وللإهمال عواقب

بواسطة : رضا صالح

أنا لا أغش اللبن يا أبى؛ هذه الشكوى ظالمة
قال الأب وعلى وجهه مسحة حزن:
هم لا يقولون إننا نغش اللبن ولكن ..
ولكن ماذا يا أبى؟
عيبكم أنكم لا تحبون المواجهة ...لا تواجهون أنفسكم .
لم يجدوا فى التفاح عيبا ؛ فقالوا له يا أحمر الخدين !!
أنا متأكد يا بنيتى أنك لا تغشين اللبن ؛لأنك تحلبينه بنفسك ، ولا بد أنك تشرفين على من حولك ..
وهل تشك في يا أبى ؟
حاشا لله ..
ماذا يدور فى ذهنك يا أبى ؟
المسألة ليست كذلك ؛ ولكنهم يقولون إن رائحة اللبن كريهة ..


حزن الأب من عدم بيع إنتاج اللبن الذى تعيش عليه العائلة ، بعض التجار أعادوه إلى المزرعة ؛ وجد الأب أن الكثير من مصانع الألبان والموزعين نفروا منه وقل عددهم ،استأنف كلامه:
لابد أن نراجع كل خطوة من خطوات إنتاج اللبن حتى وصوله إلى المشترى ، طوال عمرنا ونحن ملتزمون بالذمة وعدم الغش وقد أوصيتكم مرارا بمراعاة الله ، وأنتم تعرفون ذلك جيدا
ذهب مع ابنته ؛ واخذ العمال ليتعرف معهم على حقيقة ما حدث على الطبيعة


فى الزريبة وجد الأب مالا يسره ..
رأى إحدى الفتيات وهى تجلس تحت البقرة وتشمر عن ساعديها ، كانت حافية القدمين ،الذباب يملأ المكان رائحة الروث والبول تنبعث لتصدم الأنوف ، ألقى نظرة واحدة وقال :
أين الأوانى التى تحلبون فيها ؟
أشارت الفتاة إلى مكانها ؛ رآها موضوعة بلا مبالاة على كوم من القش ، حزن الأب وقال :
الآن قد عرفت السبب ؛ نحن لا نراعى النظافة , هل غسلت هذا الضرع يا بنيتى قبل أن تحلبينه ؟
تلجلجت الفتاه وقالت :
لا لا
وهل راعيت غسل الأوانى ووضعها فى مكان نظيف؟
تلجلجت الفتاة وزاغت نظرا تها ؛ استأنف الأب :
لقد أضعت عملك وسمعتنا
لقد نسيت
كل مجهوداتنا صارت هباء
ولكننا لا نغش يا سيدى
الإهمال أسوأ... ألم تسمعين ؟ بيت المهمل يخرب قبل بيت الظالم ؛ للضرع رائحة كريهة من البول والروث ، وأنا قد أوصيتكم بالنظافة من قبل.
قالت ابنته :
ولكنك تركز فى كلامك على عدم الغش يا أبى ؛ وهذا ما كنا نهتم به أولا..
لا لا ...لا يكفى ، انتم تعلمون أن الاهتمام بالإنتاج؛ وخصوصا ما يؤكل أو يشرب ، هذا الاهتمام هو سبب السمعة الطيبة ورواج السلعة واكتساب ثقة ومحبة الآخرين ..
أريد أن أقول لكم أن فعلكم هذا ذكرنى بالمرأة التى تطبخ طعاما رائعا ؛ وتضع عليه أنواع التوابل الجيدة واللحوم وفى النهاية قد تكثر من الملح , أو ربما تتفوه بلسان كريه ؛ وكلمات جارحة تجعل طعامها لا يؤكل .

أكمل الأب كلامه قائلا :
\”هذا بالضبط هو ما يحدث معنا الآن... ما يحدث من ردود أفعالنا تجاه الاتهامات التى تصاغ ضدنا ، واتهامنا بأننا إرهابيون؛ وان الدين الإسلامى يدعو إلى الإرهاب ،عندما ننظر إلى هنا أو هناك على ساحة العالم فإننا نجد بعض الأعمال التى تنسب إلى - أو يكون أصحابها بالفعل – مسلمين ، من تدمير واختطاف وحروب طائفية أو عرقية هنا أو هناك ...إن هذا لا يزكى قضايانا ، بل على العكس يدمر مساعينا ، بعض الغرب والأمريكان يتحسسون الآن مسدساتهم عند سماعهم كلمة عربي أو مسلم ، لم تكن سمعتنا كذلك فى الماضى ، قبل أحداث سبتمبر 2001التى قلبت المنضدة على وجوهنا بالرغم من حسن نوايانا وبراءتنا من هذه الأحداث ونظرتنا إليها كما نظروا هم إليها باستغراب واستنكار ، أردت أن أقول لكم إننا يجب أن نهتم بالأسلوب الذى نعرض به قضايانا ، وقد نكون فيها على حق ولكن طريقة العرض وأسلوبه ؛ وإهمالنا و ردود أفعالنا المتسرعة هى من أسباب خسارة قضايانا ، ليست الداخلية فقط ؛ بل وعلى الساحة العالمية أيضا.

رضا صالح - السويس