أصبح سعيدَا

بواسطة : رضا صالح

كنت أيام الدراسة الابتدائية أتردد من حين لآخر على محل بقالة بالقرب من منزلنا ؛ سمعت صراخا من الجهة المقابلة فى الشارع الضيق ؛ انتبهت فوجدت صاحب ورشة سيارات، وكان رجلا ذا رأس أصلع ضخم؛مفتول العضلات؛ له صوت جهوري يسمع الشارع كله ؛ رأيته وقد أمسك بذراع سعيد وكاد أصغر منى بكثير ، وأحيانا كان يلعب معنا الكرة ،أو لعبة الأستغماية ،وفى رمضان كنا نلعب سويا مع أطفال آخرين بالبمب والحبش ؛ أو نتجول فى الشوارع .
—-***—-
رأيت سعيدا لا يستطيع أن يفلت من هذه اليد القوية الجبارة .
بين الحين والآخر يتصاعد صراخ سعيد خصوصا عندما يضغط الأسطى علي الذراع الرفيع بعنف ويقرصه ,.ينظر بعض المارة إلى المنظر ولا يأبهون، يمرون فى طريقهم مؤثرين السلامة .
فى لحظات قليلة وجدت أحد العاملين فى الورشة وقد أمسك بالولد الصغير بسهولة - كمن يمسك فرخة – ورماه على كنبة عالية قديمة ملقاة أمام الورشة ، وفى الحال أمسك بسلك( واير) سميك- يبدو كان مجهزا لتلك المهمة -، وأخذت صاحب الورشة العزة بالإثم عندما داخل إلى الورشة وخرج فى الحال حاملا فى يده عصا غليظة ؛ والشرر يتطاير من عينيه وهو ينظر إلى الطفل الملقى أمامه قائلا :
سأوريك يا ابن الكلب ، نهايتك على يدى إن شاء الله
سكت الصراخ قليلا ، ربما يكون قد فقد النطق من حالة الرعب .
اقترب أحد المارة وقد أخذته الشفقة قائلا :
ماذا فعل الولد يا أسطى ؟
يستغفلني
يعنى إيه ؟
زبون أعطاه 50 قرش ، ولم يقل لى..
وما المشكلة ؟
تقول وما المشكلة ؟ بعدها يسرقنى ...عرفت يا باشا... عرفت المشكلة ياحبيبى ...
فى الحال كان عامل الورشة قد أحاط جسد الطفل الصغير بالواير، وربطه بإحكام فى الكنبة المرتفعة , يتابع الأسطى الموقف ، حتى إذا انتهى قال له :
ربطته جامد
نعم يا أسطى
أوعى من وشى
—-***—-
هبط الأسطى بعصا غليظة كانت فى يده على قدمى الطفل المربوطتين بإحكام, تصاعد صراخه مرة أخرى ، حاول أن يحرك قدميه وساقيه ليتخلص من شدة الألم, لم يفلح بالطبع ، جاء رجل مسن يرتدى طربوشا ، زغد الأسطى فى ذراعه برفق لينبهه إلى حضوره ، ألقى الأسطى عليه نظرة وهو منهمك فى مهمته ، قال المطربش العجوز :
حرام عليك يا أسطى
حرمت عليه عيشته
لماذا ياأسطى ؟
من أفعاله
لك أن تطرده من الورشة
أمه لا تريده أن يترك العمل ؛ بالعربى لقد تزوجت , وزوجها لا يريد أن يراه... فهمت يا سيدى؟؟ وألا أقول تانى ؟؟؟ طريقك أخضر يا حاج ..
أحتار العجوز ومصمص شفتيه وأخذ طريقه الأخضر قائلا :
لا حول ولا قوة إلا بالله ...
لا حول ولا قوة إلا بالله ...
—-***—-
تحلق الناس آملين أن يروا حلا مناسبا ؛ وان يشفى أحد غليلهم من هذا الوحش الذى لا يجد من يردعه ، تجرأ أحدهم وقال مندفعا :
إذا لم تسكت سوف أبلغ النجدة
رد علية هازئا :
النجدة ..ها ها ...روح لحالك، خّلى يومك يعّدى
—-***—-
تجمع كل الألم وكل العذاب - عذاب الدنيا - فى هذه اللحظات ؛ فى هذا الجسد النحيل الممدد مصلوبا ؛ لكى يعاقب دون رحمة على جرم لا يعرف كنهه ؛أو على ذنب لم يرتكبه ؛ ولكى يزداد كرها للحياة والأحياء ويزداد خوفا من كل شىء ، ويتجرع كأسا أهون منها الموت ، فقد أعطاه أحد هم خمسين قرشا اشترى بها كيسا من الشيبسى ، راح يأكله فى الورشة ليسكت بها ثعابين بطنه الجائعة ، رآه الأسطى عند حضوره فى الصباح ،استجوبه ؛ حاول الطفل ببراءة أن يثبت براءته ؛ لكنه لم يفلح أمام هذا المّصر على العقاب ، هكذا أرتأت تلك النفس المريضة ، وهكذا يفكر ذلك الأسطى الذى يعبر عن إفراز بغيض لمجتمع مريض ؛ لم يعرف الطفل ماذا يقول ؛ هكذا كان سعيد .
تورمت قدماه من الضرب المتتابع دون رحمة ، وأدمت عيناه وجفت مقائيها من البكاء حتى تقطعت أنفاسه وسكت أخيرا ..
ظن الاسطى أن الولد إنما يمثل عليه مثلما حدث – فى اعتقاده– منذ لحظات , وتابع ضرباته بذلك السوط الرفيع الذى ألهب به جسد الفتى الصغير وأدماه ، ولكن الطفل استمر ساكتا عن الصراخ ..
ناداه عامل الورشة :
ولد يا سعيد ..يا سعيد ...
حاول أن يفيقه برش الماء على جسده من علبة صدئة ...
لم يجب سعيد ..
نظر إليه الرجل وحدق فى وجهه، وحاول تحريكه بيديه ولكنه لم يستجب ، فقد انتقل إلى عالم آخر؛ نادى عليه مرة أخرى...
تأكد أن سكوته هذه المرة كان أبديا ...
فقد أصبح سعيدا حقا .