وأن إلى ربك المنتهى الله غايتنا

بواسطة : دكتور طارق حلمي

ها أنا ذا أعود إلى كنفك فلابديل لي عنك وعساك تقبل من شابت ناصيته وهو يخاف مقامك. أعود إليك لأحتمي من ذل الشهوة ووطأة الشبهة ودواعي الغواية. كم هو مغبون من أراد عزا في غير طاعتك، كم هو مفتون من طلب الهدى في غير كتابك، كم هو مأفون من أعرض عن ذكرك واتبع هواه وكان أمره فرطا. أعن مثلك يعرض المعرضون؟، ألغير جمالك يرنو الناظرون؟، أفي غير مرضاتك يجد السائرون؟، ياويح الذين لايعلمون. انقضت الشهوات وماخلفت إلا الحرمان، وصالت الشبهات ومابلت صدى الحيران، وهل يقر القلب المحجوب عن رب لطيف منان؟. آه من لوعة الفراق، آه من ظلمة المعاصى والذنوب، آه من ألم الحجاب ولكن من يهن يسهل الهوان عليه مالجرح بميت إيلام ضاقت بي السبل ولاسبيل لي إلا سبيلك، وانقطعت بي الحيل ولاحول لي ولاقوة إلا بك،بك أصول وبك أجول وبك أسير وبك أحيا وبك أموت وإليك النشور. أطمعني كرمك الذي لايضيق عن مثلي، أغراني عفوك الذي سبق عقوبتك، أرجو رحمتك التي وسعت كل شيء.لاأجد خالقا غيرك لأعبده، لاأجد رازقا سواك لأشكره، لاأجد ندا لك فأدعوه. لغيرك لاتشد الرحال، كم في سبيلك أزهقت أرواح وأنفقت أموال، ولك الفضل والمن فأنت خالق النفوس وواهب الأموال. لاشيء يعدل القرب منك، ماذاق طعم الحياة من لم يذق طعم السجود، ماأدرك معنى الوجود من غفل عن التدبيرالخفي والمشهود، ماأسعد الذين آمنوا وماأشقى الغارقين في ظلمات الجحود. ماوسعتك أرضك ولاسماؤك ولكن وسعك قلب عبدك المؤمن. قلوب المؤمنين بمحبتك في شغل، لايضطرب قلب في لقائك أمله ورجاؤه، ولايجزع قلب منك خوفه وفي ذكرك هناؤه، ولايغفل عنك من كان في الغفلة شقاؤه. أنت الذي تنصر من نصرك، النصر من عندك لامن عند غيرك،أنت الذي تنصر رسلك والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، القيام لك لاهزيمة معه، وكيف يعد مهزوما من كان قتله شهادة، وسجنه خلوة، وأمره كله له خير. كيف يزعم محبتك من لايذكرك؟، كيف يستقيم إيمان من يرى المنكر فلاينكره؟، كيف يطمع في معيتك من لم يبلغ رسالتك؟، كيف يطيب عيش من شغل عن محبتك بمحبة ماسواك؟. حسن الظن بك هو بضاعتي، طاعتك في السر والعلن هي حرفتي، اليقين بآياتك يملأ قلبي، التوكل عليك سر قوتي، والجهاد فيك هو طريقتي. أنت الذي تفضلت علي بالإيجاد ولولاك كنت نسيا منسيا، أنت الذي هديتني للإسلام ولولاك لصرت كافرا وشقيا، أنت الذي علمتني ولولاك لبقيت على الجهالة الأصلية. لن أطيع في معصيتك الظالمين ، لن أخاف فيك لوم اللائمين، لن أذل يوما للمتكبرين. ياويلي إذا كانت خشيتي مما سواك، ياخسارتي إذا كان عملي على غير هداك، ماأضيعني إذا لجأت إلى غير حماك، ماأشقاني إذا غفلت عن يوم فيه ألقاك وفيه أطمع أن أراك يا من فيك رجائي ويامن أبتغيى أن أنال رضاك ليتك تقبل وتعفو عن مذنب كسير حقيريصبح ويمسي ويبيت يذكرك ودائما لاينساك. لن أحيد عن الإسلام أبدا ماحييت، لن أقبل حكما غير حكمك، لن أرضى بغير شرعك، لن أساوم على القرآن الذي جعلته نورا وهدى للناس، لن أخون الإسلام أفضل شريعة لبني الإنسان. سوف أهتف بذكرك وإن رغمت أنوف، سوف أسبح بحمدك وإن ضاقت نفوس، سوف أبلغ رسالاتك مستعليا فوق المنايا والحتوف. سوف أنشر العدل الذي أمرت به، سوف ألتزم الإحسان عساني أرتقي به، سوف أبشر بكلمتك في مجامع الناس وفي محافلهم، سوف نفتح أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا. ماأشقى الناس إذا لم يؤمنوا بك ربا ومالكا، ماأجهل الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ولايؤمنون بك خالقا ورازقا، ماأحلمك على خلق يأكلون من رزقك ويعيشون في ملكك ويكذبون رسلك. سوف أدعو إليك بالحكمة والموعظة الحسنة، لن نقهر أحدا على اعتقاد مالايريد فلاإكراه في الدين. سوف ندعو الناس إلى الخير الذي نحمله، سوف ندعوهم إلى كرامة الدنيا وسعادة الآخرة، سوف نعلم الجاهل، سوف نرشد الضال، سوف نجمع عليك قلوبا قد فرقتها المصالح ومزقتها الأهواء حتى لايستعلي صاحب البشرة البيضاء على البشرة السوداء بعد أن أظلهم عدل الإسلام فهم بمعيار الحقوق والواجبات سواء. مساكين هؤلاء الذين يهاجمون الإسلام، شرعة الله، ذلك بأنهم قوم لايعلمون. أبعد عدل الله عدل يقال، وهل جاء الإسلام إلا لإشاعة العدل ومحاربة الظلم ومنع استعباد الإنسان لأخيه الإنسان( الناس لآدم وآدم من تراب). المسلم مطالب بالقيام بالقسط والشهادة لله حتى لو على نفسه( ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلاتتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا). ثم إياك أن تحملك العداوة لأحد على مجافاة العدل فتصبح بعيدا من وصف التقوى(ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولايجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون). والأمر بالعدل لم يقف عند حدود المباديء والمثل التي تذكر في مواطن الخطابة والوعظ وليس لها بعد ذلك تأثير في حياة المؤمنين، بل تعدى ذلك حتى صار واقعا ملموسا تبصره العيون وتتشنف بحكاياته الأسماع. دخل على عمر بن الخطاب خليفة المسلمين قاتل أخيه زيدا، فقال له عمر : والله لاأحبك حتى تحب الأرض الدم المسفوح. فقال الرجل وهل ذلك يمنعني حقي عندك؟ قال عمر لا، فقال الرجل : إذا أحب أو لاتحب فإنما يأسى على الحب النساء. رسالة الإسلام إذا هي رسالة تحرير للإنسان. تحرير من العبودية للشهوات والأهواء التي تهبط بصاحبها إلى أسفل سافلين إذا لم يكن له ضابط من الشرع وسناد من الدين. تحرير من العبودية للبشر الذين لايملكون لأنفسهم ضرا ولانفعا ولايملكون موتا ولاحياة ولانشورا، وإذا كانوا لايملكون ذلك لأنفسهم فأنى لهم يملكونه لغيرهم. تحرير من العبودية لزخرف الحياة من القناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث والتي أدى التنازع عليها إلى حروب طاحنة بين البشر قتل فيها من قتل وجرح فيها من جرح ولم يجن المنتصرون إلا السراب. رسالة الإسلام تتسع حتى تستوعب المكان أنى كان، تتعمق حتى تستوعب البشر في كل زمان، تتجدد لتجيب على مايستحدث من قضايا الإنسان.الإسلام هو الدين الذي كلف به آدم ، وآمن به إبراهيم ، وصار هو الدين الذي رضيه الخالق للمخلوقين منذ بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم والذي لايقبل من أحد سواه( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين). إذا أردت أن تدلف إلى الإسلام فماعليك إلا أن تؤمن بالله ربا وخالقا، وأنه وحده المستحق بالعبادة والإنابة. ثم توقن برحمته التي وسعت كل شيء وبلطفه الذي يتبدى في كل شيء، وبإحسانه الذي فاض على كل شيء. توجه بقلبك إليه عندئذ تبصر النور وتدرك الجمال وتخشع في حضرة الجلال. فإذا عجزت عن إدراك الجمال والكمال والجلال فاعلم أن العيب في الرائي وليس في المرئي وهل ينكر ضوء الشمس إلامن به عمى، وهل ينكر صوت الرعد إلا من به صمم. القلب المريض شفاؤه في جلائه، والجلاء يكون بضبط الشهوات ومحو الشبهات.ضبط الشهوات يكون بالإكثار من الذكر ومحو الشبهات يكون بالإكثار من الفكر. الذكر يجلو القلب كما تجلى المرآة بإزالة الغبار عنها فتصفو وترق فتبدو فيها صورة عالم الشهادة بكل وضوح . هكذا القلب إذا تم جلاؤه بالتخلية والتحلية تبدى فيه عالم الغيب كأوضح مايكون الوضوح. التخلية تكون بفراغ القلب من غبار الشهوات والشبهات والتحلية تكون بامتلاء القلب بمحاسن الصفات والترقي في درجات الكمالات.كثير من الشبهات تأتي من الاغترار بالعقل الإنساني، والوهم الذاتي بالقدرة العقلية غير المحدودة. أعظم المعرفة العقلية هي العلم بمحدودية العقل، وأعقل الناس أكثرهم إدراكا بمحدودية العقل الإنساني.إذا انطلقت من هذه المقدمة أمكنك التعامل مع عالم الغيب وعلمت أن دليلك وهاديك في مجاهيل الغيب هو الوحي حين يتوقف العقل عن الإدراك. والوحي قد يكون الوحي العام الذي أوحي به إلى الأنبياء، وقد يكون وحيا خاصا يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده ليزيل عن قلبه شبهة مزلة،أو يبين له حقيقة بدعة مضلة. إياك أن تحجب بغبار الشهوات عن ضياء العقل وهدايته، ثم إياك أن تحجب بأوهام العقل وغروره عن نور الوحي وحقيقته . لن تصل إلى الله بغير الله، فلافهم لك إلا إذا فهمك، ولاعلم لك إذا علمك، ولانور لك إلا ماوهبك من نور. إذا كانت الحواس هي الطريق إلى المعرفة العقلية من خلال السمع والبصر وسائر الحواس، فإن الطريق إلى المعارف القلبية يكون بصفاء القلب وفراغه من الآفات. صفاء القلب يكون بكبح جماح الشهوات، أما الآفات التي ينبغي تفريغ القلب منها حتى يكون محلا لنظر الله فهي دنايا الأخلاق والتعلق بالأعراض الزائلة وأوهام العقل وضلالاته. فإذا عرفت الله تعالى بأسمائه العلية وصفاته السنية وأفعاله المرضية حسن ظنك به لامحالة. ماذا تقول في إله أنعم على الإنسان بنعمة الإيجاد ولم يكن من قبل شيئا مذكورا، ثم خلقه في أحسن تقويم فجعله مرفوع الرأس طليق اليدين ثابت القدمين. ثم جعل له السمع والبصر والفؤاد فصار كائنا مدركا عليما. ثم خلع عليه حلة الجمال وجعل له من اللباس سترا وزينة. أسجد له ملائكته وجعله خليفته في الأرض. ثم لم يتركه وحيدا في هذا الكون يعاني وعورته ويقاسي من أجل العيش، بل ضمن له الرزق وكفل له الحماية. فإذا ضاق به باب من أبواب العيش فتح له بابا وإذا أحاطت به قسوة الطبيعة جعل له من كل ضيق مخرجا.ثم جعل له والدين حنونين عطوفين يتمنيان له الحياة والنجاح، فهما يجوعان من أجل أن يطعم ، ويكدان من أجل أن يهنأ ، ومع ذلك فهما لايضجران ولايشتكيان بل يسعدان ويغتبطان. روى مسلم عن عمر بن الخطاب قال:قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي فإذا امرأة من السبي تبتغي إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار قلنا لا والله وهي تقدر على أن لا تطرحه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لله أرحم بعباده من هذه بولدها. فإذا عرفت الله تعالى بأسمائه وصفاته وحسن ظنك به ربا وخالقا مال قلبك إلى محبته فرضيت به إلها ومعبودا. لاأدري من تحب إذا لم تحب الله الحكيم؟ ولاأعلم من تعبد إذا لم تعبد الله العظيم؟ ولمن تجعل صلاتك ونسكك ومحياك ومماتك إن لم تكن لله رب العالمين لاشريك له؟. محبته سبحانه تقرب البعيد وتيسر العسير،تذلل الصعاب وتهون العذاب. لابد للقلب من محبوب يهواه ويحط عنده الرحال. من الناس من يحب نفسه وهواه ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلاتذكرون).الرغبة، الشهوة، الجاه، السلطان، هذا هو مايحرك السواد الأعظم من الناس في سباق لاينتهي دون أن تدرك المفقود وتحقق المنشود. وهم من خلفه وهم، وسراب من دونه سراب حتى تأتي لحظة الحقيقة بعد أن ذهبت السكرة وجاءت الفكرة ولكن لات حين مندم (وماالحياة الدنيا إلا متاع الغرور). تأمل نفسك وعجزها وضعفها وتقصيرها وجهلها بل وحقارتها وتأمل قدرة الله وقوته وإتقانه وعلمه وجلاله لتعلم كم أنت مغبون حين تقدم مراد النفس على مراد الله، حين تستبدل الأدنى بالأعلى، حين تؤثر شهوة يعقبها الحرمان وماذقت طعم الأنس بالله اللطيف المنان. من الناس من يجعل زوجته قبلته، وأولاده كعبته ، يخاصم لأجلهم ويوالي لأجلهم ، قد جعلهم معيارا للقيم ، الخيانة تنقلب أمانة إذا حققت مصالحهم ، والظلم يصير عدلا إذا مكنهم من مناصبهم، يتألم إذا أصيب أحدهم بوعكة ولايتألم إذا أصيبت الأمة بنكبة، فهم خياله ونبراسه، وهم حديثه بين جلاسه، قد جمع لهم المال حلاله وحرامه، الحلال عنده مازاد في رصيدهم والحرام عنده مانقص من عقاراتهم ، حتى إذا مات تبعه ثلاثة ماله وولده وعمله ؛ فيرجع ماله وولده ولايبقى معه إلاعمله، حينئذ يحق القول ذهبوا وتركوك وفي التراب وضعوك ولم يبق معك إلا الله الحي الذي لايموت. أما يوم القيامة فلايجزي والد عن ولده ولامولود هو جاز عن والده شيئا فالكل في عرصات القيامة في هم ، قد شغلهم الميزان ودقته، والصراط وحدته، والنار وزفراتها، والذنوب وحسراتها، عندئذ لاينفع مال ولابنون إلا من أتى الله بقلب سليم. ألا ماأخسر هؤلاء الذين ضيعوا آخرتهم ولم يربحوا دنياهم. ماذا يمكن أن يقدم لك المخلوقون حتى لو كانوا زوجتك وأبناؤك؟ هل يدفعون عنك القلق إذا أصابك؟ كلا، فكيف إذا كانوا هم مصدر القلق ومسببوه؟ هل يرفعون عنك الهم إذا اعتراك؟ كلا، فكيف إذا كان الهم نتيجة لآلامهم وآمالهم؟ ألا ترى أنهم قد شغلوا عنك بشئونهم ودنياهم؟ ألا أدلك على من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء؟ ألا أدلك على من يجعل لك من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ويرزقك من حيث لاتحتسب ؟ألا أدلك على من إذا ذكرته في نفسك ذكرك في نفسه، وإذا ذكرته في ملأ ذكرك في ملإ خيرا منهم؟ بل ماذا تقول في حبيب إذا تقربت منه شبرا تقرب منك ذراعا، وإذا تقربت منه ذراعا تقرب منك باعا، وإذا أتيته تمشي أتاك هرولة؟إذا أردت حقا أن يكون لك من زوجتك وذريتك قرة عين فاسأل الذي قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلبها كيف يشاء. هل يمكن أن يكون المال بديلا عن الله؟، بالمال يمكن أن تسكن القصور، بالمال يمكن أن تنتقي من الفتيات الحسناوات المعطرات بأروع العطور، بالمال تحملك أفخم السيارات بل إن شئت حملتك الظهور، بالمال يجتمع عليك خلق كثير حتى ولو كانت القلوب منك في نفور، بالمال تشتري ماشئت من الطعام الذي أبدعه طهاة الطعام في أي عصر من العصور، ولكنك أبدا لن تشتري بالمال السرور والحبور. بالمال يمكن أن تجمع الأشياء الممتعة، ولكن أن تجمع الأشياء الممتعة شيء وأن تستمع بها شيء آخر. ماقيمة النور بالنسبة للأعمى وماقيمة الموسيقى بالنسبة للأصم؟ بل ماقيمة اللذيذ من الطعام لمن فقد حاسة الذوق؟. ومن يك ذا فم مر مريض يجد مرا به الماء الذلال إذا كان للضوء حاسة وهي العين، وللصوت حاسة وهي الأذن، وللذوق حاسة وهي اللسان، فإن للإستمتاع حاسة خفية مكنونة في داخلك. كثيرا مانسمع هذه العبارة (لقد صارت الحياة بلاطعم، أو هي مجرد أيام نقضيها، أو غيرها من العبارات التي تدل على أن الحياة قد فقدت البهجة والمعنى).ذلك أن وجود الأشياء الممتعة من حولك لايعني بالضرورة أنك مستمتع بها مالم تكن حاسة الاستقبال الاستمتاعي سليمة وحادة. فمن فقد حاسة البصر لايرى الضوء وإن كان الضوء يغمر الوجود من حوله، كذلك من فقد حاسة الاستقبال الاستمتاعي يفقد المتعة وإن كانت الأشياء الممتعة من حوله. أما من كانت حاسة البصر عنده حادة وقوية يمكن أن يرى في العتمة والضوء الضعيف، كذلك من كانت حاسة الاستقبال الاستمتاعي عنده حادة وقوية فإنه يستمتع بالأشياء البسيطة التي لايستمتع بها الآخرون بل ربما يستمتع بأشياء يمل منها الآخرون. ولكن ماالذي يعطي حاسة الاستقبال الاستمتاعي قوتها وحدتها؟. محبة الله الأعلى هي التي تعطيك حدة في كل حواسك حتى إنك لترى الوجود بلون آخر، وتشعر للحياة بمذاق مختلف. ماذا تقول في عبد اتصل بمصدر الجمال والجلال والكمال؟ لقد أزيحت عنه سحب الشهوات والأهواء التي تحول بينه وبين الإدراك الحقيقي للوجود والحياة فتبدلت الحياة في عينيه بل أحس أنه قد ولد من جديد. لقد صار للسماء زرقة غير التي ألفها، وصار للأرض خضرة غير التي عرفها، لقد أدرك التناغم بين الجمادات والأحياء.أما الشعور بانشراح الصدر، واطمئنان القلب، وإدراك حلاوة الإيمان فهذا يعجز عنه الوصف ويقصر عنه التعبير بالكلمات. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له). الحرية والعدل والمساواة، القيم والمثل وحقوق الإنسان ، آمال وأحلام طالما داعبت عقول الكثيرين وملكت عليهم حياتهم حتى أنهم ضحوا في سبيلها بأرواحهم وهم فرحون مغتبطون. لقد وجدوا أن حياتهم لامعنى لها في ظل الاستبداد ، لقد وجدوا أن إقامة العدل وتحقيق المساواة أغلى عندهم من أنفسهم، وأثمن من ذواتهم، وأبقى من أجسادهم. لقد أحبوا هذه القيم العليا حتى صارت أحب إليهم من كل شيء ومن أنفسهم ومن أولادهم وزوجاتهم. مع تقديرنا واحترامنا لهؤلاء حيث أنهم خرجوا من عالم الحسيات إلى عالم المجردات إلا أننا نعتب عليهم أن محبوباتهم لاتملك نفعا ولاضرا ولاموتا ولاحياة ولانشورا. ماذا عليهم لو تقدموا خطوة إلى الأمام وانتقلوا من المجردات إلى رب المحسوسات والمجردات.وهل تحلو التضحية إلا في سبيل الله؟وهل يملك النفع والضر إلا الله؟وهل يحيي ويميت غير الله؟ وهل خلق القيم الجميلة وحببها إلى القلوب غير الله؟ فلماذا إذا نعدل عن محبة الله الودود إلى محبة غيره من المخلوقات التي لاتملك لنفسها نفعا ولاضرا ولاموتا ولاحياة ولانشورا؟ لابديل لك عن الله عقلا وشرعا وقدرا. لابد لك من محبوب تحبه وتأنس به، تشتاق إلى لقائه وترضى بقضائه. تجده معك في كل أحوالك في حلك وفي ترحالك وفي يقظتك في منامك. لابد لك من محبوب يحبك كما تحبه بل يزيد ويذكرك كما تذكره بل يزيد ويشكرك كما تشكره بل يزيد.لابد لك من محبوب إذا جعت أطعمك، إذا ضللت هداك ، وإذا مرضت شفاك. وهل يقبل العقل السليم بغير الله إلها ومحبوبا؟ وهل يرضى العقل السليم بغير الله هاديا وحاكما؟ وهل البديل عن الله إلا الإلحاد؟ وهل يعني الإلحاد إلا الفوضى والعدم والعبث؟ الملحد يشعر أنه يتيم في هذا الكون فإذا ضاقت به السبل ونزلت به الخطوب فلايعرف إلها يأوي إليه ولاربا يكشف عنه مانزل به من ضر. الملحد يشعر أنه تافه في هذا الكون حيث يرى أن وجوده إلى عدم، وأن الفناء هو نهايته شأنه ان الحشرات والديدان. الملحد يشعر أن حياته بلامعنى ولاغاية فلاحكمة من الوجود في ظنه ولاتقدير ولاتدبير. إذا أرادك فتح لك الأبواب ويسر لك الأسباب وكشف عنك الحجاب فأبصرت مالم تكن تبصر، وعلمت مالم تكن تعلم، وأيقنت أن إلى ربك المنتهى وإلى الله تصير الأمور.