الإسلام والغرب.. حوار وصدام

بواسطة : محمد مسعد ياقوت

يحفل التاريح البشري بالكثير من الشواهد الدالة علي أن الصراع أحد سمات الاتصال البشري كونه عاملا موثرا في تكوين الحضارات وانتقالها, فبقدر ما كانت الحروب سببا للدمار, فقد أدت إلي انتقال المعرفة وغيرها من مكونات الحضارة, في الوقت نفسه كان للعلاقات السليمة والحوار دور كبير في تحقيق التواصل الحضاري وبناء الثقافات.. وإن الشواهد كثيرة علي أن الجانب الأكبر من الإنجاز الحضاري لم يكن ليتم لولا الله ثم الحوار كمنهج حضاري للتفاهم والتعايش بين الحضارات مع مراعاة خصوصية كل حضارة واحترامها لمبادئ وقيم الحضارات الأخري.فالأصل في علاقات الشعوب والأمم هو التعارف والتحاور كما قال الخالق سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13] ..

ونستنتج من ذلك بطلان دعوي صامويل هانتنجتون -صاحب كتاب صدام الحضارات- إذ يري أن التفاعل بين الإسلام والغرب صدام حضارات وهذا الزعم عار من الصحة» إذ التفاعل بين الإسلام وأي حضارة أخري -لاسيما الغرب- قائم علي الأخوة الإنسانية والشراكة المعرفية والثقافية.لكن المتأمل لتاريخ العلاقات بين الحضارتين الإسلامية والغربية يكتشف أن الحضارتين عرفت فترات حوار وتفاعل, وفترات صدام وتطاحن.. والغزو الحديث للأمة الإسلامية جاء بالسيف والمحراث كما قال «المرشال بيج».. أو بعبارة أخري جاء بالمدافع والنهب الاقتصادي ثم تلاه غزو فكري ارتكز علي الثالوث المشهور: الاستعمار والتنصير والاستشراق» لأن غزو العقل يضمن له تأييد تبعيتنا له حتي بعد انتهاء الاحتلال العسكري.

والعرب في هذا العصر -مع الأسف الشديد- يتعاملون مع الغرب سواء في جانب الصراع أو في جانب الحوار من غير مرجعية إسلامية في الوقت الذي تُغزا أراضيهم في فلسطين والعراق باسم الرب يسوع وباسم التوراة والإنجيل.وهكذا نتخلي عن المرجعية الإسلامية في مشروعنا النهضوي في الحكم والإدارة والتشريع والعلاقات الخارجية.وهكذا ينطلق العرب بمبادرة حوار الحضارات علي غير أسس وعلي غير مرجعية, وكيف ينجح حوارهم هذا وقد انسلوا من هويتهم الأصلية ومرجعيتهم الأولي?!«لقد أعزنا الله بالإسلام.. فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله».

ولقد قالها كاتبنا الكبير فهمي هويدي -حفظه الله-: «إن مشروعنا الحضاري لا قيام له بغير الإسلام والعروبة».علي العموم في أي حال من الأحوال يتبقي أن يكون الحوار بين الحضارات -لاسيما الحوار بين الحضارات القوية والضعيفة وإن شئت فقل: الحوار بين المنتصر والمهزوم- ينبغي أن يحكم هذا الحوار شروط وضوابط تضمن حق الحفاظ علي المرجعيات الثقافية والعقدية لكل طرف.. ولا سبيل لتحقيق هذه الصيانة لكرامة الأمم إلا بريادة الإسلام» إذ بقيادته يتحقق العدل, ويظهر الحق ويسود الأمن الحضاري..

** المشرف العام على موقع نبي الرحمة .
yakut.blogspot.com