مفارقات غير عادية... في الزمن العصيب

بواسطة : محمد وحيد الجابري

تجتاز أمة الاسلام مرحلة كالحة قاحلة ،مرجت فيها العهود واختلطت فيها الأفكار والنظم، وتشعبت فيها السبل حتى لم نعد نتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الحق.ضعنا في البحث عن الذات ،وضعنا في تقليد الآخرالغالب،وضعنا في جمود بعض الأفكارالتي يستهويها تعليق كل مشكلاتنا على الغرب وحضارة الغرب(هي في الحقيقة حضارة الانسان وليست حضارة الغرب لأن الجميع شارك في إقامتها، الأبيض والأحمر والأسود والأصفر)...،ثم ضعنا في إلصاق عيوبنا الذاتية وتقهقرنا الحضاري بالزمن ، والزمن منها بريء، كما قال الإمام الشافعي منذ دهور:

نعيب زمانا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا
ونهجوا ذا الزمان بغير ذنب ولو نطق الزمان لنا هجانا
وليس الذئب يأكل لحم ذئب ويأكل بعضنا بعضا عيانا

إذا أصبنا بأزمة سياسية فللغرب يد فيها ،وإن قارب النموالاقتصادي في بلداننا الواحد في المائة أو أقل من ذلك فالغرب مسؤول عن ذلك لأنه توحد في سوقه واكتفى ذاتيا عن استيراد خيراتنا.بل حتى إن امتنع القطر من السماء فإن للصهيونية العالمية رجل في ذلك.آخر بدعة في هذا المضمار،ذاك الخطاب الساذج الذي تناول به بعض الخطباء أزمة انتشار داء أنفلونزا الخنازير.يقول أحد الدعاة الواعين بواقع الأمة في نفس الموضوع:” ...! هذا الخطاب السطحي هو أثر من آثار أزمتنا المعاصرة، ومظهر من المظاهر التي يتجلى فيها ما نعانيه اليوم من تراجع وتخلف في خطابنا الشرعي والدعوي الذي يندفع بهذه الصورة، وينساق إلى حيث لا عقل ولا علم “ولا هدى ولا كتاب منير”.فإذا ما حدث زلزال في بلاد غير مسلمة نقول هذا انتقام الله من الكافرين، أما إن حدث في بلادنا فلابد أن يكون هذا اختبارا من الله ليبلونا أنشكرأم نكفر؟وإذا ما أصاب أحدًا من غير المسلمين مرضٌ فإنما هو عقاب الله الماحق وجزاؤه العادل،وإذا أصيب أحدٌ من المسلمين بالمرض نفسه فإنما هو حب الله له، وتخفيف لذنوبه،ورفع لدرجاته.أي منطق هذا ؟... لماذا لا يكون ذلك إنذارا للبشرية كلها أن تتوب إلى الله وأن تتضرع إليه، والله تعالى يقول: “وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ”. (الأعراف: 94.) ويقول: “وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ.فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ”.(الأنعام: 42-43.)الله تعالى يأخذ الناس بالبأساء والضراء لكي يفيقوا من غفلتهم،ويثوبوا إلى رشدهم، ويرجعوا إلى ربهم، والله تعالى يحب من الناس أن يدعوه، وأن يتوبوا إليه ويسألوه. وهذا من أغراض إنزال الضراء بالناس. يجب أن نفرق بين نواميس الله التي تحكم الكون وتسيره، وبين ما يحدث لنا بما كسبت أيدينا...”
ما أحمله معي من موروث ديني والذي عشت وفق تعاليمه أن منهج الاسلام يدعو إلى اتخاذ الأسباب بجانب التوكل على الله،ويدعو إلى جميل التعايش مع الآخربجانب الحفاظ على الهوية .كما يدعوإلى التزود من الحكمة والبحث عنها أينما وجدت بجانب الاحتفاظ بالموروث التاريخي للأمة واعتماده. لكن، ومن خلال تجربتي المهاجرية خلال أربع وعشرين سنة ،صدمت بمفارقات عجيبة غريبة بين حمولتي الثقافية التي أفتقدها بين المنتسبين إليها وبين ثقافة ومبادىء الآخر،الذي أشاركه هذه الجغرافيا. رأيت الكثير،وعايشت الكثير،وحاولت المقارنة من جهة ،بين منظومتي الذاتية المستقاة من الاسلام كمنهج حياة، وبين واقع الغربيين من خلال تعاملهم اليومي مع بعضهم البعض ومع الآخرالوافد /المهاجر/المواطن الجديد.ثم حاولت من جهة ثانية تلمس سلوكات المسلمين مع بعضهم البعض داخل بلدانهم، والمسلمين في الغرب في تعاملهم مع الآخر،الذي كان من الواجب أن يحملوا إليه رسالة الاسلام......وجدت الآتي :

*ملاحظة : قبل ولوج المفارقات العجيبة :( سأقتصرفي تسليط بعض الضوء على محيطي الصغير،هولندا كنموذج للغرب المتحرر من كل قيد )

1 ـ المفارقة الأولى :” تبسمك في وجه أخيك،لك صدقة...”

الغريب في بلد ما يتطلع أوتوماتيكيا إلى وجوه المارة يستقرىء انطباعهم عن وجوده بينهم حتى ولو كان سائحا.وبالمقابل فأهل البلد أيضا ،بدافع من الفضول أوبشعور من الامتعاض المجاني لوجود الآخربينهم ، الغريب السنحة / اللباس ربما / اللغة / اللون...يسترقون وربما يطيلون النظرفي شكل هذا “الآخر”..في محاولة لاكتشافه أو مبالغة في التوجس منه أو تفاديه، لا سيما إذا كانت في أذهانهم صور نمطية من إيحاء السياسة والإعلام أو ربما من خلال حالات واقعية عاشوها او سمعوا عنها كان أحد أبطالها من جنس هذا الغريب المار/ الواقف ،أمامهم.عشت شخصيا بعض هذه المواقف ،لكن لم أتعرض قط لما يمكن ان نسميه عنصرية أو إجحافا لحقوقي أو قمعا لآرائي..على العكس من ذلك،ما جذب انتباهي بقوة ،أول الأمروحتى اللحظة ،تلك الابتسامة المرسومة باستمرارعلى وجوه الجميع ،الكبيروالصغير،سائق الحافلة ،بائع السمك، الشرطي والطبيب،المعلم والمدير،الذي يعرفك والذي لا يعرفك ،كلما جمعت الصدفة بينك وبين احد من هؤلاء ،في مكان عام ،في الحديقة،في العمل ،في المصعد..إلا وابتدأك بالتحية ،ممزوجة بابتسامة،صفراء بيضاء مصطنعة..لا يهم .المهم أن تشعرأنك جزء من هذا الخليط البشري ،والأهم من ذلك أن تحس بأن جوا من السلام الفطري يسود بين الناس وأنك مدعو للمشاركة فيه. بل قد يتطورالمشهد ،حسب مكان اللقاء، إلى حوارتلقائي ،يبدا عادة عن حالة الجوطبعا،ثم ينتقل بتلقائية إلى الحديث عن الزحام الملحوظ في مرأب السيارات وإذا كنت برفقة أطفالك،فسيكونون مفتاح التواصل العابر واللقاء الانساني القصير الذي سينتهي بانصراف كل واحد إلى وجهته ..
استفتاني أحد المسلمين :”هل أرد السلام على زملائي في المصنع كل صباح حين نلتقي في مستودع الملابس؟” قلت: طبعا ،بل ابدأهم بالسلام إن أتيت متأخرا.
قال الآخر،بلحية كثيفة وقميص قصير:”لن أسلم على الكفار.ألقي السلام فقط على المسلمين ، والآخرين،وإن وجدوا بيننا، فلا أسلم عليهم.لكم دينكم ولي دين.”
قلت معقبا :منذ متى وأنت تعمل في ذاك المصنع؟
ـ منذ تسعة عشر سنة
ـ وكم عدد العمال المسلمين معك؟
ـ تقريبا الثلث .
ـ هل يسمح لكم بالصلاة في المصنع؟
ـ نعم ،طلبنا ذلك ،واستجاب المديرلرغبتنا،وخصص لنا زاوية من المستودع لهذا الغرض.
ـ ومع ذلك ،ترفض ان تلقي عليهم تحية الصباح؟
ـ هذا شيء وذاك شيء آخر.
ـ هل تحمل حقيقة رسالة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم؟ هل بلغت رسالة الاسلام لهؤلاء ـ الكفارـ على حد قولك؟ كم دخل من هولاندي للاسلام علي يديك؟ إنك تسيء إلى الاسلام أيما إساءة وأدعوك أن تعيد النظرفي معاملاتك هذه،فالدين معاملة،والدين اخلاق كريمة ،وأرى أن لك في هذه البلاد من الحقوق والامكانيات ما لم تكن لتحصل عليه بسهولة في بلدك الأصل. السلام والتحية في القرآن الكريم ، وفي الحديث النبوي ،من أهم الآداب الاجتماعية التي تفرد بها الإسلام. والله تعالى اختارالسلام اسماً لذاته المقدسة ،وعده من أسمائه الحسنى ،وأنزل فيه قرآناً يتلى في كل وقت وفي كل مكان .جاءت صيغة السلام في ست وأربعين موضعاً من القرآن الكريم ،وصيغة التحية في عشرة مواضع. ستة وخمسون موضعا من خمسين آية ، من ثمان وعشرين سورة من سور القرآن ، بالاضافة إلى أحاديث كثيرة عن رسول السلام والرحمة ، صلى الله عليه وسلم ، ألا يدل ذلك كله على الاهتمام الكبيربهذا الخلق الكريم ؟
تعال معي نستقرىء ما خفي عنك أوجهلته أو تجاهلته أوفهمته خطأ ،من تعاليم الاسلام الذي تدعي أنك تمثله :
من كتاب الله أكتفي بهذه الآيات البينات الواضحات دون الخوض فيما اجتهد فيه علماء التفسير:

( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحيوة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة ... ) ـ النساء : 94 ..( والله يدعوا إلى دار السلام ) يونس : 25 ..
( ولقد جاءت رُسُلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاماً قال سلام ) هود : 69 .
( وإذا حُيّيتم بتحيّة فحيّوا بأحسن منها أو ردّوها إنّ الله كان على كلّ شيءٍ حسيباً ) النساء : 86 .
( فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة ) النور :61.
( تحيتهم يوم يلقونه سلام ) الأحزاب : 44 ..


ومن سنة سيد المرسلين أكتفي بما اشتهر على الألسنة من أحاديث :

*روى ابن ماجة عن أبي أمامة رضي الله عنه:” أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نفشي السلام”
*عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا.أولا أد لكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشو السلام بينكم .” رواه مسلم
*عن عبد الله بن عمرو قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”اعبدوا الرحمن وأفشوا السلام.” رواه ابن ماجة.
*عن أنس قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إن السلام من أسماء الله تعالى،وضعه الله في الأرض فأفشوا السلام بينكم” رواه البخاري في الأدب المفرد.
* (أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) [ابن ماجه]

السلام يدفن الشحناء ،ويقتل الغيظ ،ويروض النفس على ممارسة السماحة واللين ، فتتسع دائرة الإلفة وتكبر،وتزداد المحبة فيما بين الناس.إلقاء السلام وتبادله خلق أمّة أريد لها أن تكون خير أمّة اخرجت للناس .فهل نحن أهلا لتحقيق مراد الله هذا..؟..؟

وأعود لقضية الابتسامة فأقول أني أفتقد الكثير من وصايا الرسول الكريم في معاملاتنا مع بعضنا البعض كمسلمين ،وفي معاملاتنا مع الآخر..أفتقد الابتسامة في وجوه إخواني...أفتقد تلك النظرة الحانية في عيون الكثيرين ممن تجمعني بهم روابط الدين واللغة والوطن والعرق ..وأجدها متدفقة فوارة بالعطاء والحب الانساني في وجوه ساكنة البلد الأصليين..من جئناهم من بعيد نحمل رسالة لم نحسن التعامل بها بيننا فكيف نبلغها للأخر؟
عن أبي ذر- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة.” أخرجه البخاري في الأدب المفرد.

ومن العلم الحديث:
استنتج علماء النفس أن تكرارالابتسامة يريح الإنسان ويجعله أكثر استقراراً، بل إن علماء البرمجة اللغوية العصبية وجدوا أن أحد أساليب النجاح الأقل كلفة هو الابتسامة. فالإنسان الذي يتبسم في وجه من حوله يمنحهم بتلك الابتسامة شعوراً بالاطمئنان، ويزيل الحواجز بينه وبينهم، ويكسبهم الثقة به.وكشفت الأبحاث الجديدة أن لكل إنسان ابتسامته الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد، وأن كل ابتسامة تحمل تأثيرات مختلفة ، وأن الإنسان نفسه قد يكون له أكثر من نوع من الابتسامة، وذلك حسب الحالة النفسية وحسب الحديث الذي يتكلمه والأشخاص الذين أمامه..ومن النتائج المهمة لمثل هذه الأبحاث أن العلماء يتحدثون عن عطاء يمكن أن تقدمه للآخرين من خلال الابتسامة، فالابتسامة تفوق العطاء المادي لأنك من خلالها:
ـ تدخل السرور لقلب الآخرين، وهذا نوع من أنواع العطاءالمهمة فالسرور يعالج كثيراً من الأمراض على رأسها اضطرابات القلب.
ـ من خلال الابتسامة يمكنك أيضا أن توصل المعلومة بسهولة للآخرين، لأن الكلمات المحملة بابتسامة يكون لها تأثير أكبر على الدماغ حسب نوع الابتسامة التي ترافق هذه المعلومة أو هذه العبارة.
ـ ابتسامة لطيفة يمكنها أن تبعد جو التوتر الذي يخيم على موقف ما، وهذا ما لا يستطيع المال فعله،ولذلك فإن اقل ما تقدمه للآخرين هو صدقة الابتسامة.
بشاشة وجه المرء خير من القرى فكيف الـذي يأتي به وهو ضاحك
ـ عندما تقدم ابتسامة لصديقك أو زوجتك أو جارك فإنك تقدم له وصفة مجانية للشفاء من دون أن تشعر، وهذا نوع من أنواع العطاء. ولذلك صرح بعض الباحثين أن ابتسامة الطبيب جزء من العلاج!


هل علمت الآن لماذا قال نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم: (وتبسمك في وجه أخيك لك صدقة!!) ؟