نحو مدخل أدبي للدفاع عن رسول الله ( صلي الله عليه وسلم )

بواسطة : خالد جوده أحمد

كان دافعي الأول لكتابة هذا المقال أداء حق الدفاع الأدبي عن رسولنا الحبيب محمد (
صلي الله عليه وسلم ) ، إذ يتمثل هذا الدفاع الواجب من أكثر من وجهه ، منها حلاوة
يستشعرها قارئ النصوص الشعرية ، والتي احتفت بسيد الخلق ( عليه الصلاة والسلام ) ،
خاصة لما تضمه من حب وعاطفة جياشة نحو صاحب الرسالة في صيغة فنية متنوعة ، ورؤى
فكرية متوهجة بالحب والمثال الكريم ، ولا شك أن ذلك يساهم في تنقية أنفسنا من سموم
علقت بها من تناول سيد المرسلين ( صلي الله عليه وسلم ) ذاك التناول الحاقد من وقت
لآخر ، هذا عن الجانب النفسي الخاص في التناول ، أما الجانب العام فيشهد دور الأدب
المنشود في الإشادة والدفاع عن سيد المرسلين ورسالته ، من طريق تذكير المسلمين
بضرورة التمسك بسنته وقيم الإسلام العظيم في ملمح هام : إذ ما تجرأ أعداء الرسول
عليه لولا ضعف اتباعه وتركهم ما خطه لهم من سبل العزة والارتقاء .
فقد كان للشعر دوره المشهود خلال عصور العروبة والإسلام المتعاقبة في الدفاع عن عقائد
وأخلاق الأمة ، ممثلة في الذود عن الرسول الكريم ( صلي الله عليه وسلم ) ومنهجه القويم
، حيث كانت قصائد الشعراء هي منبر الإعلام الأول والمؤثر في المجتمع حينها ، فالعرب
كانوا هم أهل الفصاحة واللغة وتذوق الشعر ، لذلك حرص الرسول الكريم ( عليه الصلاة
والسلام ) علي العناية بالشعر والشعراء والاستماع عليهم وتشجيع فنهم ، وتأكيد دورهم
لنصرة الإسلام والمسلمين ، لذلك نجد استماع الرسول الكريم ( عليه الصلاة والسلام )
للشعراء وتشجيعهم علي البناء الموضوعي والفني والقيمى في شواهد كثيرة من السيرة النبوية
، فموقف الإسلام من الشعر أنه يؤيد الصدق الموضوعي إضافة إلى الاعتبار الفني كما دلت
آية سورة الشعراء ، قال تعالي : ” والشعراء يتبعهم الغاوون ، ألم تر أنهم في كل واد
يهيمون ، وأنهم يقولون ما لا يفعلون ،إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله
كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا ، وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون ” ( 1 )
وبالنظر إلى رحلة قصائد ومطولات الشعر مع شخصية الحبيب المصطفي ( صلى الله عليه وسلم )
نجد أنها تمتد عبر أربعة عشر قرنا من الزمان ، ففي سيرة المصطفي ( صلي الله عليه وسلم )
وقف جماعة من شعراء الصحابة ( رضوان الله عليهم ) يذودون بشعرهم عن النبي الكريم
ورسالته ، وتشرح قصائدهم أحاسيسهم الجياشة ، وتقديرهم وعظيم حبهم له ، فأدوا بذلك
مهمتهم الجليلة ، ومنهم سيدنا كعب بن مالك ، الذي استمع إليه الرسول الكريم ( عليه
الصلاة والسلام ) وهو ينشد قصيدته اللامية الشهيرة ( بانت سعاد ) ، فألقي عليه بردته (
فسميت لذلك بالبردة ) دلالة علي الحماية والأمان والتأييد ، فنال الشعر عامة والشاعر
خاصة شرف الدهر وخلود الذكر ، فلم تحظى قصيدة من المديح النبوي بمثل ما حظيت به من
احتفاء المسلمين بها جمهورا وأدباء ونقادا علي مر الدهور ، بل على منوالها نسج مئات
الشعراء قصائدهم ، يقول في مطلعها بيته الغزلي الشهير والذي اشتهرت القصيدة به :
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم علي إثرها لم يفد مكبول
وعلي أثرها نسج الشعراء روائع المديح النبوي كبردة البوصيرى الشهيرة ، وبردة أمير
الشعراء أحمد شوقي وهمزيته والتي مطلعها الشهير يقول :
ولد الهدي فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسم وثناء
ولو تأملنا في كم ومعاني الشعر الذي تناول شخصية الرسول الكريم ( صلي الله عليه وسلم )
لوجدنا عددا هائلا من النصوص يصعب حصرها بدقة سواء كانت قصائد قصيرة أو مطولات شعرية أو
قصائد غنائية أو قصة شعرية أو قصائد تعارض بردة ” بانت سعاد ” مثل ” نظام البردة “،
” نهج البردة ” .... إلي آخره .
وقد اشتملت تلك الطائفة الهائلة من القصائد هذا الإحتفاء الواجب بشخصية الرسول ( صلي
الله عليه وسلم ) وأخلاقه وجهاده وعطائه الموصول للقيم الإنسانية
ومبلغ العلم فيه انه بشر... وانه خير خلق الله كلهم
وأنه أقرب إنسان إلى الله تعالي ورسالته تدعو للحق والسلام والخير ، يقول الشيخ الصاوي
شعلان
الحق رسالته لشعوب الأوطان... والعدل هدايته لجميع الأزمان
دعوته قــــرآن عربي التنزيل... صمدي علوي قدسي التأويل
الله معلمه ومولاه جبريل
ويظل الرسول الكريم في قصائد الشعراء منارة الوصول ومحطة الأمان وشعلة الأمل كما قال
كعب بن زهير في بيته الإطار الشهير :
إن الرسول لنور يستضاء به ... وصارم من سيوف الله مسلول
وكانت أيضا تلك القصائد روضه غناء تنبئ عن العاطفة للرسول الكريم بشكل ليس له نظيرا في
سائر الآداب الأخرى :
بشراك يا دنيا فتيهي وافخري ... في مولد الهادي البشير المنذر
بشراك فالآمال مشرقة السنا ... والكون يزهو بالسراح الأنور
ويقول أحمد شوقي ( رحمه الله ) في بردته
سرت بشائر بالهادي ومولده... في الشرق والغرب مسرى النور في الظلم
وقد انتقل الأداء الشعري عن شخصية الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) والعاطفة نحوه بأطوار
مختلفة عبر عصور ممتدة لتشكل تيارات شعرية لها خصائصها المميزة ، فمن تيار المحافظين
والذي مثله شعراء الصحابة ، حيث يبرز دور الشعر كأداة إعلامية في المقام الأول لخدمة
الدعوة الإسلامية ، ثم التيار الصوفي ، والذي نجد به جملة من المدائح الرائعة ومنها
بردة البوصيرى ، والمرحلة الأخيرة من تلك الرحلة في العصر الحديث تمتد لتشمل تيارا من
قصائد المديح النبوي في إطار اجتماعي وحضاري ، حيث أصبحت شخصية الرسول الكريم ( صلي
الله عليه وسلم ) تمثل الهوية الإسلامية في مواجهة التحدي الحضاري ، فكما يذكر د . حلمي
القاعود : ” تحولت شخصية النبي الهادي إلي ملجأ قيمي ونفسي ، ورمزا للتعبير عن قضايا
ذاتية وعامة ” ، ويذكر الأستاذ عادل البطريق : ” وفي العصر الحديث يتجه المديح النبوي
إلي الرصيد التاريخي لسيرة المصطفي ( عليه الصلاة والسلام ) وإلي التضرع والشكوى
واستحياء مواقف العزة والبطولة في تاريخ الإسلام .... فالمدائح النبوية في العصر الحديث
تعد دعوة لليقظة والصحوة الإيمانية التي تعيد للإسلام قوته وتبعث مجده من جديد ” ،
وبذلك مثلت تلك القصائد أهمية خاصة باعتبارها أداة للمقاومة وشعلة للأمل وسبيلا للنهوض
وإشارة إلي جوانب مضيئة من المثال الكريم كقدوة للمسلمين ممثلة في أخلاق وحياة الرسول (
عليه الصلاة والسلام ) كسبيل للنهضة الإسلامية ورقي شعوبنا العربية ” وقد تأكد في
مرحلتنا الحالية حق الأداء الأدبي في الذود عن الرسول ( عليه الصلاة والسلام ) ، خاصة
بعد جرأة الجاهلين عليه ، وتعمد الإساءة إليه ، بما يجب أن يتوافر عليه الشعراء خاصة
والأدباء عامة ، وفي ميمية أمير الشعراء أحمد شوقي :
يا جاهلين علي الهادي ودعوته... هل تجهلون مكان الصادق العلم ؟
وفى الختام نشير على أهمية الإشادة بتلك القصائد الرائعة ومطالعتها والبحث عنها والتنعم
بما تحمله من معاني راقية وأداء فكري وروحي مميز، خاصة وأنها تنتمي على عصور متباينة
ولكل منها ميزاته وخصائصه الشيقة ، حيث أن لكل شاعر تناول حياة وأخلاق ودعوة الرسول
الكريم ( عليه الصلاة والسلام ) أسلوبه وشخصيته البارزة في شعره والتي تعد بصمه خاصة به
، ويظل هكذا الشعراء ينهلون من هذا المورد الصافي الضياء لقصائدهم والمحبة لنبيهم .