مراسلات في الحداثة 2

بواسطة : د. إسلام المازني

(وإنه بسم الله الرحمن الرحيم)
في الأدب وفي كل شيء سنبدأ باسم الله الرحمن الرحيم، هكذا الحق، وهكذا علمنا الحق، ولن تكون تبركا فقط، بل دلالة وعلامة وعالما
الحمد لله شكرا
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة ونورا
لا ينفع الأسفُ النفوسَ أو الأسى .. الكفّ أولى والتصبر أحسن
مما يؤسف وأنا أكتب الجزء الثاني، أن أتذكر شخصية عربية كبيرة ممتلئة رصينة، لم تقف وقفتها الأخيرة المرجوة، قبل أن تذهب إلى حيث لا يعود أحد ليعيد ما كان، إلى الدار الآخرة..
وقد خطا خطوات جليلة، ولم يصرح للعامة بما وصل إليه بشكل حاسم مبين
وإِذ كانَ في ما ينتَوي مترددا ... نَضا سَيفَهُ من غِمده وهوَ لا يَدري
ويؤسفني كذلك أننا كنا نعيب على بعض قومنا تفكيرهم بعواطفهم، واليوم نضطر -بعد أن حجزنا الحياء دهرا- من توبيخ بعضهم على التفكير بغرائزهم..
فتألفت من بين شهوتها وشبـ.. ـهتها قياسات من البطلان!
وأنا أرفع صوتي محبة وأملا، كأخ وأب وصديق حميم، يريد انتشال صاحب عمره من محنته الفكرية، أو بشكل أدق “من خياره الحياتي وممارسته الربحية”، فيهزه هزا، ويصرخ في وجهه، وهو يعلم أن هذا لن يغضبه، فالثقة والتاريخ بيننا يمنعان الشك في مقصد أي منا...
وأنا أفرق جيدا بين النبلاء الممتحنين، وبين بعض من يحبون التجديد، وإن كانوا لا يفهمون تبعات الحداثة، ويبقى من يقرأ ساخطا حانقا-حتى قبل أن يقرأ هو عاتب- ليخط جوابا ودحضا، ويبقى الأمل في أن يوقف هو العجلة قليلا.. قبل أن تقف به طويلا...
فيوم بَينِكَ يَومٌ ... يَكون فيه وَفاتي

وحين نرى حداثة القوم هي كلماتهم للكون وحركاتهم فيه، لأنها التي تبنى عليهم انفعالاتهم- وليست فراغا عدميا في عالم الشعور، ومن ثم تبني عليها سلوكياتهم!، وسلوكيات من تأثر بهم، فضلا عن مآلاتهم جميعا عندما تنتهي الرحلة..
“ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين”
ولأن الأدب له أثر في الواقع بالنفع أو الضرر كذلك
فلكل هذا قلنا إن الكلام عليه حساب، فقال قائلهم: من يحاسب؟
قلنا لو قلته خاليا منفردا ما سألناك..أما وقد تعرضت لنا، ولكل شيء في حياتنا باللسان، الذي هو أشد أثرا ماديا ومعنويا من الرصاص، فهل نعاملك كالمجنون الذي يهذي؟ وقد تكلمت في الأعراض والملل والأخلاق والعلاقات واللغة والثقافة..
فلو كان هذا الكلام بلا حساب، فكيف يكون الحساب؟
وإذا أخذنا موقفا قلتم قضاة تحاكمون!.. وهل يلزم المرء أن يكون صنما أو أصما لكي ترضوا عنه!
ومن ثم يترككم تعبثون بدينه وثقافته وحضارته، وتذيبون أمته ومستقبلها..
فرق كبير بين الحكم القضائي والإيجابية، ثم إن الفواحش الفكرية لا تحتاج إلى قاض، ولغتنا لا تحتاج بيننا إلى ترجمان..
وإذا أنتم أخذتم مربضا كالدواب قلتم: أصحاب مبدأ..”فما لكم كيف تحكمون..”
والحداثة هي خطاب المرء للكون مفتتا.. مهما أسموه
وإذا استدبر الكائن كل القيم، ونتف ريش العصفور الجميل، أو ذبحه وقال: هكذا أجمل
فكيف يكون الحال.. وكيف يكون الحساب مع الشذوذ الذوقي واللغوي والعقدي
ولئن ثار الغرب على أسباب تخلفه، وقلب كل شيء، ونفض كل شيء
فلماذا لا نقلده في الفكرة والمبدأ، بدلا من تقليده في الصورة بغباء؟
تَرَكتُمونا لِأَقوامٍ تُخالِفُنا .. في الدينِ وَالفَضلِ وَالأَخلاقِ وَالأَدَبِ!
نعم
لماذا لا ننفض أسباب تدهورنا، ومنها فهمنا المتآكل للدين ورسالته، وحجمه في قلوبنا وحياتنا
فديننا ولغتنا كانا أسباب نهضتنا، وقدنا العالم لما قادنا الهدى، وهوينا لما لم ندر عنهما شيئا..إلا بعض أمور.. والحداثة خنجر من الخناجر التي وجهت لصدر اللغة بلا شك.
أرى الكنانة تبكي عهد عزتها... والنيل في شجوه كالعاشق العاني

وهذه اللغة الفصحى تئن فمن .. يحنو عليها ويأسو جرحها القاني

في روضة الخلد سقياها ومنبتها .. وفي سماء المعالي فرعها الداني

ثمارها من معاني الفكر تقطفها .. يد الخيال وتهديها إلى الجاني
ودينهم وأساطيرهم عن الغيب كانا أسباب عصور ظلامهم، وتقدموا لما نقضوا تسلط كهنتهم، ومحاكمتهم للعلماء والفلكيين، وتحالفهم الدنس مع السلطة.. ولكن امتدت الثورة الغاضبة لتنزع حتى البقايا الجميلة، لأنها كرهت كل قديم وهنا كانت المراهقة الفكرية، وقادها فلاسفة الرعونة العلمانية، لتحدث انقلابا على الأخلاق لصالح المادة والمنفعة، وخلعا للثياب وفوضى جنسية، وحرية “حرية رد فعل” باتت همجية، وتعقب تلفا للعالم وللأجيال القادمة..
لا تَذكُروا الأَخلاقَ بَعدَ حِيادِكُم.. فَمُصابُكُم وَمُصابُنا سِيّانِ
حارَبتُمُ أَخلاقَكُم لِتُحارِبوا .. أَخلاقَنا فَتَأَلَّمَ الشَعبانِ

وكل هذا مرتبط بحداثة الأدب واللغة، ونزع الجذور بدلا من تنقيتها من الأعشاب والحشائش الضارة والشوك..وبدلا من رعاية البذور وتكبيرها واحتضانها، وتطوير ما سبق الوصول إليه.. هدمنا كل شيء، وليتنا بنينا بعده شيئا.. بل تأملنا كومة الأنقاض بإعجاب مفتعل تقليدا للغرب، وتفننا في تشكيل أكوام يومية من الركام الشعري والنثري، ولا تبقي على هذا الأيام .. والواقع يشهد أنه لا خلود لأدب كهذا مختل طائش الكلمات
ويبقى الجمال جميلا والزبد زائلا
في الأرض يمكث من ينفعْ ويُثبِتُه .. رب السموات مثلَ الشامخ الراسي
وهاهم بعض منظريهم يعودون، بعدما رأوا ما جرى..

وهذه الحداثة رغم ظهور خفتها مقارنة بثراء الأدب ..أي أدب.. وصل إليه البشر بالإلهام وإعمال العقول للإتقان، إلا أن سهولة امتطائها تغلب كثيرين، ولا يعلمون أنهم سيعرفون بعد حين أنهم امتطوا حمارا لا فرسا، وأن التاريخ لن يثبت لهم نقشا، لأنهم لم يتعبوا، والإعلام يصنع الفقاعات ولا يصنع التاريخ

والواقع يشهد أن هناك نصوصا مشعة، ونصوصا خاملة، فهناك قصائد تضيء بذاتها
ولا تحتاج مؤثرات صوتية، ومجسمات وتضخيما أثناء الإلقاء، وإبهارا لتؤثر وتنال الإعجاب
كما نرى في نصوص مدارس الأدب الحداثي-زعموا-العاري عن التطريز الإنساني الراقي، بالوزن الذي نبغ فيه العرب، وبينه الخليل، حيث يظهر العاجزون عن قرض الشعر الحقيقي في المحافل بكم من الموسيقى والصدى، وأمورا كثيرة لترفع من شأن الأحرف..
ودوما هناك جواهر زائفة، وجواهر حرة أصلية..
والقصائد الحقيقية يترنم بها البشر جميعا، والبيت منها يطير في السماء، ويردده المثقفون والعوام
ولو بعد مائة عام..
وبنيان القصائد الحداثية يحكي الرمزية الغالية، فهو غموض يغطي مغالطات، كما هي القصائد التي صاغها الزنادقة عبر التاريخ الأدبي، لكي لا تؤخذ عليهم كلمة ذات معنى واحد، أو واضح..! تشابهت الأقلام
وءاخر ما لاحظته بشأن الحداثة
هو ميل عدد من مفكري إحدى الحكومات لنقد الفكرة العشوائية الحداثية، في الجريدة الرسمية، ولا أدري هل هذا ذرا للرماد في العقول، أم مراجعة، فقد مررنا بفترة قال فيها من قال: نأخذ من الغرب كل شيء حتى الأمراض لنكون مثله “في الثورة الصناعية و غيرها..”
ورأيت بعد نصف قرن أننا أخذنا الأمراض فقط وتركنا كل شيء..
ومما رأيت من بعض كتابهم مؤخرا ما خلاصته :أن الحداثة في الفنون تمحو الهوية وتزيلها، وفي الموسيقى كأنما وزعت على مائة مجنون ءالات موسيقية، وتركتهم يعزفون وسجلت ذلك وقلت هذه سيمفونية “حداثية”..
ورأيت مفكرين يقولون -أخيرا- أن الحداثة مرتبطة بالزائل العابر وحضارة اللذة الوقتية، وأزيد والفردية..
بل رأيت المفكرين من أهل الكتاب - نصارى- يعيبون الحداثة، ومضمون كلامهم أعبر عنه كما فهمته: هي اسم جميل لحالة تعفن..
وهذا ما أعجب منه حقيقة، وأسر به على أية حال، وأيا كان المبرر..
ونقف هنا وقفة لابد منها قبل أن نتلقى الرد النمطي:
الإسلام ليس “فكرة” أو “فكرا”، وليس “أيديولوجيا” أو فلسفة، إلا في نظر من لا يفهمون كيف يقدم هو نفسه، ولا كيف عاشه أهله الأول، ولا أظن عدم الفهم هنا قصورا عقليا محضا، بل قلة رغبة أو عدم اكتراث، لا تنظروا للعالم كما ينظر إليكم، ولا كما يصفكم، ولا كما يريد أن تكون الصورة، ارجعوا للوراء قليلا
أو تقدموا للأمام وانظروا... ولا تخافوا؟ كيف ترون الصورة قبل عدة قرون؟ وكيف هي بعد عدة قرون؟
كيف هي عموما؟
أريدكم فقط أن تخرجوا من إطار اللحظة وضغطها عليكم زمانا ومكانا وإنسانا و...
منذ متى ونحن نقلد كل مؤلف؟
هل هناك حقائق مادية تشهد لرسالة سماوية؟
إذا ترددنا هنا فلتكن هذه أول منازل الطريق بيننا، وأول محطة في الرحلة
أسافِر عن علم اليقين لِعَيْنه.. إلى حقّه حيث الحقيقةُ رِحْلتي
فالثوابت في “الأدلة المادية” و”العلم والإيمان”، أسبق كركيزة بلا شك، قبل مناقشة فلاسفة الحداثة، لأننا سنبني على منهج استدلال مشترك، وإلا لذهبنا نقدر بغير الوحدة القياسية العيارية، فيصبح هناك كيلو متر مصري وءاخر هندي وثالث يوناني.. فكيف نتعجب من اختلافنا في النتيجة!
وصدق مقدمات في قياس .. لنا منه نتيجة ريِّ ظامي
فأسفر عن مَحيّا الحق حتى .. نشاهده وَنشهد بالتزام

وليس الحديث عن التوحيد ببعيد عن الحداثة، أو عن المرجعية، فحين يتصرف بعض الحداثيين بطريقة لا دين لها، ويصبح هذا أشهر ممارساتهم “العبث بالرموز الدينية”
فنذكر عقلاءنا بأن الإلحاد قد يكون بإنكار سلطان الله، وليس إنكار ذاته تعالى، وبقلة
التوقير” ما لكم لا ترجون لله وقارا”
“وما قدروا الله حق قدره”، أو بسحب المعنى من النصوص ومن الكتاب العزيز!” مع ادعاء بقاء التقديس وصيانة الدين!”، والنتيجة لكل هذه الفعال
جحدوا الإله ولست أدر... ي كيف رب الناس يجحد
هب أنهم ما أدركوا ... خلق الملائك والمجرد
أو ليس في خلق الكوا... كب ءاية للّه تعهد
أترى تقوم بناية ... من غير بان أو مشيد
عميت عيون لا ترى .. ءايات بارئها الممجد
ومن وهب الحياة والروح للمادة، فصارت لها ذات فاعلة وشعور وعاطفة؟ وأقام بإتقان خبير علاقات كل الجزئيات داخل الذرة، ومن أوجدها أصلا؟ ومن نسق بين وظائف العضيات في جزيئات الخلايا، لتدير نسبا دقيقة ومجهرية” تقاس بالنانو” لا تختل كالهرمونات والصوديوم، ومن أرسل الرسل وأنزل الكتب؟
يرسِل اللَه بِهِ الرسلَ عَلى .. فَترات مِن ظُهورٍ وَخَفاء
كلما أَدّى رَسولٌ وَمَضى .. جاءَ مَن يوفي الرِسالاتِ الأَداء
هل من كرم الإنسان وعلمه البيان يرضى لكم اتباع الملحدين نابذي عبادة الواحد الديان، في الشكل
وهدم لغة القرءان؟ وتخريب العقائد وتجريد النصوص من المضمون.. والعبث بدلالات الكلمات، بل وبالمقدسات والمحرمات؟

... هكذا هو، وهكذا نراه، الإسلام حقيقة، والتفكير من خلال الحقيقة ليس عيبا، والتجرد من الحقيقة المطلقة- وهي موجودة إلا عند مكابر- ليس مزية ولا منقبة ولا سموا، ولا هو صواب، فأنت تتجاهل: أنت رجل أم امرأة، أنت إنسان أم دابة.. وتبدأ تشك في كل شيء!
وعند هذا المستوى لا يقف أهل نظرية الشك ولا التجرد، بل يسيرون على أربع ” من سار منهم” أو يرجع العقلاء ..
“الأحياء: العقلاء، والأموات: الجهال، قاله ابن قتيبة، ونعوذ بالله من موت الضمير كذلك”
أما من غضب على الحداثة، وغار عليها من كثيرين يفككون تركيبها لتظهر، فلماذا لا يغار كل على محبوبه؟
لكن.. لو بانت لك خيانتها ” لا زالت الخيانة سيئة حتى بين الخونة بعضهم بعضا في الأفلام الغربية، ولم تأكلها الحداثة النسبية، والأخلاق المتطورة”؟
ولو بان لك أنها ليست هي التي وصفت لك نفسها؟ فماذا بقي لك منها لتعشقها؟ الجمال الوقتي؟ اللذة الطائرة؟ إذا فقد اقتربنا.
صن نفسك عن التلصص على عورات الجيران وتمتع بالجمال “بفرض أنه كلام ماتع وهو ليس كذلك”!
إذا ليس كل جمال يحمد السبح فيه! حتى عند بني صهيون
حل وسط؟
بين صواب وخطأ؟
ألا زلت تؤمن بالله؟ فكيف تجيب عن هذا الحل الوسط يوم العرض؟
وقفة:
إن هذه النظرة التي تسبح في التحليل النفسي ” وليس طبقا لنظرية التحليل التي هي مرض أصلا “
نابعة من ميلنا لذلك دوما في كل نقاشنا، فنستنطق الجذور النفسية، وليس فقط الجذور العقلية والأدلة، ثم إن القرءان الكريم لفت النظر لذلك دوما، فبين أسباب ومنطلقات الرفض النفسية، وجذورها من شهوات وكبر وعتو وغير ذلك، وهذا الخطاب لأساتذة كبار أرجو أن يصيب بقعة الضوء في قلوبهم، وقد انتقل من المراسلات الخاصة إلى العامة حرصا على عدم اختزاله وإسقاطه على أي نفس، وعلى نشر الخير.. والنصح إن قسا أحيانا فهو دواء، وإن حلا فهو غذاء، وفي الحالين لا يرفضه حكيم حليم..
والأن:
هل تعتبر الحداثة الأدبية الكتابية مرحلة نثرية أو شعرية، كما يتمنون أن تكون “أو حتى أن تسمى، أو أن نقر لهم بذلك”؟
الجواب استفهامي كالسؤال:
وهل الإصابة بالخرف -”ألزهايمر” وليس الزهايمر كما يكتب -مرحلة في عمر كل إنسان؟ أم إنها إصابة ومحنة مرضية عابرة، تحدث أحيانا لبعض الناس، أي أنها ليست مرحلة تطورية حتمية في تاريخ الفنون البشرية، تماما كوقوع بعض الناس في الحفر الفكرية
ولن أخوض في كونها منظومة كاملة عن الكون والوجود، تشبه العقيدة الدهرية، أو ما هو أسوأ..
ومعلوم أن تصورك عن شيء:
عبادة البقرة.. مثلا!
أو الإلحاد والمشاعية.. مثلا!
أو عبادة الجنس أو المال أو الشهرة أو حب التعالم ..” مثلا مثلا”
مع استحضار مفهوم العبادة، وأنه ليس السجود بالبدن فقط..
سينتج عنه تغير في فنونك المسموعة والمكتوبة، وفي لهوك وهواياتك بلا شك، فلن تسمعني الموشحات! فأنت نهم متلهف على اللذة، فمعاني الموشحات لا تناسب رغبتك، وإيقاعها لا يجاري رعونتك وسرعتك.. وطيشك، أنت تريد السرعة والخطف -ثقافة التيك أواي- والْعبَ، ولا تريد أن تقف، أو تتذكر أن ما تأخذه ليس لك، وأنك ستسأل، ولا حتى التذكير بأن لك روحا، وأن للروح خلاقا عليما.
وَبرهن عَن وَجود الله حَقاً... بِلا بدءٍ وَلا حدِّ الختامِ
ويهديها صراطاً مستقيماً .. يبلغها إلى دارِ السلام
عَرفنا أنَّ وحيَ اللَهِ يُوحي .. لِمَن شاءَ الإلهُ بلا اكتتامِ
وهل تناسي عالم الروح ينفي وجوده؟ وهل توضع رؤية للحياة متجاهلة أحد مكوناتها؟
سر الوجود وقدرة الكونِ التي .. شملت وأذنَ غَيثها بِثراء
هل تناسي عالم الذوق والأخلاق يلغيه؟ أم يحدث فجوة بقدر قيمته؟
هل كون بعض العادات نسبية ينسحب ويطرد ليؤصل قاعدة أن الأخلاق نسبية!
هل اختلاف بعض الناس حول بعض نصوص الدين مسوغ لمحوه من حياتنا، وقصره على خلواتنا؟
فلماذا لا نلغي صفة كل شيء، لأن بعض الأجزاء ملتبس أمرها.. أستغفر الله، أيكون النور كالظلماء؟ والأموات كالأحياء، والنار كالماء؟ كل هذا من أجل لقيمات...

كل شيء أيها الحبيب متصل ببعضه، والسياسة متصلة بالكتابة، ملتصقة بالعلم وبالمجتمع، وبمعرفة الصديق المشفق من المتملق، وبكون الكون كما هو.. ” لا كما نتصور ولا كما نريد ” فحين تحدث مغالطة فكرية، فتردداتها ستحدث تبعات في عالم الإنسان كله، وحين يتم طمس الدين في منظومة فكرية مثلا، لصالح جزء من علم يتقلب ولم يستقر، ويقلب نظرياته رأسا على عقب كلما اكتشف نجما أكبر مما تسمح به القوانين للحد الأقصى للحجم عنده، أو بكتريا تعيش على الزرنيخ، أو حمضها النووي مختلف عن نموذج واطسون، أو غير ذلك كثير.. أقول حين يطمس الدين القويم- أو أي دين- في ركن من العقل والرؤية، سيؤثر هذا على نتاج هذا العقل في الكتابة والمسرح بل وفي الحياكة... ولن يؤثر على حقيقة الكون ونتائج العبث، وسترى النتيجة في عالم الإنسان والنبات كذلك.. فستتغير سلوكيات الناس كرد فعل على هذه الخواطر التي صيرتموها ناموسا للكون، وسنرى ما نرى الأن...

وأوضح: الثوابت البدهية لا تتغير... ومن الممكن تلفيق القوانين وتصديقها لقرون، وراجع تصورات البشر عن أمور كثيرة..
وهذا خلاف المسلمات البدهية “بحق وليس ما حشر حشرا فيها”، والأخلاق “تحرز كسابقه مع ربطها بتعليم الله تعالى لنا”، فلا تتلون، ولا تتقلب... والفطرة كذلك لا تكذب.. وإلا فعد لتقبض على الماء.. وتحيا في علم الكلام والأوهام والجدليات.. وقد تعب هؤلاء كثيرا، وعادوا قبل الرحيل منهكين مقرين بالصواب..
والمثال لبيان الربط والترابط:
خرجت الموسيقى الصاخبة، حين كسرت الضوابط الاجتماعية وليس الفنية.
وكان هذا نتيجة ثقل الضوابط عليهم، فقد أتعبهم القائمون عليها، وزادوا من فتنتهم، وأعانوا الشيطان عليهم، فكرهوهم في الكنيسة والدين كله، فصار مشقة مفتعلة، وكبتا وحرمانا، ولم تفتح أبواب النور العقدية -النظرية والعملية- والنظم المتكاملة لترضي الأنفس وتعوض القلوب، ” فالدين ليس قائمة ممنوعات فقط، بل لديه عطاء كبير ليعين على المهمة”، وأكمل إبليس المهمة..:
بدأت الأغنية الكلاسيكية! تهتز المطربة وهي بثوبها! وتلمح
يوحونَ بالخُطَبِ الطوَال وتَارَة ... وحْي المُلاَحِظ خيفة الرّقباء!
ثم خرجت الأغنية الشبابية
ثم الأغنية الراقصة
ثم الأغنية الجنسية
ثم أغنية الشذوذ وفعل قوم لوط
ثم
وألحوا في تسميتها فنا
وفي إدخال عالم الخمارات والبارات والعاهرات والزنا
كمشهد ثابت فيها
وأجبر الحداثيون على القبول بكونهم زملاء فن لهؤلاء! فنحن فنانون وأنتم فنانون..
فالحداثة هنا هي خلع الثياب الشعرية، كما خلعت ثياب الراقصين والمغنين.. “وهذا ليس إبداعا، وليس جديدا! وليس تجديدا..
ولم يكن غائبا عن بال التقليديين كما تسمونهم، بل تركوه قرفا..”
وتوقفت الدنيا عند مشهد واحد لشكل واحد من العلاقات الإنسانية، وبطريقة واحدة، في كل أغنية
وهذا ليس منهجا جديدا
وليس مدرسة عموما، بل هو طريق المتسربين من الدراسة، والفاشلين الهاربين من المعاهد العلمية ومن العمل، والساقطين من المجتمع للتسول أو للسرقة، وللدعارة وتجارة المخدرات، وللتشرد الاختياري بتمزيق الملابس مثل مريض الفصام، عافانا الله وإياكم وهم كذلك، وهذا مبتلى وذاك متمارض..
ويظهر التركيز فقط على ترك الاحتشام في المعنى، وترك الأناقة في القول
ونبذ التناسق في الإيقاع
والهجوم على كل جميل متزن رائق واضح
لصالح السهولة والجهل ” فيمكنك أن تحيك ثوبا بغرز منحنية معوجة، وبخطوط متعرجة، وبعض الغرز كبير والبقية صغيرة، كطفلة تتعلم الخياطة اليدوية، بل ولصالح النزق الفكري والشكلي، وإمكانية كون الجميع أهل شعر وكتابة ومحترفين
ما دامت لديهم مشاعر..عفوا ..غرائز
.. وتقول بعد كل هذا، هذا منهج جديد، هذا جميل.. ويصفق لك المدخنون
وحين يكون أحدهم ملما بشيء من الثقافة يغرق في الجدليات، كأنما هو أعمق مفكر، والإغراق هنا هو نفس إغراق الفلاسفة المشتتين، الذين جمعوا غرائب المفردات، وبعض التناقضات جنبا إلى جانب بعض الأسئلة وبعض الأحاجي البسيطة، لتثبت أنه لا شيء صحيح- والتي رد عليها العقلاء- والحكم الأولية لتوهم السامع أن القائل مفكر.. ” هذه معالم خلطة الفكر، كما ورد في المقال الأول خلطة التعبير”
ويمكنك أن تسمع أفضل من كلامهم -على نهجهم- لدى من لم يتعلموا سوى حياة الكائنات الأولية غير العاقلة، مثل راقصات الموالد وهن يدافعن عن مهنتهن وتوابعها، أو يشرحن فلسفة الحياة.. فهناك مختصر القصة، مع فارق الموائد.
والتركيز هنا على مثل الراقصات لأن الزنادقة قديما قويت لغتهم، ورصعت حججهم!

والهرب غربا كان من اللمسة الكنسية في الترانيم، للضجر من كل ما هو منهم، وما هو وقور، هربا إلى
“البوب “، وهنا كان مللا من الروح الدينية، التي يشرق بها من لم يفهمها، ومن فتنه سلوك اللاعبين بالدين، ومن لم ينشرح صدره، إلى عالم سهل، اهتماماته يومية، وحاجاته لحظية، ويمكنك التربع على عرشه بسهولة، لأنه عرش على الأرض، وليس فوق جبل، فأنت ابن اللحظة، ولا تبصر غدا، ولا تستبصر نورا ولا مصيرا، ولا يرونك إلا جلدا ولحما وغددا، ومن ثم تلقى في القمامة حين يتغضن إهابك لصالح لاعبين جدد، وهو ما حدث لبعض الكبار، حيث قلقوا لأنهم لم يعودوا يأتون بجديد “ويتصلون بالجريدة: هل عقب القراء على فعلتي، عفوا قصيدتي”، ولأن الجيل الجديد فعل نفس فعلهم-السهل- فنافسهم، وهكذا.. ومع العمى عن النظر للأدلة الكونية حولهم، وهي تقضي بالحق، كان العمى عن إيجاد منهج سليم كبير، لذا ألقى الجديد بالقديم في سلة القمامة بسهولة، لأنه لا يشكل قيمة فنية خالدة، ولا حتى مادية، وقال: أنا أحدثت ما هو أحدث من هذا.. وهكذا .. بمنتهى السهولة تلد الحداثة من يقضي عليها وبنفس منطقها!
رأيت ءالة لهو يلعبون بها .. بميسر ذاك مغلوب وذا غلبا!
أليس التغيير هدفا في ذاته؟ وإن ذهب بنا إلى الجحيم؟
ومشهد تلاشي شعراء الحداثة -بريقا- من الجيل الأقدم شعريا يشبه أخاه في عالم “الفيديو كليب”
فأنت لست قيمة، بل لقمة.. وليس لذاتك بل للحمك، ولجدة شكلك، والمنافسون كثر.. ولحمك يجف وشكلك يمل..