الإعلام حين يذبح اللغة

ثقافة عامة

طبعاً ليس مطلوباً من مراسلي التلفزة، ولا حتى من مذيعي برامجها داخل الاستوديوات، أن يكونوا أحفاداً لسيبويه أو للخليل بن أحمد. وليس مطلوباً، حتى من مقدمي برامج الألعاب والمسابقات أن يكونوا موسوعات متنقلة، جاهزة في كل لحظة للجواب الصحيح.

غير أن هذا لا يعني أن في إمكان محبي اللغة العربية، وهم كثر كما نعتقد في طول العالم العربي وعرضه، السكوت دائماً عن تلك المجزرة اليومية التي تنحر اللغة العربية في كل ساعة ودقيقة على الشاشات الصغيرة، في معظمها، إن لم يكن في مجملها، أو عن تلك المجزرة الأخرى التي تطاول أبسط المعلومات وبعض البديهي منها، في برامج عدة.

ويقيناً أن هذه العجالة لا يمكنها أن تحصي أخطاء تعد بالمئات في كل يوم، من نصب الفاعل، إلى جر المفعول به، إلى اعتبار كل كلمة حالاً وتمييزاً، إلى رفع المضاف والمضاف إليه. ناهيك بالكوارث التي تحل بالمبتدأ والخبر وما إلى ذلك.

والمرء قد يمكنه أن يغض الطرف عن مثل هذه الإساءة – غير المتعمدة – للغة، وسط معمعة تغطية لحملة انتخابية يطلب فيها من المراسلين أن يرتجلوا فيرتجلون على قدر استطاعتهم – وهي غالباً ما تبدو متميزة مهنياً»، «مقصوفة الرقبة» لغوياً -. ولكن أن يأتي برنامج ألعاب ليقول لنا إن نواكشوط هي عاصمة جيبوتي، على سبيل المثال، ثم أن يأتي مقدمو أخبار وبرامج سياسية ليرتكبوا هفوات – تصل حد الإجرام – في حق اللغة، فأمران غير مفهومين. إذ، هنا ليس للارتجال مكان، بخاصة أن ثمة لدى كل محطة، من المحطات الرئيسة وظيفة «مدقق لغوي» يشار إلى وجودها في «الجنريك»، خصوصاً أيضاً أن المحطات تزعم أن ثمة لجاناً ومستشارين واعين يكتبون أسئلة الألعاب وأجوبتها.

فإذا أضفنا إلى هذا كله، الجرائم اللغوية والمعلوماتية، التي تطالع من يحاول أن يتابع تلك الشرائط العرضية الرفيعة التي تحمل تتابعاً للأخبار والمستجدات (من دون أن تتوقف طويلاً عند مستويات التفاهة التي تطبع، لدى محطات أخرى الشرائط حاملة رسائل من متفرجين إلى بعضهم بعضاً)، إذا حسبنا هذا كله وأضفناه إلى استشراء موضة استخدام الإنكليزية – من دون أي مبرر – في أسماء البرامج المنوعة، وفي الأدبيات العامة للمذيعين والمقدمين وضيوفهم، يصبح من حقنا أن نـطالب بمعـالجة عـامـة لـ «كارثة» ذات حجم واسع، باتـت مربكة ومحزنة ومدمرة للغة نزعم كلنا أننا نحبها ونعمل من أجل رفعتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ