وسَهمٌ للصَّـدَقـةِ

بواسطة : رجاء محمد الجاهوش

الشَّريكُ الخامِس كانت تتحدَّثُ بانفعالٍ يَشوبه حبّ وفخر وحبور ... فنبَراتُ صوتِها تنسابُ كنغمٍ عَذب ، ويَداها تتمايَلان كأغصانِ شجرةٍ يانِعةٍ داعَبها الهواءُ العليلُ ، وبريقُ عينيها يَشعُّ كومضَةِ نجم في أعالِي السَّماء ، حتى خلتُ نفسي في واحةٍ غنّاء بين وَردٍ وزَهرٍ وجَداولِ ماء ! قالت : بالأمس اجتمعَ والدي الحبيب وإخواني الأعزّاء مع المُحامي من أجلِ إرساء قواعد شركتهم الجَديدة على ضوء القوانين المعمول بها ، فسَألهم المُحامي : كَم عدد الشّركاء ؟ فأجابَهُ والدي ـ حَفظهُ الله ـ : خمسَة . فاندهشَ إخواني ! فعَددُهم ثلاثة وبإضافةِ والدي يُصبحونَ أربَعة ، فمَنْ هو شريكهم الخامِس ؟! راحَت النَّظرات تتبادل الأحاديثَ الصَّامتة ، ومَلامِحُ الوجوهِ تطرحُ أسئلة حَيرَى ! فيُباغتهم والدي بسؤاله : مَن تظنونَ أن يكون شريكنا الخامس ؟ يبتسِمون دونَ أن تنبسَ الشّفاه بكلمَةٍ ، فيتابع : - أتحبّون ـ يا أبنائي ـ أن يُباركَ الله لكم في رزقكم ؟ - هذا ما نرجوه من الله دائمًا . - أتطمعونَ برضا الله سبحانه ؟ - بكلِّ تأكيدٍ ، فرضاه غاية كلّ مُسلِم . - أترغبونَ بظلٍّ ظليل ، وصحَّة وعافيَة ، ونقاء مِن ذنوبٍ ؟ - بَلى ، بَلى . - إذا رحبّوا معي بشريكِنا الكَريم ، صاحِبَ السَّهم الخامِس : الصَّدقة . ثمَّ تَلت بصوتِها النّديّ قولَ الله تعالى : “إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ”] - الحديد:18] وقوله سُبحانه وتعالى: “مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ”] - البقرة:245[ حَصَّالة أقبَلت علينا تتلمَّسُ مكانها بين الصُّفوف ، فالتَفَتَت إليها أنظارُنا متفحِصَّة العضو الجديد الذي سينضَم إلى أسرة “فصلنا” ... ملامُحها لطيفة ، تشي بروح طيّبة تستتِر بين الحَنايا ، وحديثها مهذّب يدلُّ على حُسْنِ تربيَة وتوجيه ، استطاعَت في غضونِ أيامٍ قليلةٍ أن تكسبَ حبّنا واحترامَنا بحُسنِ تعاملها ورِقَّّته . ذاتَ يوم ـ مِن أيّام شهر رمَضان المُبارك ـ وزَّعَت علينا وَرَقة و”حَصّالة” ، أخذناهما ونحنُ في حيرَة من أمرنا ! لقد اعتدنا على توزيعِ الأوراقِ التي تحمِلُ بين طيّاتِها وعظًا طيّبًا ، وعلى إهداءِ “الشّريط” الدَّعوي ، أمّا أن يُقدَّم لنا “حَصَّالة” فهذا أمرٌ جديدٌ ! نظرتُ إليها ، وكلّي فضول لمعرفةِ سرّ هذه “الحَصَّالة” ، فأومَأت أنَّ السِّرَّ يَكمُن فيما كُتبَ على الوَرقةِ ، فشَرَعتُ أقرَأ : ]هل بينكَ وبين الله صِلة ؟ ... والصِّلة التي أقصدُها هي اتخاذكَ عمَلا صالحًا تداوِم عليه دونَ أن يعلمَ بكَ أحدٌ ، فهوَ العَهدُ الذي بينكَ وبين الله سُبحانه . لا تستغرب سُؤالي ، ولا تستثقله ...! فقد تنوَّعَت الطاعات التي فرَضها الله علينا ، واختلفت الأعمال الصَّالحة التي حبّبنا الله فيها ، فلمَهْ كان هذا الاختلاف والتنوّع ؟! أيكون أحدُ هذه الأسبابِ أن تجدَ كلَّ نفسٍ الوسيلة التي تناسِبها في التَّقربِ إلى الله ، فيسهلَ عليها إيجاد تلك الصِّلة بينها وبينه ـ سبحانه وتعالى ! قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ” أحبّ الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قلّ ” ، فقليلٌ دائمٌ خيرٌ مِن كثير مُنقطِع . سأبوحُ لك بسرّ ، ولا جُناح عليك إن أذعته ... إنّني أستقطعُ ـ كل شهر ـ من راتبي مبلغًا زهيدًا ، وأصرفه إلى فئة ” العشرين فلس ” ، ثمَّ أضعُ تلك العشرينات في علبة خاصَّة ، وبجانبها “حصَّالة” للصَّدقات ـ تلكَ التي توزّعها اللّجان الخيريَّة ـ ، وأقوم كلّ صباح بوَضعِ “عشرين فلسًا ” في “الحصَّالة” كصدقة عن نهاري ، ثم أمضي إلى متابعة يومي وأنا مطمئنة إلى أنَّ الله سيحفظني ، و”عشرين فلس” أخرى في المساءِ صدقة عن ليلتي لأشعرَ بذاتِ الطَّمأنينة ، فصنائعُ المَعروفِ تقي مَصارعَ السُّوء ، وصَدقة السَّرّ تطفئ غضبَ الرَّب ... [ ثمَّ ختِمَت الوَرَقة بـدعاء : اللهمَّ يا واصلَ المُنقطعين أوصلني إليكَ . إيمانٌ كنتُ صَغيرًا عندَما كانت ترسُلني أمِّي بطعامٍ إلى جارتنا العَجوز ، وإلى ذلكَ العامِل ـ الشَّيخ المُسنّ ـ الذي يَقوم على تنظيفِ مسجدِ حيّنا ، كان واجبًا يوميًا أقوم به بعدَ عودتي من المَدرسةِ ، لم تتأخَّر أمُّي يومًا عن موعدِها ، وكنتُ لا أمانِع بالذهابِ ، فجارتنا العَجوز طيّبة القلبِ ، كانت تعطيني قطعة من الحلوى ، ثم تشكرني وتطلب مني أن أهدي أمُّي السَّلام ، وذلكَ العامل كان يُصافِحني كرجلٍ رِشيدٍ ويشدّ على يَدي وهو يقول : جزاكم الله خيرًا ، فأفرحُ أيَّما فرحٍ وقد غدَوتُ رجلا وأنا لم أبلغ الثامِنة مِن عُمري بَعد ! ذاتَ ليلةٍ أصابتني وعكة صحيّة ، فلزمْتُ السَّرير ولم أذهب إلى المَدرسة ، وخضَعتُ للعلاج الذي وصَفه الطبيب لي ، معَ ما كانت تعدّه أمُّي الرَّؤوم مِن عصائر طبيعيّة ومشروبات دافئة . جاءت خالتي الحَبيبة للاطمئنانِ عليَّ ، وهي جارة لنا ، لا يفصلُ بينَ بيتنا وبيتها سِوى شارع ضيّق وبعضَ المَباني ، وبينما هي تسامِرني نادت عليَّ أمُّي : - يا يوسُف ، اقبل إليَّ يا بنيّ . - حسنًا يا أمُّي . ساعدَتني خالتي الحَبيبة بالنُّهوضِ ، ثم مَضيتُ وحدي نحوَ المَطبخ حيث أمُّي . - يوسُف أيا حبيبي ، هل أنت قادرٌ على أداءِ مهمَّتك اليوميَّة ؟ - أشعرُ بتعَبٍ يا أمَّاه ! - إن جاهدت نفسَك قليلا ، وسَارعتَ في فعل الخيرات فقد يكون ذلكَ سببًا في شفائكَ العاجل . وقبلَ أن أجيبَ ، أقبلت نحونا خالتي ، وسألت أمّي باستنكار : إلى أينَ تريدينَ إرسالَ هذا الصَّغير ؟ ألا ترَين حاله ! - هو بخيرٍ بإذن الله ، وفي أداءِ مهمَّتهِ هذه كلّ الخيرِ . - دعيهِ يذهبَ ليستريحَ في فراشِهِ ، سأقومُ بمهمّته نيابَة عنه حَتى يتمِّمَ الله شفاءَه . - لا بأس ، جزاكِ الله خيرًا . عانقتُ خالتي وقبّلت وجنتها بامتنانٍ ثمَّ مضيتُ إلى سَريري ، فتلحَّفتُ بلحافي وغططت في دفء ودِعَة . صوتُ أمُّي وخالتي مُرتفع ، والبيتُ ضيّق ، و حوارَهما مَسموع بوضوح ، قالت خالتي : - أعجبُ منكِ يا أختي ! - وممّا العَجب ؟ - أعلمُ جيدًا أنّكم تعيشونَ عيشة الكَفافِ ، فمَا الذي يُلزمُك بإرسالِ جزء مِن طعام أهلِ بيتك إلى الآخرين ؟ أيتصدّق فقيرٌ على فقيرٍ ؟ - سأجيبُكِ ، لكن عليكِ أن تسمَعي القصَّة مِن أوَّلِها . - كُلي آذانٌ مُصغيَة ، فتفضّلي .. - حضرتُ ذاتَ صباح حلقة ذِكر ، تحدَّثت فيها الدَّاعية الفاضلة عن الصَّدقة وفضلها ، فتألمتُ وكتمتُ دمعًا كادَ أن يسقط مني رغمًا عني ، ثمّ انفضَّ المجلسُ وعدتُ إلى بَيتي ، لأستقبلَ زوجي وأولادي لكنّني لم أكن كعادتي ، فقد اختفت ابتسامتي ، وسَكنَ الحُزن عينيّ ، فلاحظ زوجي العزيز تغيّر حالي ، فانتهزَ فرصة وجودِنا وحدَنا ليسألني : - ما بكِ ؟ لمَهْ كلّ هذا الحزن في عينيكِ ؟ لم أستطع هذه المرّة الإمساك بدمعتي فقد سبقتني وسَقطت ، فزادَت حيرة زوجي ، وراحَ يلحّ بالسّؤال : ما بكِ ؟ هل هناك ما يسوء ؟ - لا ؛ لا تقلق ، الأمرُ ليسَ كما ظننتَ ، إلا أنّني حزينة كوني لا أستطيع أن أبرهِنَ على إيماني . - أنا لا أفهمُ شيئًا ! - كنتُ اليوم في حلقةِ الذكر ، وتحدَّثت الدَّاعية الفاضلة عن الصَّدقة وفضلها ، فقالت : يقولُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ” والصَّدقة بُرهان ” فهي دليلٌ على صدق العَبد وإيمانه ، فتألمتُ وكادَت عينيَّ تفيضانِ بدمعِها حزنًا ألا أجدُ ما أنفِق . - ألم تخبركنّ أن الصّدقة نوعين ؟ - كلا ؛ حثَّتنا على بذلِ المال فقط . - إذا لا تحزني ، وكفكفي دَمعك ، فأنتِ قادرة ـ بإذن الله ـ على أن تبرهِني على صِدق إيمانكِ . - أخبرني ـ بربّك ـ كيفَ ، كيفَ ؟! - عن أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ أنَّ ناسًا من أصحابِ النَّبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قالوا للنَّبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : يا رسول الله ! ذهب أهل الدُّثور بالأجورِ ! يصلون كما نصلي ، ويصومون كما نصوم ، ويتصدَّقون بفضول أموالِهم . قالَ : ” أو ليسَ قد جعلَ الله لكم ما تصدَّقون ؟ إنَّ بكلِّ تسبيحةٍ صدقة ، وكلّ تكبيرة صدقة ، وكلّ تحميدة صدقة ، وكلّ تهليلة صدقة ، وأمرٌ بالمعروفِ صدقة ، ونهيٌ عن منكرٍ صدقة ، وفي بضعِ أحدكم صدقة ” . قالوا : يا رسول الله ! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال : ” أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرًا ” – (رواه مسلم) فالصَّدقة نوعان : صدقة بالمالِ ، وصدقة بغيرِ المال ، وهذه أيضا تنقسم إلى قسمين . - ما هما ؟ - الأول : ما فيه تعديَة الإحسانِ إلى الخلق ، كتعليم العلم النَّافع ، وإزالة الأذى عن الطريق ، والسَّعي في جلبِ النَّفع للنّاس ، ودفع الأذى عنهم ، وغيرها ... والقسم الثاني : ما كان نفعه قاصر على فاعلِهِ ، كأنواعِ الذّكر من تسبيح وتهليل وتحميد ، وكذلك المشي إلى المساجدِ صدقة . - كريمٌ ربِّي كريم ، وهو أرحم الرَّاحمين . ومنذ ذلك الوقت ـ يا أختي الحبيبة ـ عقدتُ العزمَ على أن يكونَ لي نصيبٌ مِنَ الصَّدقة بما أستطيع ، فأنا أملكُ صحَّة ووقتًا وشبابًا وعلمًا نافعًا ، فلمَهْ لا أتصدَّق بجزءٍ ممَّا أملكُ لأبرهنَ على صِدق إيماني ؟! اغرَورَقت عينا خالتي الحَبيبة بالدّموع ، ورفعت رأسَها لتقبّل جبينَ أمُّي ـ أختها الكبرى ـ وهي تعِدها بأن تحذو حذوَها ، وأن تبلّغ غيرها بما تعَلَّمته منها ، ثمَّ استأذنت بالانصرافِ كي لا يتأخر الطعام على جارتنا العَجوز ، وعامل المَسجدِ ذلك الشَّيخ الوَدود .