادثة على الحجر الأسود وقعت في عام 1351هـ أوردها الشيخ حسين با سلامة في كتابه ( تاريخ الكعبة المشرفة ) يقول ” في آخر شهر محرم سنة 1315هـ جاء رجل فارسي من بلاد الأفغان ، فاقتلع قطعة من الحجر الأسود ، وسرق قطعة من ستارة الكعبة ، وقطعة من فضة من مدرج الكعبة الذي هو بين بئر زمزم وباب بني شيبة ، فشعر به حرس المسجد فاعتقلوه ، ثم أعدم عقوبة له “. وزاد با سلامة من مصنفه النادر ” ثم لما كان يوم 28 من ربيع الثاني حضر الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله ، من مصيفه بالطائف قبل توجهه إلى الرياض ، وحضر بعض الأعيان ، وعمل الأخصائيون مركباً كيميائياً مضافاً إليه المسك والعنبر ، لتثبيت تلك القطعة ، وأعادوها إلى محلها”.
وذكر سائد بكداش في كتابه ” أنه قد عمل عدة أطواق حول الحجر الأسود خلال الأزمنة السابقة ، كان آخرها في يوم الأربعاء 22 من شهر شعبان سنة 1375هـ قبيل صلاة المغرب حيث وضع الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود ( رحمه الله ) طوقاً جديداً من الفضة الخالصة على الحجر الأسود ، وكان الشيخ محمد طاهر كردي واقفاً بجواره ممسكاً بالطوق الجديد لتثبيته على الركن الأسود ، بعد أن قلع الطوق الفضي القديم الذي كان قد وضعه السلطان محمد رشاد خان سنة 1331هـ .
وتحفظ متعلقات الكعبة المعظمة والحرم المكي الشريف في متحف ” معرض عمارة الحرمين الشريفين القريب من مصنع كسوة الكعبة المشرفة بطريق جدة القديم ، ويميل أهل مكة القدماء إلى تسميته بالحجر “الأسعد” لكراهة نعت مصادر تفاخرهم في البيت العتيق بلون السواد الذي يتطيرون منه . وتنتشر في الثقافة التقليدية لسكانها رغبة متزايدة في التبرع بسكب العطور ودهن الطيب عليه تقرباً إلى الله في يمينه على الأرض .
وتوصي الجدات وكبار السن أحفادهم الصغار على ضرورة اختلاسهم رشفة بطرف اللسان عند استلام الحجر ، بعد مسحه بطرف ردائه رجاء بركته وعائدته المجربة في علاج النسيان ، وزيادة الحفظ وتوسيع الذاكرة ! كما تتجلى صور من إنكار الذات وإيثار الآخرين بين الطائفين عندما يتراجع بعضهم فسحا للمجال أمام العجزة وكبار السن خصوصاً للنساء والصغار لمنحهم الفرصة بتقبيل ولثم الحجر الأسعد .
وفي الأثر الشريف أن عند الحجر الأسود تسكب العبرات وتذهب الحسرات ، وتجاب الدعوات ، فقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال ” استقبل النبي صلى الله عليه وسلم الحجر ، ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلاً ، ثم التفت فإذا هو بعمر بن الخطاب يبكي فقال : يا عمر هاهنا تسكب العبرات ” .
وهو موطن من مواطن إجابة الدعاء ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً أنه قال : ” إن الركن يمين الله عز وجل في الأرض ، يصافح بها خلقه ، والذي نفس ابن عباس بيده ، ما من امريء مسلم يسأل الله عز وجل شيئاً عنده إلا أعطاه إياه ” .

من اعداد كلمات