هناك فئات تتعامل مع العقْل العربي الذي يرسف في القيود المفروضة عليه من قِبَل الإعلام التَّابع للغرْب، ومؤامراته وتدفعه للفوز بأيِّ سباق في سرعة الجري حين يكون الأمر متعلِّقًا بالقطيعة والوقيعة ودقِّ الأوتاد في منابت وحده، أو اقتراب بين المؤسَّسات والشعوب أو حتى الأفراد، وكأنَّ هذا العقل لم يكن من جذور التوحيد التي جمَعت العربي مع غير العربي في بوتقة متجانسةِ الشعور والهدف، ويبدو أنهم ينظرون إلى الوحْدة من زاوية تخصُّ مصالحهم المرفوعة فوق مصالح الدِّين والتاريخ والحضارة، ينظرون إليها كمحرِّك من محرِّكات الحقِّ الذي يناضلون من أجل إبقائه بعيدًا عن مصالحهم وأهدافهم الذاتية.
حين كنا سابقًا وقبل ظهور الإعلام بشكْله القوي والمباشر، نسمع عن هزَّة في مدينة عربيَّة منْسِية، كنا نخرج إلى مطاردة مشاعر الغضب والمؤازرة؛ حتى نُمنَح حقَّ الوصول إلى منطقة الهزَّة؛ لنشارك أهلها الدموع والمأساة، رغم إدراكنا بأن الحكومات التي تختلف مع تلك المنطقة ستسلخ جلودنا، أو على أقل تقدير تضعنا خلف قضبان وأسوار لا يَعْلم عن حالها إلاَّ الله.
كنا نقول: إننا عرَب، وإننا مسلمون، ومن ثَم نحدِّد إن كنَّا من الحجاز أو فلسطين أو موريتانيا أو الصومال، وكان هذا الشعور يغذِّينا بنوع من الفخر والعزَّة، حتى إنَّنا حين نصل إلى مطارات الغرْب بحثًا عن رزق أو لجُوء، ينصَبُّ همُّنا الأوَّل في البحث عن ملامح عربية أو إسلامية، تستطيع أنْ تلتقط الإشاراتِ القادمةَ من أجسادنا بفعل التواصل والتأثُّر عن بُعد، وحين كنَّا نرى من بين لفيف من البشر وجهًا يدور بين الاتِّجاهات، كنا ندرك بأن رائحتنا قد غزَتْ أعماقه، وحين نتعانق تهتزُّ الأفئدة والجوارح، وتنتفض الجلود وتستقر النفوس.
ما الذي حدث؟ ما الذي اختلف؟ حتى تحوَّلْنا إلى صورة أكثر رعبًا من صورة الحكَّام؟! نحن لم نتحدَّث عن الحكَّام؛ لأننا خَبَرْناهم - في فترات الزَّمن السابق - يتدافعون نحو الهزيمة والتسليم، وينخرطون في تمزيق وحْدة البلاد والعباد، وكأنهم لا يدْرِكون من معاني الترابط التي نقَلَها لها الدِّين، وحضَّت عليها أخلاق العرب قبل وبعد الإسلام شيئًا ما.
وأنا لا يَعنيني حقًّا البحثُ في توجُّهاتهم، وتوجُّهات مَن يملك مبرِّرًا، أو يخلق مبرِّرًا للدفاع عنهم؛ لأنَّ من يبيع آخرته بدنيا غيره، أقلُّ قيمة من أن يُرَد عليه أو يُؤخَذ بعين اعتبار، وحكَّامنا باعوا كلَّ آخرتهم بدنيا أمريكا وأوربا والصَّهاينة، ومَن ملك أو خلق مبررًا لهؤلاء هو من باع آخرته لمن باعوا أصلاً لغيرهم؛ لهذا فأنا سأُبعد نفسي عن مصارعة فكْرة أناس لا يملكون من أمر دنياهم ويومهم شيئًا.
لكنني سأقترب من الناس، من الشعوب؛ لأقول لهم ما قلتُه لأحد العراقيِّين يومًا حين أراد أن يستفزَّني، فقال: نحن العراقيِّين لا نريدك أن تحمل همَّ بلدِنا، فأجبتُه: إن العراق - كما فلسطين - بلدي، ولا يضيرني إن رضيتَ أنت أو غضبت، ولا أنتظر لا منك، ولا من أكبر سُلطة في العراق - أن تمنحني حُبَّ العراق أو حَمْل همِّه، فأنا عراقي ؛ لأني عربي وتشقَّق أنت بغضبك وتفتَّت، لكنك لن تحلم لا أنت ولا من هو مثلك أن يقول لي: هذا بلدي، وليس بلدك، وأصْمت أو أُستفَز، بل كل الوطن الإسلامي بلدي، وإنْ حالت الحدود بيني وبين بعض العواصم، وإن قام زعماء بعض الدول بالمتاجرة بأرضنا وبيعها وبيعنا، فإنني سأبقى عربيًّا مسلمًا، أحمل همَّ الأمَّة حتى لو كان هذا يدْفعني نحو القبر بصورة مبكِّرة.
قبل مدَّة كان الخلاف بين الجزائر ومصر على لعبة كرة قدم، لم أكتب في حينه شيئًا؛ لِعلمي المطْلق بأنه حدَث لا يستحقُّ الكتابة، لكن بعد أيام فوجئتُ بتوسُّع الخلاف ليشمل الثقافة والمثقَّفين، وامتدَّ ليسري في الأفراد، حتى أصبح الدِّفاع عن القُطْرية الفردية واتهام الأخرى أعلى مستويات أولوياتنا المقدَّسة والمفروضة، وتدخَّلَت فئة الفنانين الموبوءة فجعَلَت الأمْر يتفاقم، وكل هذا مِن أجل لعبة كرة قدم، لا تساوي في عقل الأبْله أكثر من متْعة مهما كانت النتيجة، فكيف بالعاقل؟!
يومَها كان على المثقَّفين أن يتساءلوا: إذا كان الحكومات والمؤسَّسات والأفراد تملك كل هذه الطاقة المخزونة التي شغَلَت العالمَ كلَّه، وليس العالم العربي وحْدَه، فلماذا لم تُسخَّر هذه الطاقة من أجل فلسطين؟! لماذا لم تُسخَّر لفكِّ الحصار عن غزَّة؟! ربما يقول قائل: إنني أصطاد في الماء العَكِر؛ لهذا أسعى إلى قلْب كلِّ شيء من أجْل بلدي؛ لهذا نضع أسئلة أخرى: لماذا لم يُستغلَّ هذا الجهد من أجْل محاربة الفقر القاتل الذي لا يمكن احتماله من قِبَل مجموعة يتجاوز عددُها عددَ دولة أو دولتين في الوطن العربي؟! لماذا لم تستغلَّ هذه الجهود لمباركة عمل الدكتور عبدالوهاب المسيري؟! لماذا لم يَدْفعنا كل هذا إلى صنع سجَّادة صلاة تنافس سجادة الصلاة المصنوعة في الصين؟!
حقًّا إنها المأساة التي تَصغر بجانبها مأساة احتلال فلسطين والعراق، حين يتحوَّل كلُّ فرد في الوطن العربي إلى عدو فرد آخر عربي مثْله، وحين يفتخر الإماراتي بكونه إماراتيًّا، وليس عربيًّا، والفلسطيني بكونه فلسطينيًّا، والمصري بكونه مصريًّا، ويكون الافتخار قابلاً للتحوُّل إلى معركة إذا قال آخَر بأن افتخاري أفضل من افتخارك، وحتى وصل الأمر إلى التفريق بين الشعوب من الشعوب ذاتها بمسمَّيات تأباها الكرامة، وتعافُها العزَّة.
قيل في إحدى وسائل الإعلام العرَبية، تَبِعَتها وسائل إعلام دولة أخرى: إن نساء المغرب عاهرات، وتبع هذا القولَ لغَطٌ كبير، ربَّما سيؤدِّي إلى نشوء نوع من الحقْد في نفوس المغربيِّين تصل نارُه إلى مناطق لا نودّ وصول النار إليها، فهو قول جريء في صفاقته وحقارته ودناءته، بل أقلُّ قيمة من كل ذلك؛ لأن الحقارة تصل إلى حدٍّ وتقف عنده، لكن من روَّج لهذا الأمر فإن الحقارة تأبى مشاركته مهجعًا أو صفة، ليس للقول في ذاته، وإن كان القول في ذاته يدان؛ بل لِمَا وراء القول من مآرِبَ ونوايا أشُكُّ في خدمتها وتبَعيَّتها للشيطان؛ بل من درَّبوا الشيطان ودرَّبهم.
أولاً: أودُّ أن أتساءل عن دولة عربية لا يوجد فيها زِنا وبِغَاء، مهما كانت سمْعة الدولة، ومهما كانت درجة محافظتها، وكم من الدول العربية لا يوجد فيها بنات هوًى يَبِعن أنفسهن في الشوارع؟ وكل مَن سيدَّعي أنَّ هناك دولة عربية أو إسلامية خالية من الزِّنا أو البغاء، سيكون مجانبًا للحقيقة التي لا تُحجَب، وتبدو كلَّما تحرَّرنا وازْددنا تحرَّرًا أكثر انخراطًا في السُّوء والرَّذيلة من الدول التي زوَّدتنا بالتحرُّر الذي تستطيع السيطرة من خلاله علينا.
وهذا قول مؤْلِم؛ فأنَا كنت أحب أن أقول بأن هناك دُولاً قد خرجت من إرادة الغير، وسيطرت على مجتَمِعها، فأنقذَت المجتمع من وباء الزِّنا والبِغاء، ولكن، أليس من المستغرَب أن نقف الآن لنكشف عيوبنا؟! بل ونجعل من خطيئة امرأة أو مجموعة من النساء خطيئةَ مجتمع بأكْمله؟! وهل إذا زنَت مجموعة من الفلسطينيات أو المصريات أو العراقيات، أو بِعْن أنفسهنَّ لقاء مال، هل يمكننا أن نتَّهم كلَّ نساء فلسطين ومصر والعراق؟! إن في هذا جريمة أمام الله وأمام التاريخ والأخلاق، وحتى أمام الإنسانية.
أشعر بحسرة تَغُلُّني وأنا أكتب، وأشعر بعجْز في أناملي يكاد يقذفني بعيدًا عن لوحة المفاتيح، ألهذا الحد وصَلْنا؟! ألهذا الحدِّ هبطْنا؟! ألهذا الحد تحوَّلنا؟! ألهذا الحد تنكَّرْنا لدِيننا ورسولنا وصحابته ومن تَبِعه إلى يومنا هذا؟
أم هو ادعاء الحرية الصحفية؟! ماذا سنُبْقِي للدنمارك وفرنسا والعالم الذي مسَّ أعزَّ عقائدنا بحجَّة حرية الصحافة؟! يومَها كافَحْنا ونافَحْنا بكلِّ ما أوتينا لنهدم الأساس الذي تقوم عليه حرية المسِّ بمعتقدات الغير والتهجُّم عليها، فكيف ونحن نمارس أمرًا أكبر أذًى وأعظم حرمة أمام الله بدعْوى حرِّية الصحافة؟! غريب أمر الحكومات التي تصْمت على اتِّهام عِرْض المسْلِمات الغافلات المحْصَنات، وأغرب منه أن نطلب منها حماية أعراض المسلمات.
أودُّ قبل الانتهاء أن أقول:
إن نساء المغْرب العربيَّات المسْلِمات المؤمنات هنَّ أمَّهاتي، بكل ما في هذا الفخْر من اعتزاز وقوَّة، وإنهنَّ اللواتي رفَدْن الحركات الإسلامية أيام الفتوحات بقادة ومقاتلين يشهد التاريخ لهم، وإنَّ المغرب، كبَلَد، هي بلد تاريخ وحضارة وعظَمة، والعظيم يسامح ويَكْظم الغيظ؛ فذلك أحرى به وبمنْزلته.
وَلَيْسَ رَئِيسَ القَوْمِ مَنْ يَحْمِلُ الْحِقْدَا
من هذا المنطلق تسامحوا وتسامحْن؛ حتَّى يبقى فينا ما نستطيع أن نرتكز عليه في زمن السقوط العظيم.
أما الدول التي نشرَت مثل هذا القذْف بنساء غافلات، فإنني أدَّعي - وأنا مسؤول عما أدَّعي - أنَّ مَن كتب مثل هذا الكلام، ومن تناقله سواء بالشكل الفنِّي أو أي شكل آخر، قد تجاوز التشريعات والأخلاق والكرامة والعزَّة، وكل المسمَّيات التي يمكن أن تصنَّف في هذا الاتِّجاه، بل وأصبح من حقِّ المجتمع والدَّولة والأفراد أن يقاضوهم على أقل تقدير باسْم الدِّين والأخلاق، وإنه إنْ كانت في العرب حميَّة قائمة أو ما يدل على أنها قائمة، فيجب أن يُحاكَم كلُّ من شارك في هذا الأمر محاكمة تدل على أننا لا نطلب من الغرب ما لا نصنع، وإذا لم نفعل، ولم يحاكَموا، فنُذُر القادم أكبر من حجْمنا ومن مستوانا، بل وأكبر من وجودنا وكينونتنا.