دور الإعلام في النصر والهزيمة

ثقافة عامة

سلاحان ماضيان يستعملهما العالم القوي ضد العالم الضعيف: سلاح النار وسلاح الإعلام. الكمية الضخمة من الأسلحة بأنواعها التي تصنعها مختبرات العالم المهيمن، والتي تصدر عنوة للعالم المهيمن عليه تحت أعذار ومبررات واهمة، وتحت الشعور بالخوف من قضايا غامضة قادمة.. أنظمة .. فكر.. حدود .. أعراف.. انقلابات.. إلخ.. والكمية الضخمة من المعلومات الموجهة التي تخترق عقول الناس وتشعرهم إثرها بالضآلة والانهزام إضافة إلى الخوف وعدم الجدوى كأفراد وكأمة وكأنظمة وكحضارة.

الإفريقي في هذا الإعلام: متوحش يعيش على أدمغة الناس.. العربي في هذا الإعلام: جنسي أكول نؤوم دموي. الغربي في هذا الإعلام: بطل بكل معنى الكلمة.. اليهودي في هذا الإعلام: ذكي وعبقري ومضطهد ولابد من مؤازرته.

لتحقيق هذه الأغراض وما شابهها تقوم في العالم القوي شبكة متكاملة من وسائل الإعلام تصل إلى حد الأسطورة:

أولاً: أكثر من مائة معهد معلوماتي مخابراتي صهيوني/ أمريكي، تقوم برصد كل ظواهر وبواطن النفسية العربية والبلاد العربية والحضارة العربية:

- معهد “أونيل دانجمان” التابع للمخابرات الإسرائيلية والذي انضمت إليه مؤخرًا مصر بعد كامب ديفيد.

- معهد المركز الأكاديمي الإسرائيلي، وتشرف عليه السفارة الإسرائيلية في القاهرة.

- مؤسسة “روكفلر” للدراسات الاستراتيجية.

- مؤسسة “فورد فونديشن” للمعلومات.

- مؤسسة راند للدراسات العربية والإسلامية.

- مجلس أبحاث العلوم الاجتماعية لدراسات الشرق الأدنى والأوسط.

- جماعة أبحاث الشرق الأوسط.

- مؤسسة “فرديش أيبرت” الألمانية.

- معهد “بيركلي” للدراسات الدولية.

- مركز شيكاغو للدراسات الخارجية والعسكرية.

- مركز “برنستون” للدراسات الدولية.

- مركز “هارفارد” للشؤون الدولية.

- وكالة التنمية الأمريكية.

وعشرات، بل ومئات المراكز الأخرى الجاسوسية والبحثية والاستراتيجية الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والدينية.. إلخ. وكلها تبحث بأسرار وتوجهات وإمكانيات وثروات ونقاط ضعف ونقاط قوة الإنسان العربي أولاً ثم الإنسان الجنوبي (المعتر).

هذه المراكز هي التي توجه الأحداث القادمة وهي التي توجه السياسات العالمية باتجاه العالم الثالث، وهي التي تدعم الصهيونية بكل وسيلة، وهي التي تكيد للوطن العربي وللعالم الإسلامي وللعالم الثالث بكل وسيلة أيضًا.

هذه المراكز تبحث في دقائقنا، في نفسياتنا، في شهواتنا، في تفكيرنا، في أحلامنا، في أطفالنا ونسائنا.. ولذلك كله؛ ولأن الفكر ابن المعلومة، فإن المعلوماتية الغربية/ الصهيونية هي صاحبة الكلمة في مستقبلنا.

ثانيًا: الإعلام الطاغي المعادي يدخل بيوتنا وقلوبنا، ويدخل مكاتب أصحاب القرار في بلادنا، ويغسل أدمغة المواطنين والحكام والصغار والكبار، حتى أنه هو الذي يقرر متى تشتري نساؤنا مكانس الكهرباء ، ومن أي شركة، ومتى يصبح الجيش العراقي خطرًا عالميًا، وإلى أي مدى يجب تدمير لبنان وحرق بناه التحتية.. هل يتصور أحدنا أن السينما الأمريكية عرضت فيلمًا عن احتلال العراق للكويت وعن الحرب العالمية ضد العراق قبل الحرب ذاتها بأكثر من عشر سنوات؟!

نعم لنا أن نتصور ذلك؛ لأن الولايات المتحدة الأمريكية تملك 50% من كل صحف العالم اليومية، و45% من كل محطات الإذاعة العالمية، و26% من كل المحطات التلفزيونية العالمية، أما شبكات الإنترنت فهي أمريكية أصلاً، وهي التي تنشر فكر العولمة الأمريكية إلى العالم دون منازع.

الدول المهيمنة على العالم تملك أكثر من 90% من كل وسائل الإعلام العالمية، وهي رقميًا تملك حوالي سبعين ألف محطة إذاعية مقابل ما لا يزيد عن سبعة آلاف محطة إذاعية في كل العالم الثالث (ونحن منه)، كما أنها تملك – أي الدول المهيمنة على العالم – حوالي خمسين ألف محطة بث تلفزيوني مقابل ما لا يزيد على ثلاثة آلاف محطة تلفزيونية في كل العالم الثالث (ونحن منه)، ناهيك عن الأقمار الصناعية التي تجوب سماءنا وسماء العالم الثالث، وتحصي علينا أنفاسنا العلوية وأنفاسنا السفلية كذلك!!

ولا يخفى على أحد الآن أن هذه الأقمار الصناعية هي التي وجهت الطائرات الإسرائيلية في الحروب العربية الإسرائيلية، وهي التي وجهت الطائرات العالمية في تدمير العراق.

أما فيما يتعلق بالصحافة ووكالات الأنباء، فأكثر من 90% من كل المعلومات والأخبار العالمية تصدر عن خمس وكالات هي:

1- “الاسوشييتد برس”. أمريكية.

2- “اليونايتد برس” أمريكية.

3- “رويتر” بريطانية.

4- وكالة الصحافة الفرنسية.

5- وكالة الأنباء الألمانية.

ورحم الله أيام “نوفوستي” و”تاس” السوفياتيتين.

هذه الوكالات توزع يوميًا أكثر من أربعين مليون كلمة على صحف العالم، تحتل أمريكا منها أكثر من النصف، أما في كل دول العالم الثالث (ونحن منه)، فالوكالات لا توزع أكثر من 300 ألف كلمة، أي أن العالم الثالث كله لا يبث أكثر من 1% من مجمل ما تبثه وكالات الأنباء التابعة للمهيمنين على العالم، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية.

أما ما يتعلق بالصحف اليومية، وهي تمثل الصحافة الفاعلة، فإحصائيات الثمانينيات ـ وهي تعتبر قديمة جدًا ـ تُشير إلى صدور 76808 صحيفة يومية في العالم. نصيب الولايات المتحدة فيها 1772 صحيفة يومية، توزع حوالي 62 مليون نسخة صباح كل يوم، أما في مصر وهي أكبر الدول العربية، فيصدر فيها 15 جريدة يومية، وتوزع حوالي 775 ألف نسخة يوميًا.

فيما يتعلق بالكتب، فقد أظهرت إحصائيات التسعينيات أن دول العالم المهيمن (شمال العالم) يُصدر 81.3% من كل إنتاج العالم من الكتب، بينما يتقاسم أكثر من ثلاثة أرباع العالم (المعتر) ونحن منه، ما نسبته 16.1% فقط.

وعندما نتحدث عن الكومبيوتر والأقراص المدمجة، فإن العالم الثالث يراقب هذه الأجهزة ويحلم بها، وهي غالبًا – إن وجدت – فللألعاب وللمعلومات الساقطة، أما الشركات الأمريكية والكندية فتحتكر 62% من هذه الأقراص، وتحتكر أوروبا الغربية 30% منها، ويظل 8% لاستراليا واليابان.

وحتى لا يُصاب القارئ بالخيبة أكثر فأكثر، فلن نُكمل الأرقام عن بقية وسائل الإعلام، وعن ساعات البث التلفزيوني الأمريكي والأوروبي لبلادنا، وعن نوعيتها، وعن أثرها فينا.

المعلومات والإعلام مهيمنان على العالم بكل معنى الكلمة، ويكفي أن نراقب برامج - الفضائيات اللبنانية على سبيل المثال – لتستنتج الفرق بين اهتمامات الإعلام الغربي مقابل اهتماماتنا. (ولا عزاء لأهل الجد وأصحاب الطموح).

وللعلم فقط نقول بأن المعلومات ممنوعة في بلادنا، والإعلام موجه في بلادنا، ولذلك كله يظل الوطن العربي بعيدًا عن الشر ويعزف له، مصداقًا للمثل القائل: بعد عن الشر وغنيلو!!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ