مشاريع إعلامية محكوم عليها بالفشل

ثقافة عامة

لاشك أن الإعلام يستطيع أن يلعب دوراً مؤثراً وفاعلاً في صناعة قناعات الشعوب وتحديد اتجاهات أولوياتها وغرس بذور الحب والكراهية وتنميتها تجاه قضايا وأشخاص. لكن الإعلام ليس سوى عامل مساعد ومضخم ومغذٍّ للحقائق. ومتى ما تضاربت الحقائق مع سياق الخطاب الإعلامي يتحول الإعلام إلى أضحوكة ومادة للتندر والسخرية.

والشعوب العربية من أغنى شعوب العالم تجربة في كوارث الشحن الإعلامي بجرعات مؤذية ومضرة بالأمن القومي العربي وكارثية فيما يتعلق بثقة الشعوب بأقوال الحكام. فتجربة صوت العرب وما بنته من آمال على زعامة عبدالناصر وجبروت جيشه وما أعقب ذلك من هزيمة مذلة مدمرة كانت أول مسمار يدق في نعش المصداقية الإعلامية العربية. وتلا ذلك تجربة الرئيس المهيب القائد الملهم صدام حسين وأم المعارك وقادسيته وما جلبته للعراق بل للأمة بأسرها من حسرة وندم وما جرت العراق إليه من ويلات مازال يقاسي ذيولها.

الأمريكيون يبدو أنهم أساؤوا تقدير الحس الإعلامي العربي وتشكك العرب فيما يسمعون ويشاهدون من أخبار (وخصوصاً إذا ما كانت أمريكية المصدر), فاعتقدوا واهمين قبل غزو العراق أن سبب مشاكلهم مع الشعوب العربية هو الإعلام الوطني العربي المحرض على كراهية الغرب وخصوصاً أمريكا, وحدد الأمريكيون محطات بعينها على أنها مصدر البلاء وحجر العثرة الأكبر الذي يحول دون سير مخططاتهم بسلاسة في المنطقة, خاصة وأنها تقدم تحت شعارات جذابة مثل الديمقراطية, وإحلال السلام, وتمكين الإنسان من نيل حقوقه التي افترستها الأنظمة الشمولية القمعية, وكانت “الجزيرة” على رأس القائمة وتعرضت مكاتبها للقصف خلال حرب “أفغانستان” وخلال اقتحام بغداد. ووضع مراسلوها تحت الرقابة الصارمة والتحريض حتى إن “إسبانيا” اعتقلت مدير مكتبها هناك وألقت به في السجن دون تقديم مبررات مقنعة.

وانطلاقاً من تلك القناعة اعتقد مخططو السياسة الأمريكية أنهم وبحكم كونهم أساتذة الإعلام المعاصر بكل فنونه فإنهم قادرون على التصدي لهذا الإعلام العربي المبني على الكراهية والتحريض, فأسسوا محطة إذاعية لم تقم لها قائمة منذ انطلاقها ولا أحد يعرف بوجودها في العالم العربي سوى العاملين فيها, أما القناة الفضائية التي أنفقت عليها أمريكا بسخاء وحشدت لإنجاحها أفضل خبرات “صوت أمريكا” إضافة إلى تطعيمها بعدد من الوجوه المليحة والأبواق الفصيحة ومنحها حرية المناورة والحركة. فإنها تلاقي نجاحاً ومتابعة فقط عندما تنتقد السياسات الأمريكية. أما إذا طرقت موضوعاً غير ذلك فإن أحداً لا يلتفت إلى ما تقول ويعود إلى تلك المحطات المدونة على القائمة الأمريكية السوداء.

وأخيراً وبعد عام ونصف اقتنع البنتاجون الذي يعشش في أوكاره “عتاة المحافظين الجدد” من صانعي السياسات الدفاعية والاستراتيجية أن قناتهم فشلت في تحقيق الأهداف التي أسست من أجلها وخاصة هدف تحويل المشاعر العربية العدائية ضد الولايات المتحدة إلى مشاعر متفهمة لما يجري أو مؤيدة لأهداف السياسات الأمريكية أو حتى متقبلة لفكرة إعطاء المشروع الأمريكي فرصة التجربة وانتظار ما سيتمخض عنه. وما يزال 90% من مواطني الشرق الأوسط الكبير وليس العربي فقط, يعارضون السياسات الأمريكية تجاه منطقتهم. وحدد الأمريكيون الفشل الأكبر لآلتهم الإعلامية التلفزيونية والإذاعية بأنه الإخفاق في الحد من كراهية العراقيين للولايات المتحدة وجنودها وإقناع الشعب العراقي بالتعامل بإخلاص مع الحكومة العراقية أو حتى على الأقل رفض المقاومة والتعاون مع الحكومة المؤقتة في عمليات التصدي لها ومحاصرتها, وعزا تقرير “البنتاجون” أسباب الفشل إلى الصور الدموية التي تبثها التلفزيونات العربية والأوروبية وتنشرها الصحف.

لكن الأمر الشديد الغرابة هو أن التوصيات التي وردت في التقرير تؤكد على فشل المشروع الإعلامي الحالي لكنها تدعو إلى زيادة الاعتمادات المالية لتطويره وتكثيفه, بل إلى إنشاء مركز للمعلومات يتولى جمع الأخبار وتوزيعها على وسائل الإعلام العربية دون حاجة من تلك الوسائل إلى إرسال مراسلين إلى مواقع الأحداث حتى تنفرد أمريكا بتأليف الأخبار وتزوير الحقائق وتضليل الشعوب.

في اعتقادي أن على الولايات المتحدة أن تدرك أن شعوب هذه المنطقة التي عاشت أكثر من 57 عاماً من الصراع السياسي الذي تخللته سبع حروب كبرى (بمعدل حرب كبرى كل عشر سنوات تقريباً) أصبحت شديدة الذكاء في التعامل مع معطيات الإعلام ووسائله, وأصبح لديها حصانات تمنعها من الانسياق الساذج إلى تصديق حملات التجميل والتهدئة الإعلامية. وأن جوهر الكراهية العربية والإسلامية للسياسات الأمريكية هو موقف الولايات المتحدة من الصراع العربي الإسرائيلي وإصرارها الدائم على تأييد الصلف والعنجهية الإسرائيلية, وفرض إرادة إسرائيل على العرب بقوة المال والسلاح والدعم السياسي الأمريكي. وما لم تدرك أمريكا ذلك فإنها تنفق أموال دافعي الضرائب على مشاريع إعلامية محكوم عليها بالفشل مسبقاً ولا طائل من وراء الاستمرار فيها. ذلك أن شعوب المنطقة أصبحت بالغة الحساسية وسوء الظن بكل ما يصدر من أمريكا تجاه هذه المنطقة ولا ترى فيه إلا مزيداً من ترسيخ النفوذ الصهيوني والهيمنة الإسرائيلية.. والأمريكية أيضا.