كم من الآهات بيني وبينك يا دنياي؟ يا اياما احتضنت وجودي وانتشاري فوق الحياة؟ ويا دفقا ارهق كاهلي واحنى قامتي وقوس قدماي؟
انا انسان، فقط انسان، ولد ليحمل ذاته على كتف الايام، وعلى منابر الاحتمال، حتى الشوكة الصغيرة، المستدقة تستطيع ان تدمي فؤادي، وتخز قلبي، قلبي الصغير المُغْرَقْ بالدماء، والملوح بنضبات متسارعة تسارع الوجود، والمضنى ضناء لا يتكامل او يتناسق مع حجمه وقدراته.
هناك، حيث الاشياء تغرق في اللوعة والحزن والاسى، في مخيم صغير مقتطع من حركة التاريخ المعوج، ولدت، كسنبلة مكتظة بالنماء والاشتياق والتطلع، للشمس والنور الممتد في افق الكون، لكنها وقفت امام الحياة، تنظر وتجيل البصر، نحو الامتداد المغروس بفضاء الكون والوجود، نحو النور المتسلق درجات المستقبل، لكنها وجدت الماء عزيزا، رغم غزارته المنبثقة من الارض، والساقطة من السماء، ادارت راسها دورة مكتملة، كي تلتقط النور والضياء، لكنها وجدت العتمة تخنق محيطها بسوار الظلمة الهاربة من الانفتاح والانشراح.
كنت طفلا، احمل افراح الكون وحبور الوجود، اغرس خطواتي بارض المخيم، بالسهول الممتدة، اتوزع على اشجار الدفلى واوراق الليمون، انتشر كشعاع فوق البرتقال والنرجس، واتحدى الجوري ان يتمتع برائحة تضاهي رائحة عرقي المخلوطة بالأحلام المرتسمة فوق خد الحياة وما بها من افتراقات واختلافات، حتى لمست بأناملي صداح العنادل وغناء البلابل، كشيء حي يمكن التقاطه وزرعه بأوردة الياسمين، وخلت وكنت صادقا بما خلت، بان النرجس المتخفي بالجبال شيء من حلم متواصل بيني وبين رائحته، كنت اذ ذاك ابتسم، اقهقه، بصوت يتردد صداه بعمق الجبال والمغارات والكهوف، بل ويشارك الطواويس زهوها وغرورها، ويدخل مسارب الشقوق والصدوع التي تتخذها الحيات والعقارب منزلا يرد عنها غوائل الانسان والحيوان.
نعم، كنت هناك، اقطع البيارات وانا احني قامتي للأغصان والازهار والثمار، لالتصق بالظل والطل، وامعن بجرح ققم الجبال، واتمادى بفك عذرية المناطق المزروعة بالجنيات والغيلان والاشباح، اقتحمت حتى المقابر في اشد الليالي ظلمة ووحشة، حيث الريح يحرك الاشياء، فيمنحها صفة الاشباح المشققة للقبور، لتبدو عالما من الخرافات الحقيقية، تمد السنتها لتتذوق نكهتي وتشم رائحتي، كانت تكتشف الرعب المزروع بأعماقي، والتسمر الذي يشل حركتي، حتى نبضات قلبي المملوء بالماء، عرفتها نبضة نبضة، لكنها كانت احتراما لعذوبة الطفولة المزروعة بالأحلام، تنسحب وتتلاشى، لتتحول الى عزم يضخ اوردة جأشي بالثبات المكلل بفرح الانتصار، وكنت اعترف لها بجميل لم اعترف لغيرها بمثله لشي يوما من الايام.
لم اكن ادري يومها، ولم يخطر ببالي ولو لوهلة، بان كل هذه الاحلام العوسجية، المطرزة بالفيروز والياقوت والزبرجد، هي عصير يتقادم ويتعتق، لينمو الما يود الانتقام من كل تلك المشاعر والبسمات، من كل تلك البسمات والقهقهات، ليتحول الى مارد لا يعرف رحمة ولا يملك رأفة.
اكان علي ان اشعر بالحزن فور الخروج من الرحم؟ ان ارفض الحياة والتصق بالفناء فرارا من المارد القادم؟
لقد حاولت ذلك منذ لحظة الميلاد، فحين هويت من الرحم الى كفي ام هاشم رحمها الله، فككت رباط السرة، وتركت الدم يجري من العروق الوليدة المتعانقة مع الجهل والبراءة والطهارة والفطرة، كنت ارسم من خلال الدم المتدفق رحيلا مبكرا عن الوجود، ربما كنت ادرك بقوة الفطرة ما يجهز المستقبل لي؟!، وربما كانت الحياة ترأف بوجودي فوق الكون من الامتداد حتى انكشاف لحظات الالم والوجع التي لا فكاك منها؟! وربما كان الوجود يرفض بقائي فيه وفي لحظاته؟!
لكن امي، التي عانت بحملي اشهرا تسع، قرب القلب وجوار الروح، احست بتحرك الفناء بجسدي الطري كعجين غير مختمر، اطلقت صيحتها الطويلة المدوية، هزت ارجاء المكان، وربما هزت ارجائي يومها، من يعلم؟ فانا كنت عصيا على الفهم في لحظة اختراق الموت للحياة، وصرخة الحياة التي غيرت مسيرة الفناء التي لم يكن مكتوبا لها ان تكتمل او تنضج، جاءت ام هاشم وهي تطوي الارض تحتها، نظرت الى الدماء، فدخل الموت روعها، بقوة عارمة، احست بانهيار اللحظة وتداعيها، فبركت فوق الدماء يثيابها البيضاء الناصعة، امسكت السرة، وعقدتها من جديد، وقف الفناء مشدوها، كالممسوس، واندفعت الحياة في العروق من جديد.
تمنيت بعد ان كبرت، لو كنت قادرا بلحظة الطفولة الاولى من مسح انفعالات امي، فرزها، كما نفرز الخرز الازرق عن الاحمر، وكما نفرز الساعة عن الساعة، لأعلم كيف وبلحظة واحدة انقلبت موازين مشاعرها، كيف تبدلت؟ واصبحت تخضع لخاصية غريبة، خاصية التوتر السطحي القادرة على امتلاك مشاعر الحزن والفرح، دون ان تتداخل احداها بالأخرى، وحين سالتها بعد اعوام طويلة عن مشاعرها، تبسمت وقالت: ” يكفي ان انفاسك احاطت وجودي حتى اليوم “، يومها بكيت بحرقة لا تساويها حرقة، فانا طلبت الفناء من اجل الخلاص من قبضة المارد، وامي طلبت البقاء لتبقى انفاسي، فقط انفاسي، تحيط بوجودها، كيف الجمع بين انانيتي وكرمها؟ بل كيف يمكن الحياة وانا املك منذ الطفولة خطة اغراقها بالحسرة والعذاب والذكرى.
الذكرى، نعم، فانا اعرف لحظات ذكريات امي، اكثر مما اعرف ملامحي وتقاسيمي، حين كانت تهزها ذكرى اخي محمد، قاسم، باسم، واختي خالدية، سهيلة، صفاء، ميسون، كانت تبدو لحظة اختراق نسماتهم قلبها، كخرقة بالية ممزقة ومثقبة، تنخلها الحرارة، وتتخللها الامطار والعواصف والرياح، وآه يا امي، كم انا بحاجة الان الى صدرك الطيب، الغارق باللوعة والكمد والاسى والوجع، كم انا بحاجة الى رائحتك التي لا تشبهها روائح الاكوان والارضين، بل لا تشبهها روائح الوجود منذ بدء الخلق وحتى الساعة، كم انا بحاجة الان للجثو عند قدميك المرهقتين المتعبتين لأغرق ببكاء لا تحتمله الشموس والبراكين والنيران، كم انا بحاجة الى رؤية عينيك الواسعتين للانسلال فيهما تحت الجفنين، لأشعر بشيء من الراحة والامان.
قلت لي: ” اللي بموتوا امه وابوه، بموتوا كل اللي بحبوه “، هل كنت تدركين بما فيك من جهل فك الحرف زخم ما في المثل من معنى؟! ام كنت تقولين ما قال الناس؟! آواه يا امي، لو تدركين حقا كيف اشعر اليوم بما قلت، لو تدركين فقط؟ كم انا بحاجة للانغماس بحضنك وطمر نفسي بأنفاسكلأبكي دون خجل او حياء، ودون شعور بضعف او هزيمة الا امامك؟!
مسور انا بالغصة التي تمسك الحلق وتغلق مكان التنفس، يستعمرني الاختناق الضاج بالوحدة، بالكآبة، بقلة الحيلة، بالتشتت والتفرق، بالتناثر والتشظي، احاول بكل طاقة العجز والشلل والكساح، لملمة نثاري الموزع فوق ارض بركانية ثائرة، فاشعر بالخيبة، تتملكني مساحات الالم، اخرج من منزلي لمصافحة الطبيعة، البحار والمحيطات، ازرع فوق نفسي فوق صخرة عالية تتحدى الموج وتُكَسِره، امد نظري الى المياه التي لا تتعب ولا تشعر بعناء التجدد والهزيمة تحت قدمي، ارسم معالم النهوض كما الموج، احشو نفسي بكل ثقلها وقوتها، لكنني انزلق عن الصخرة، فاسقط بين انياب الموج المالح، اشعر بخضة الخوف والرعب، فانا لا اعرف كيف تسبح الحيتان او اسماك القرش، حتى اني لا اعلم كيف تطفو الطفيليات وتتحدى المحيط، اعود ادراجي مبللا ورائحة الملح والطحالب تصدم انفاسي، اغرق تحت مياه ساخنة، انزع الرائحة عن جسدي، اشعر ومن كل اعماقي بالحاجة الى البكاء، يبقى الخوف من الموجة مرافقا حياتي ككل فرح جنته الطفولة فتحول الى الم عقابا على تلك اللحظات التي شعرت فيها يوما بفرحة او بظل فرحة.
اتفحص وجوه الناس حولي، انبشها بأداة تعود الى العصر الحجري، احاول جمع الزمن الغابر والحاضر بصورة موحدة، كيما ارى حقائق الحياة التي يتحدث البعض عنها، الفرح والسعادة، اغوص بملامحهم، ادرك يقينا ان قسما كبيرا منهم يعرف تلك الحقائق، يمتلكها، يمتصها كعنكبوت يمتص افعى خضعت لسمه، وحين احاول مجاراتهم افشل، يدركون انني من نوع اخر، من جنس اخر، يبتعدون والدهشة معقودة على كل تكوينهم، يخافون الاقتراب مني، يتحاشون ملامسة افرازاتي، تكبلني الحيرة الممتدة الى ما لانهاية.
قد لا اكون قد تعلمت مثلهم السير فوق الجليد المزروع على امتداد النظر، فالسير عليه محفوف بالمخاطر التي تغل النفس بالرعب والهلع، لأنه يخفي بأعماقه هوات تتخفى بالسطح، حتى ليظن المرء انها جزء من السمك الجليدي الذي يحتضن الامتدادات، وفي لحظة سهو، او عدم خبرة، تبتلعه الهوة، تسحبه نحو اعماقها، تقتله بتؤدة مرافقة لعذاب البرد والتجمد، وربما وهذا الاكثر بشاعة، تبقيه بين حالة التجمد وبين حالة الحياة، فلا هو بالميت، ولا هو بالحي، بل معلقا بكلابة الموت التي تدميه دون ان تسقطه في النهاية.
ربما لم اتعلم السير فوق الجليد، بل انا لم اتعلمه، ولم اتقن السير بحقول الالغام المزروعة بالحياة، انتظرت بكل ثقة في الامل والخلاص، ان تنفجر مجموعة من الالغام وانا اسير مغلفا بالقهر والجزع والقنوط، سرت بشكل عشوائي، نقلت خطواتي بفوضى مروعة هنا وهناك، اردت ومن كل قلبي ان ادخل تجربة النهاية، تجربة الزوال، فما بقلبي من أسى منقوع بالقهر، يدفعني نحو تلك التجربة، لكنني وضعت خطواتي دوما مكان النجاة من الانفجار، وباءت كل محاولاتي بالفشل، ككل ايام حياتي ووجودي، بل ككل هنيهات تنفسي وتنسمي لهواء حامض يؤذي ولا يقتل.
رحماك ياربي رحماك، قد اكون دخلت الظلمة بملء ارادتي، وولجت العتمة باختياري، وتقفيت اثار الحزن والشجن، واعملت طاقتي باقتحام المجهول والغامض، قد اكون اكثر من ذلك بكثير، لكنني الانسان، الذي ساقه غروره وعنته الى حمل امانة عجزت السماوات والارض والجبال عن حملها، انا الانسان الذي لا يستطيع ان يوقف لحظة الم المت بإصبعه او حتى بسبابته التي تشهد بوحدانيتك ليل نهار، انا الانسان ” اللي يوم مات امه وابوه، مات كل اللي بحبوه “، فلا حبيب غيرك، ولا مؤنس سواك، امد يدي الى قدرتك واقتدارك كي تمنحني دمعة في حماك رهبة وخشية منك بدلا من دمع يجري عبثا في مطاردة امن لا يمنحه سواك.