فقدان المناعة الخُلُقية عند أبنائنا (2) !!!

بواسطة : محمد محمود عبدالخالق

استكمالاً لما سبق يقول الدكتور / خالد أبو شادي \” هل تحب ولدك ؟! .. إذا كنت تحبه بالفعل فاحرص على أن تزوده بالزاد الذي يبقى لينفعه في الحياة الأبدية لا أن تكتفي بالزاد الذي يفنى فلا يصل إليه منه شيء في الأخرة ... إذا كنت تحب ولدك فحفظه القرآن فإن الولد إذا حفظ القرآن أُلبس والداه تاجاً ضوؤه مثل الشمس ، ويكسى والداه حُلّتين لا تقوم بهما الدنيا جزاء ما قدما وغرسا في ابنهما \”.
إن أكثر الأشياء حولنا لم تعد تربي أو تعلم فالمدرسة والإعلام والصحبة صاروا معول هدم في كيان الأمة - في أغلب الأحوال- ولم يعد من الممكن أن يُعتمد عليهم في تربية الأبناء أو تعويدهم على الخير ، فالمدرسة صارت بلا تربية ولا تعليم بل صار الأبناء يتعلمون فيها ما يُفسد دينهم وأخلاقهم .... والإعلام صار مدمراً لكل ما في المجتمع من خير، فالتقليد الأعمى لكل ما في الغرب والشرق من مساوىء وبث أخلاق جديدة مخالفة لتعاليم الدين بل لقيم المجتمع وعاداته ونشر سلوكيات غريبة والدعوة إلى أفكار رذيلة ورؤى خبيثة وإثارة الشهوات وتقديم الساقطين والساقطات ليكونوا هم القدوات والتعويد على رؤية الباطل وسماعه وبث الشائعات ونشر الفوضى ؛ كل ذلك وغيره الكثير جعل الأعلام في مصاف المتسببيين في فقدان المناعة الخُلُقية عند أبنائنا، فهناك ولا شك تعلق كبير بوسائل الإعلام ولهذا نرى أن تأثيرها على الأبناء عظيم ونتاجها في ذلك المجال صار ملموساً ... وكذلك الصحبة صارت وباءاً على الأبناء بل إن أكثر المحن التي يقعون فيها ترجع إلى الصاحب الضال المضل والذي يسعى إلى إفساد كل من حوله حتى لا يكون وحيداً غريباً ؛ ولهذا كله فإن الدور الأكبر في وجود المناعة الخُلُقية عند الأبناء صار من نصيب الأسرة وعليها أن تتحمله وإلا فماذا ننتظر إذا فسدت الأسرة وأهملت في أداء واجباتها وتحمل مسئولياتها ؟ مع الأخذ في الاعتبار ضرورة السعي الجاد إلى إصلاح منظومة التربية والتعليم والإعلام لتكون حامية للأبناء من الأنحراف داعمة في اتجاه تعويدهم على الخير مكسبة لهم المناعة الخُلُقية .
إن المجتمع نفسه لم يعد يربي ويقوم أو يعاقب ويهذب بل صار للأسف يساعد ويشارك أو يتسامح ويتهاون في انتشار المنكرات وتفشي الموبقات ؛ وذلك بسبب تلك السلبية المنشرة بين أفراده والتي جعلت الكثير يتعاملون مع الأخطاء المنتشرة والأمور المنكرة والأفعال الشاذة والأخلاق المتردية المضرة بالبلاد والعباد بمنطق \” وأنا مالي \” \” هتيجي علي \” \” أنا هعمل ايه في البلاوي دية \” \” أنا اللي هعدل المايل \” ، والنتيجة في النهاية ظهور جيل – إلا من رحم ربي- لم يعد يخشى من مجتمعه إن يراه عاصياً أو مفسداً أو مسيئاً ، بل لم يعد يرى من مجتمعه ما يمكن أن يُسبب له قلقلاً أو خسارة تجعله يندم على فعله ، بل صار يرى أحياناً مع كل مصيبة يفعلها أو جريمة يرتكبها أن الود والترحاب والبشاشة من مجتمعه تزداد أو على الأقل أن المعاملة الطيبة منه تبقى كما هي ، بل لم يعد ارتكاب الجرائم الشنيعة تسبب العار لصاحبها أو لأهله كما كان عليه الحال فيما مضى وتلكم هي المصيبة الكبرى ، فمن أين يكتسب الأبناء المناعة الخُلُقية والمجتمع الذي يعيشون فيه قد فقد مناعته بل صار يُدمر ذاته بذاته ويقضي على نفسه بنفسه وربما أحياناً عن قصد وتعمد من بعض أبنائه الذين ضلوا الطريق ولا حول ولا قوة إلا بالله .
إن من أسباب فقدان المناعة الخُلُقية أيضاً هو انحسار دور المساجد في وقتنا الحالي فلم تعد تؤدي دورها كما يجب في تربية المجتمع وتعليم أبنائه الخير ، وصار بعض الأئمة لا علاقة لهم بالمسجد إلا في يوم الجمعة وأوقات حضور المفتشين بل إن خطبة الجمعة تجدها في كثير من الأحيان تؤدى بشكل نمطي وبصورة نظرية غير واقعية يتحدث فيها الأمام في موضوعات يعرفها الصغير قبل الكبير والجاهل قبل العالم فليس هناك تجديد في تناولها أوملامسة للواقع في عرضها بل هي دائماً تأتي في لباس واحد لا يتغير وبطريقة متكررة ومملة ؛ ولهذا قلّ تأثيرها في نفوس المستمعين فلو سألت بعضهم عن الخطبة وما قيل فيها وما استفيد منها ستجد إجابات مائعة لا علاقة لها بالخطبة أساساً ، بل صار بعضنا لا يعرف ما كان يتكلم عنه الخطيب من الأساس ، ناهيك عن قلة الدروس وقلة اختلاط الإمام بالمجتمع الذي يعيش فيه ، ولهذا فإن لأئمة المساجد دور كبير في تنمية المناعة الخُلُقية في نفوس رواد المسجد الذين يتولون الإمامة بل ومحيط المكان الذي يتواجد به هذا المسجد وهذا يكون بالاختلاط الدائم بهم وحل مشاكلهم والحديث عنها في الخطب والدروس ، وأن يكون الأئمة أسوة لهم في أفعالهم وأقوالهم وأحوالهم .