قناديل قريتي

بواسطة : شمس المغيب

ليلة تطرق قلوبًا مؤمنة شوقًا وحبًا. ينتظرها الجميع ليشذوا مسامعهم بصوت مدفع السحور وصوت المسحَّر الذي يجول بطرقات القرية وهو يتلو كلمات مع قرعه على طبل يوقظ النائمين إلى وجبة لا يعرفها إلا الصائمون . ولكن حال أبي سالم هذه المرة مختلف فقد استقبل رمضان وهو في زنزانة جدرانها باردة تقطر منها وحشة الروح وفراغ القلوب ليستيقظ على صوت السجان وهو يقرع بعصاه قضبان السجن بدلا من صوت المسحراتي .وصوت يصم الأذان لجرس وكأنه صفارة إنذار بدلاً من صوت دوي مدفع السحور الذي اعتاد على سماعه وهو آمن بين أفراد أسرته . تترقبه أرواح تتحين وقت انبلاج الإمساك عن الطعام.لم يكن أبو سالم من رواد السجن الحميمين بل أتاه عنوةً وسكن دهاليزه كرهًا .استجمع قواه على صوت شريكه في الزنزانة يحثه على النهوض قبل أن يصب السجان جام غضبه عليه لم ينم تلك الليلة ، فقد تمالك نفسه المبعثرة ولملمها بأنفس تتأوه البعد كان ثقيل الخطوات وكأنه يجر في إحدى قدميه كرة من حديد تزن ألف طن. كان الجميع يتزاحم في ممرات السجن المؤدية إلى حيث يجتمع الجميع يشاركون الأطباق ضجة ليلة يلتهمون فيها الحنين إلى أيام كانوا فيها أحرارًا من قيود الذنب..
آخر من وقف على بوابة الضجيج أبو سالم تسمرت قدماه على عتبة الذكرى وهو يرى أمامه زملاءه الذين أخذ كل واحد منهم مقعده ماخلا بعضًا منهم يصطفون صفا كلٌّ ينتظر دوره ليأخذ ما قسم الله له..
حمل في يده اليمنى طبق الطعام الفارغ ووقف في الصف لتأخذه الذكرى على بساط الحنين إلى عائلته وأبنائه ووالديه وكيف كان استقبال أول ليلة من ليالي رمضان تعج بالفرح وتبادل التهاني معهم . ما أتعس حظك فقد رزقت بامرأة فاتحة فاها بكلمة هات .. هات ... لقد تكبد الكثير من الديون حتى يرضي جشع زوجته التي لا تشبع فكان نصيبه أن عجز عن تسديد ديونه ليحرم من معانقة ليلة كهذه في رحاب عائلته.. تنبه لصوت يصرخ فيه إليّ بطبقك .. ما أن وضع أبو سالم الطبق على المنضدة إلا ومغرفة بقدر كف اليد تحمل إدام الفاصوليا وصوت يزمجر هل ترغب بشوربة العدس ما كاد يفتح فمه إلا ويسده بغرفة من الشوربة في تجويف الطبق بجانب الفاصوليا.. - هناك تجد الخبز وعلبة لبن وفاكهة اختر ما شئت وخذ مكانك- مازالت قدماه متعبة كتعب قلبه الذي لم يتكيف مع هذا الوضع الجديد نظر إلى الخبز الأسمر اليابس فأخذ قطعة صغيرة لا تسمن ولا تغني من جوع وعلبة لبن ولمحت عيناه حبات الفاكهة لم تتق نفسه لشيءٍ منها فأخذ يجر أذيال البؤس متجها إلى مقعد شاغر ليدس قلبه الكسير في جمع الضجيج. ويحدق في الطبق لتفتح نافذة الماضي عندما كان طفلا صغيرا يلهو مع أقرانه بالعصي التي يمتطونها كالأحصنة وهم يجوبون أزقة القرية.. وإلى ذلك البيت من الطين وسقفه من سعف النخيل لاح في ذاكرته أول ليلة للرمضان وهو لم يتجاوز السابعة من عمره يلاعبه والده وهما ينتظران وجبة السحور التي تصنعها أمه بتقليد قديم فقد كانت تلك الوجبة تصنع من صنف واحد لا غير لم يتبدل مع مرور الوقت والعمر بل حرصت الأسرة على هذا التقليد إكراما لرائحة حياة الأمس البسيطة . تطهوه أمه بمهارة كان له مذاق عجيب من السعادة فقد طبخ على لهيب النار بأعواد حطب جمعت كوقود لطهي الطعام. مستعينة بقدر اكتسى لون السواد من صخام نار لا ترحم ليخرج الأرز الممزوج باللبن والدقيق وجبة دسمة تسد الجوع طول نهار يوم شديد الحرارة في صحراء تلمع رمالها كالذهب.وتقابل أمَّهُ أختُهُ سارة التي تكبره بخمس سنوات وهي تصنع الخبز على صاج الجمر ليجتمع الجميع على طقوس لن ينساها ما دام ينبض في قلبه عرق. تجلس جدته - يرحمها الله- صدر سفرة الطعام وتقول جملتها التي لا تخرج من بين شفتيها إلا في أول ليلة من ليالي رمضان على وجبة السحور تحديدا لتهنئة الجميع بشهر مبارك وعمر مديد( حمود ناديتك هذه السنة وكل سنة) رددها بعضنا لبعض فرحة أن أمتد بنا العمر حتى عانقت أرواحنا ليالي رمضان.أنقضت الأيام رتيبة بين خانات السجن إلا من محاضرة هنا وبعض من ألعاب رياضية هناك يتنفس فيها السجناء الضحكة من قلب أسواره من الأوجاع..
أتم أبو سالم وبعض من زملائه أجزاء من القرآن حفظا.شارف الشهر على الأفول وبدأت تراتيل الدموع المودعة تختزن بالعيون لهذا الشهر.طلب من الجميع عدم مغادرة مصلى السجن بعد صلاة المغرب من اليوم التاسع والعشرين من رمضان لإعلان مرسوم ملكي. تهامس الجميع إنها -المكرمة الملكية—المكرمة الملكية- رفع الجميع أكف الضراعة إلى الله ليشملهم العفو.. صعد الضابط إلى منبر الإعلان وأخذ يحثهم على فضل هذه المكرمة كان الجميع متشوقين إلى ذكر الأسماء تعالت أصواتهم (اختصر- اختصر- نريد الأسماء) وتحت تأثير إصرارهم شرع في ذكر أسمائهم عم الصمت وسكن الجميع إلا من صرخة فرح هنا وهناك وبعد مرور ما يقارب السبعة وعشرين اسمًا أتى اسم أبو سالم لم يصدق في البداية إلا بعد أن دفعة زميله ورفيقه في الألم (هذا أنت مبارك عليك سوف تقضي العيد بين أبنائك ) لم تكن الفرحة تسع قلبه من شدتها انهمرت الدموع التي سريعا ما أخفاها بطرف كمه. أطلق صراح الجميع مع مراسم فرحة عامرة في القلوب ودع أبو سالم زميله الذي كان جرمه لا يقبله عفو.. ودعا له أن يفرج كربته.. ولى أبو سالم وجهه شطر القرية ؛ ليقضي أول أيام العيد في أحضان والديه ..
قضى ليلة كاملة في السفر من الرياض إلى قريته البعيدة في بطن الصحراء دخلها قرب الفجر ليقف أمام مسجد القرية الذي لم يتغير مع مرور الزمن بجداره الطيني ولونه البني دخله وعيناه تفتشان عن أشياء بداخله ..
كان يتلمس الجدار باحثًا عن السراج الذي اعتاد أن يراه مضيئـًا لهم لياليهم الرمضانية حين أداء صلاة القيام ..وجده بعد فترة يسيرة من البحث وأخذ يشعله بأعواد كبريت ليشع ضوءه في أرجاء المسجد وروحه المتعطشة لتلك الأيام الخالية بين طين الماضي وأنفاس بساطة الحياة...
رفع كفيه في صلاة القنوت شاكرًا لله على أنعمه وفضلة والدموع تنهمر سعادة سكنت قلبه ولم يقطع هذا الخشوع إلا صوت أذان الفجر ليوجز في صلاته هاما بالخروج لرؤية والديه وإيقاظهما للحاق بالصلاة ..
لم يكد يخرج من ساحة المسجد إلا ونجوم السماء تسير على الأرض تقترب من كل حدب وصوب كأنها ليلة القدر . قادته أقدام الدهشة ليشهق الفرح برؤية أهل القرية وهم يحملون الفوانيس لتضيء دروبهم إلى حيث صدع صوت الأذان وفي مقدمتهم أبوه الذي أضاءت وجه هالة إيمانية اعتادها عليه .فعانق أبو سالم والده الطاعن في السن والدموع تبلل لحيته التي خضبها الحزن زمنًا من الهجر وأنفاس والده تتسارع فرحة بتهاليل اللقاء الذي لم يضرب له موعد إلا في جبين المجهول لهما. وهما في بحر من أضواء الفوانيس وتكبيرات العيد وتهاليل وتهاني أهل القرية لهما0