تَعوّدت أن تستقبل يومها بصلاة وتسبيح ثم تتجه نحو ذلك الفنجان الذي تبتسم كلما تراه ! إنه رفيق درب وصديق عمر ، فنجان من الفخار الأبيض ، زيّنته رسمة طفوليّة مُتقنَة لدبٍّ قويٍّ يرتدي سترةً حمراءَ ويندفع بكلِّ قوّتهِ نحوَ شجرةِ تفاح يهزُّها فتتناثر ثمارُها غنيمةً شهيّة . فنجانٌ له قيمة خاصة ، فهو أول فنجانٍ تقتنيه بعدما مَلَكَت أمرَها ! تبتسم والابتسامة ترسمُ هالاتٍ من العَجب على محيّاها كلما تذكرت كيف كان اقتناء فنجان كهذا من الممنوعات في لائحة أسرتها ؟! وإذا سألت نفسها عن السبب تاهت في دروب الإجابات ! أَلا يُسمى هذا قهراً ؟ ... عندما يختار لنا الآخرون نوع الآنية التي نأكل أو نشرب بها ! أليسَ من القسوةِ أن يُحرمَ طفل من أن يقلّدغيره من الأطفالِفي أمر مُباح ؟! " أما زلتِ تستنكرين ؟! كُفّي عن هذا الصَّياح " تنهر نفسها بلطف ثم تمضي لإعداد فطور الصَّباح . تحتضن فنجانها بين كفّيها وهي جالسة تتأمّل تلك اللوحةِ المعلّقةِ أمامها على الحائطِ : طريق طويل تكسوه الثلوج ، والأشجار على حافتيه عارية ! ارْتَشَفَت رشفة شاي وبصرها لا يفارق تلك اللوحة ... " لا أرغبُ بفعل شيء ، ليكن يوم تمرد ! لن أذهب إلى جامعتي ، أعتقد أنه يحقّ لطالبات الدراسات العليا ما لا يحق لغيرهن ! سأجلس في المنزل ، وأمارس دور ربة البيت " تضحك ملء فِيها وتحملها الذكرى إلى توجيهات أمّها الصارمة عندما كانت تقصّر في واجباتها المنزلية منادية بحقوق المرأة وأنّها لم تُخلق فقط لتكون في خدمة الزوج والولد ! فها هي الآن تحنُّ وتعود إلى فطرتها ! ارتشفت رشفة أخرى ثم شمّرت عن ساعديها وهمّت بتنظيف المنزل وترتيبه ، وإعداد ما تيسر من طعام لوجبة الغداء لها ولأخيها ، يصاحبها في أداء مهامها تلك صوت الحادي وهو يتغنّى بالأناشيد العذبة . " النظافة والترتيب من أجلّ نعم الله التي أنعم بها على عباده " هذا ما كانت تسمعه من والدتها الحبيبة بشكل يومي ... " صدقتِ يا أمي .. كم أشتاق إليك وإلى والدي الحبيب وإخوتي الأعزاء وإلى عشّنا الدافئ بل لأقل إلى حديقتنا الغنّاء " ! أما زلتِ ـ يا أماه ـ تعتنين بورودك أكثر منّا ؟! " هَمَى الدمع فاستسلمت له . يرتفع صوت المؤذن مُناديا إلى صلاة الظهر ، تجيب المؤذنَ بخشوع ثم تتوضأ وتستقبل القبلة بين يديّ الله تصغر مساحات الكون الشاسعة ، وتتضاءل لتصبح بحجم تلك البقعة التي تستقبل جبهتكَ لحظةَ السجود لا أكبر ! بين يدي الله تنحني الجباه بينما الأرواح تحلّق في علو ! بين يديّ الله تتنزّل السّكينة وتوأد بنات الصدر وأحزانه تحت تراب مناجاة صادقة : " رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ " دقائق غاليات ، ونفحات ربّانية تمرّ على القلبِ فتسمو به ويسمو بها . -3- جلست أمام مكتبها تنوي مراجعة بعض الدروس ، فلاحت منها التفاتة نحو تلك القصاصة الملتصقة على رفّ المكتب ... " كَثيرةٌ هي الأسئلة التي نَنْسَى أن نطرحَها على أنفسِنا أو ربما نَتناسَى ، فيمر اليوم تلو اليوم وهي في تَراكُم ..! " عَلَت وَجْهَها علامات شُرود وهي تتخيّل ذلك الكم من الأسئلة المتراكمة ماثلا أمامها كَتلّ مِن وَرق ! مدّت يَدها لتنتشل سؤالا وتطرحه على نفسها : " هل يومي يشبه أمسي ؟! أم أنني تعلمتُ من تجارب أمسي فغدا يومي أنضج ..! " أطْرَقت ... بالأمس .. كنتُ أحتاج إلى من يقف بجانبي مادّا يدَ العون كي أخطو .. ولو خطوة ! بالأمس .. كنتُ أنتظر وجودهم لأحلم ..! بالأمسِ .. كانت الحيرة تكتنفني كلما هممتُ بالمسير : من أين سأبدأ ؟ وإلى أين أريد الوصول ؟! بالأمسِ .. كانت الأحلام والآمال كثيرة متشعبة ، والعزمُ في شتات ! بالأمسِ .. كان القلب غضا لا يعرف إلا البياض ! أما اليوم ... فما أجمل اليومَ وما أقساه ! اليوم .. حصاد أمس وبذرة غد اليوم .. سعة فهم ، زيادة خبرة ، ورحابة صدر اليوم .. أمل وعمل وحلم ممتد اليوم .. قلب بين الطفولة والكهولة يترنم ! اليوم .. رحلة أعرف موعدها وأخشى فواتها . طَرق على الباب أيْقظَها من شُرودِها ، فَطَوَت سُؤالَها وأعادَتْه إلى ذلك الكم المتراكم من الأسئلة ... " سأحتاجك ثانية " همستْ لنفسِها ؛ ثم رَنَت نحو البابِ لتجيبَ الطَّارق - السلام عليكم - وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته - عدتِ مبكرة ! هل أنتِ بخير ؟ - نعم يا أخي أنا بخير الحمد لله ، فلا تقلق . - الحمد لله . يتقدّمُ بضعَ خطواتٍ فيلمحُ حلّة البيت الجديدة ، يسأل بدهشة : - ما الأمر ؟ - لا شيء ؛ لا شيء سِوَى رَجع صَدَى !