حرب الإعـلام الإسرائيلي

ثقافة عامة

يسعى الإعلام الإسرائيلي، منذ اغتصاب فلسطين العربية إلى توظيف كل وسائله المقروءة والمسموعة والمرئية، وتسخيرها لخدمة أهداف المشروع الصهيوني، بالتأكيد على أن فلسطين أرض يهودية محررة، وليست أرضًا فلسطينية محتلة، وأن إسرائيل الحالية هي تكرار لإسرائيل القديمة، وأن تاريخ فلسطين يبدأ بمملكة داود، في القرن العاشر قبل الميلاد، وينتهي بإسرائيل الجديدة التي تمثل بعثًا لإسرائيل القديمة، وإحياء لها.

وفي سياق هذه المزاعم الإسرائيلية الباطلة، والدعاوى الصهيونية الزائفة، يخاطب رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق “بيجين” الكنيست، أثناء زيارة الرئيس “السادات” لإسرائيل عام 1977م بقوله: “نحن لم نستول على أي أرض أجنبية، لقد عدنا إلى وطننا، إن العلاقة بين شعبنا وهذه الأرض هي علاقة أزلية، نشأت منذ فجر التاريخ، ولم تنفصم عراها في أي وقت من الأوقات، ففي هذه الأرض أقام أجدادنا حضارتنا، وعليها تنبأ أنبياؤنا، وعندما نزحنا منها تحت وطأة القوة المستخدمة ضدنا، وابتعدنا عن بلادنا، لم ننس هذه الأرض ولو ليوم واحد”.

وفي هذا الصدد يعلق الكاتب الفلسطيني “زكريا محمد” على المزاعم الإسرائيلية بقوله: “لقد وجد الفلسطيني نفسه إزاء هذه الدعاوى الزائفة فجأة من دون تاريخ، ومن دون ماضٍ، وصار مجرد ضيف على هذا التاريخ، وإذا كان تاريخ إسرائيل القديم يبدو كلحظة في التاريخ الفلسطيني الطويل، فقد جرى التركيز على هذه اللحظة من جانب جهاز الدعاية الإسرائيلية، باعتبارها جوهر هذا التاريخ، فكل ما قبلها باطل، فقد ابتلعت لحظة قيام إسرائيل في عام 1948م كل اللحظات السابقة التي يجسدها التاريخ الفلسطيني الضارب بجذوره في فلسطين منذ عهدها الأول.

وهكذا يركز الإعلام الصهيوني والإسرائيلي على إسكات التاريخ الفلسطيني، وقطع أية علاقة عربية وفلسطينية به، وفي هذا المقام يضيف “زكريا محمد” قوله: “وهذا ما أورث الفلسطينيين شعورًا بأن تاريخهم اغتصب، لقد تم اغتصاب الماضي أيضًا، لا الحاضر فقط، وفي ضوء ذلك التزييف الصهيوني للحقائق، وتشويه التاريخ، فإن الإعلام الإسرائيلي يتسم بسمتين:

الأولى: أنه دعاية منظمة ومخططة ذات أهداف استراتيجية واضحة، فهي تسبق الأحداث وتواكبها ولا تأتي في أعقابها، فينتقي هذا الإعلام لكل حدث ما يلائمه من الأساليب والمضامين، وما يتلاءم والجمهور الذي يخاطبه والمرحلة التاريخية التي يقع فيها.

والثانية: أنه دعاية تركز على تكرار مجموعة من القضايا والدعاوى الباطلة، التي يتم الإلحاح عليها لترسيخها في الأذهان، وتثبيتها في ذاكرة الإنسان، حتى تصبح وكأنها حقائق يجب التسليم بها، خاصة عندما تطرق مسامعه عبر المذياع، وتتجسد أمامه صورًا يراها على شاشة التليفاز ويقرؤها بعينيه مكتوبة في صحيفة أو مجلة، تلاحقه في البيت، وفي العمل، وتلح عليه حتى عندما يذهب لسريره لينام.

ومن هنا لا يجد المرء مفرًا أمام هذا الحصار الإعلامي إلا الانصياع، والاستسلام إزاء الإلحاح المستمر والمتكرر لهذه الدعاية الصهيونية، أو على الأقل التأثر بهذه المغالطات، وهو تأثير سرعان ما يتحول إلى قبول بها، ثم اعتناقها، والتشيع لها، والاستعداد للدفاع عنها. فهذه هي نقطة القوة الأساسية في الدعاية الإسرائيلية من تكرارها لمصطلحات وعبارات زائفة ومقولات باطلة، وإلحاحها، وملاحقتها للرأي العام لترسيخها في عقله ووجدانه.

ومن هنا يسعى الإعلام الإسرائيلي إلى تسريب العديد من هذه المصطلحات في دعايته ضد العرب والمسلمين، فنجده يروج لفكرة “الأصولية الإسلامية” لإيهام العالم أن التطرف هو أصل الإسلام، وجوهر تعاليمه. ومن الملاحظ أن الإعلام الغربي والأمريكي على وجه الخصوص وقع أسيرًا لهذه الفكرة حتى ضاعت المسافة بين الأصول الإسلامية التي تؤكد على أنه: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)[البقرة:256]، (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)[الكافرون:6]، (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)[الكهف:29]. وبين حركات التطرف السياسي التي تلغي الآخر، وتستبيح دمه، وتسيء إلى هذه الأصول الإسلامية التي تحدد بدقة قواعد سلوك الاختلاف مع الآخر.

والهدف من ترديد الدعاية الصهيونية لهذا المصطلح واضح، وهو تشويه صورة الإسلام وتجريده من سماحته وتكريمه للإنسان، بغض النظر عن إيمانه أو كفره، وفي هذا ا لسياق يردد الإعلام الصهيوني والإسرائيلي مصطلح “الإرهاب الإسلامي” الذي تراه إسرائيل أنه يقوم على أساسين:

الأول: مبدأ الجهاد الإسلامي، باعتباره “إرهابًا” فهو يربط جوهر الإسلام بالتطرف وهي مغالطة تسيء إليه، إذ إن الجهاد للدفاع عن النفس وليس للعدوان على الآخرين.

والثاني: ركن الزكاة باعتباره تمويلاً للإرهاب الإسلامي وهي مغالطة حيث إن الزكاة لها مصارف ثمانية، ليس من بينها تمويل الإرهاب أو العنف أو الاعتداء على حقوق الغير، وقد صاحب مصطلح “الإرهاب الإسلامي” مصطلحات أخرى جديدة، زخر بها قاموس الإعلام الصهيوني تجعل من “العمليات الاستشهادية” في الأرض المحتلة “عمليات انتحارية”، ومن عمليات “المقاومة الفلسطينية” للمحتل الإسرائيلي “إرهابًا”. أما ما تقوم به إسرائيل من قتل واغتيال وتدمير للمنازل واعتقال لرجال المقاومة، وحصار للمدن والقرى؛ فهو دفاع عن النفس!

كما دأبت الآلة الإعلامية الإسرائيلية على تصوير إسرائيل وأمريكا كشركاء في الاستهداف بالإرهاب من جهة، وشركاء في محاربة الإرهاب من جهة أخرى.

والجدير بالذكر في هذا الصدد أن الدعاية الإسرائيلية تركز على استخدام مصطلح “الصراع العربي الإسرائيلي” بدلاً من مصطلح “القضية الفلسطينية” لإيهام العالم أن ثمة طرفين متصارعين هما “العرب والإسرائيليون”، لكل منهما حق في فلسطين، وأن صراعهما يدور حول هذا الحق، بينما تجد مصطلح “القضية الفلسطينية” يشير بوضوح إلى أن ثمة قضية واحدة لصاحب حق واحد، وهو الشعب الفلسطيني، ويضع إسرائيل في موضع من لا يملك حقًّا في الأساس إذ إن القضية برمتها هي قضية شعب اغتصب وطنه، وشرد من أرضه، وانتهكت حقوقه، واستبيحت مقدساته.

أما مصطلح “الصراع العربي الإسرائيلي” والذي يلح الإعلام الإسرائيلي على ترديده فإنه يعتبر الصراع بين الطرفين يدور في المقام الأول حول تسوية الحدود، وليس حق الوجود، واللافت للنظر أن إسرائيل من خلال إعلامها تصر على استخدام مصطلحات “أرض إسرائيل” بدلاً من اسم “فلسطين” لتوحي للعالم أن فلسطين ليست أرضًا فلسطينية، بل هي أرض إسرائيلية، وأنها ملك لليهود، وليس للفلسطينيين حق فيها.

كما تردد أبواق الدعاية في إسرائيل مصطلح “يهوذا والسامرة” بديلاً عن استخدام مصطلح “الضفة الغربية” للإيحاء أنه كان يوجد مملكتان في الضفة الغربية بعد وفاة سليمان – عليه السلام – إحداهما في جنوب الضفة وهي مملكة يهوذا، والأخرى في شمالها وهي مملكة إسرائيل، متناسية أن هاتين المملكتين لم تدوما إلا ثمانين عامًا، وهي في عمر الأمم تبدو قصيرة؛ فقد ظل العرب المسلمون في الأندلس حوالي ثمانمائة عام ومع ذلك لم يطالبوا بأي حق تاريخي فيها، وفوق ذلك كانت كل مملكة من الصغر بحيث وصفها بعض المؤرخين بأنها مملكة مدينة.

ومن ناحية أخرى يستخدم الإعلام الصهيوني، منذ أواخر القرن التاسع عشر، مصطلح “الشرق الأوسط” بدلاً من عبارة “الوطن العربي” الذي يؤكد عروبة هذا الوطن من المحيط إلى الخليج، وما إسرائيل إلا جسم غريب عن الوطن العربي، ولقد بزغ في الأوساط الإعلامية الصهيونية والغربية والأمريكية على وجه الخصوص مصطلح “الشرق الأوسط الكبير” الذي يضم إسرائيل وتركيا وأفغانستان وباكستان وإيران، إلى جانب الدول العربية، حيث تلعب فيه إسرائيل دور الهيمنة وحراسة المصالح الأمريكية، وقيادة هذه المنطقة، كما يقوم هذا المصطلح على فكرة أن إسرائيل جزء لا يتجزأ من جغرافيته، وأن وجودها هو وجود طبيعي يتوجب على العرب القبول به وتحرص وسائل الإعلام الإسرائيلي على ترديد عبارة “جيش الدفاع الإسرائيلي” بديلاً عن عبارة “الجيش الإسرائيلي” لتوهم العالم أن إسرائيل - دائمًا – في حالة دفاع عن النفس ضد محيط عربي معادٍ، يسعى إلى القضاء عليها.

كما لم ينس العالم ما روجته الدعاية الصهيونية لمصطلح “أن العرب يريدون إلقاء اليهود في البحر” وكان ذلك للتمهيد لعدوان الخامس من يونيو 1967م، وهو مصطلح اخترعه الصهاينة لتبرير هذا العدوان الإسرائيلي على أراضي ثلاث دول، ولإظهار إسرائيل بموقف الحَمل الوديع الذي يريد العرب التهامه، ولكسب عطف الرأي العام وتأييده.

والحقيقة التي لا يمكن إنكارها تاريخيًا، أن العرب كانوا ولا يزالون يصفون اليهود من أبناء فلسطين بأنهم “إخواننا” لهم ما لنا وعليهم ما علينا، لقد فرق العرب بين اليهود كأصحاب دين، وبين الصهاينة كدعاة لإقامة دولة يهودية في فلسطين، تنتزع شعبًا من وطنه وأرضه، وتشرده في صورة لم ير التاريخ لها مثيلاً، واللافت للانتباه أن إسرائيل شنت “حربًا إليكترونية” مستمرة عقب انتفاضة الأقصى على مواقع فلسطينية في شبكة الإنترنت، بإرسال “فايروس” يقوم بمسح صور الشهداء الفلسطينيين التي تدين أعمال إسرائيل العدوانية، كما قامت بعض شبكات التليفزيون الكندية التي يهيمن عليها الإعلام الصهيوني بعرض صورة الشهيد “محمد الدرة” مع إلباسه طاقية المتدينين اليهود وصوروه كيهودي، يحتمي بجسد أبيه، بينما يغتاله الفلسطينيون عمدًا.

وهكذا يقوم الإعلام الإسرائيلي بتلبيس الحق بالباطل، وتصوير الضحية جلادًا، والقتيل قاتلاً لتضليل الرأي العام، وقلب الحقائق وطمسها، وفي هذا الإطار يصور الإعلام الإسرائيلي “إسرائيل” بأنها “ضحية للعنف الفلسطيني”. فيقول الدكتور “إدوارد سعيد” – رحمه الله – عقب انتفاضة الأقصى: “إن الصورة العامة للإعلام الإسرائيلي والغربي والأمريكي تسلط الضوء على أن إسرائيل محاطة بأشخاص عنيفين يهاجمونها بالحجارة، وأن الصواريخ والدبابات الإسرائيلية تستخدم لحماية المواطنين الإسرائيليين من العنف الفلسطيني”.

لقد أحرز الإعلام الإسرائيلي نجاحًا كبيرًا في تصوير “النضال الفلسطيني” لدى الرأي العام الأمريكي، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م بأنه “أعمال عنف” لا تختلف عن الإرهاب الذي تحاربه الإدارة الأمريكية لتأمين المواطن الأمريكي، محاولاً وصف الفلسطينيين الشبان، حاملي البنادق، والأطفال الملفوفين بالأحزمة الناسفة بالعنف والإرهاب.

وفي تصعيد للحرب الإعلامية والصهيونية ضد كل ما هو عربي وفلسطيني أصدرت إسرائيل “شريطًا” يبين كيفية قيام الفلسطينيين بتدريب أبنائهم على ممارسة العنف، فالشريط في بعض مقاطعه يجسد صورة الأطفال الفلسطينيين وهم يقاتلون بالحجر والمقلاع، بينما يركز في مقاطع أخرى منه على عرض صورة الأطفال الإسرائيليين المسالمين وهم يلعبون في براءة، ويصاحب هذا المشهد البرىء انسياب موسيقى حزينة لإيهام العالم أن هؤلاء الأطفال الإسرائيليين الأبرياء لا يعيشون بسلام بسبب “العنف الفلسطيني” المتمثل في الحجر والمقلاع، والعمليات الاستشهادية التي يسميها هذا الإعلام المضلل “العمليات الإرهابية أو الانتحارية”.

وما يجب لفت الأنظار إليه أن الحملة الدعائية الشرسة التي يشنها هذا الإعلام لم ينج منها الرئيس الفلسطيني عرفات، فقد واصلت هذه الأبواق الصهيونية ترديد مقولة: إن “عرفات لم يخلع زيه العسكري” للإيحاء بأن الرئيس الفلسطيني لا يزال القائد الثوري، الذي يستنفر شعبه للاعتداء على الشعب اليهودي المسالم. والهدف من وراء هذه الحملة الدعائية واضح، وهو تشويه صورة القيادة السياسية الفلسطينية، والتشكيك في صلاحية الرئيس عرفات كشريك في علمية صنع السلام، وقد نجح هذا الإعلام إلى حد كبير في تكرار مقولة: “إن عرفات شريك غير صالح” من خلال وسائله المتعددة حتى بات العالم يصدق هذه المقولة.

وامتدادًا للحرب الإعلامية الصهيونية فإن إسرائيل استغلت قانون “جيسو” الفرنسي الصادر عام 1990م والذي يسمح بمقاضاة المتهمين “بمعاداة اليهود” أو ما يعرف باسم “معاداة السامية” في كبت حرية التعبير، وخنق حرية الرأي لكل من يتجرأ على انتقاد السلوك الإسرائيلي، فقد مثل أمام القضاء الفرنسي عدد من المفكرين والكتاب والأدباء العرب والغربيين بتهمة التحريض على “معاداة اليهود”. نذكر منهم نقيب الصحفيين الأسبق “إبراهيم نافع” والمفكر الفرنسي “روجيه جارودي”. كما لم تسلم “هيلاري كلينتون” قرينة الرئيس الأمريكي السابق من هذه التهمة، حينما صرحت في إحدى المناسبات بأن الفلسطينيين يستحقون دولة لهم بجوار إسرائيل. وطالت هذه التهمة أيضًا الفنان “محمد صبحي” على مسلسله “فارس بلا جواد” لحديثه في المسلسل عن “بروتوكولات حكماء صهيون”. وكذلك الفنان “أحمد السقا” عن فيلمه “مافيا” الذي تدور أحداثه حول إحباط محاولة إرهابية صهيونية لاغتيال بابا الفاتيكان خلال زيارته لمصر.

وفي الختام يمكن القول: إن الحرب الإعلامية الإسرائيلية - ضد كل ما هو عربي بصفة عامة، وفلسطيني بصفة خاصة، من خلال العديد من المصطلحات والمقولات الزائفة التي سعى هذا الإعلام إلى ترسيخها في وجدان العالم، ودسها في لغتنا العربية ليعتاد الكتاب والسياسيون على استخدامها لخدمة المشروع الصهيوني في فلسطين - تستهدف بصفة خاصة تشويه الصورة القومية العربية، ومحو الهوية الفلسطينية، وتكريس الاحتلال الإسرائيلي بتصفية القضية الفلسطينية، وتهويد التاريخ والأرض، واغتيال الحاضر الفلسطيني المناضل. لذلك فإنه من الضروري وضع استراتيجية عربية للإعلام قابلة للتطبيق، تملك القدرة على مخاطبة الآخر، بلغته التي يفهمها، حتى يمكن مواجهة الدعاوى الصهيونية الكاذبة التي برع الإعلام الإسرائيلي في ترويجها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* مجلة الأزهر: رجب 1425هـ.