الإعلام كمصدر للتأريخ..

ثقافة عامة

محور العلاقة بين الإعلام والتاريخ، يتميز بعلاقة اندماجية لا يمكن فسخها وتجاهلها، خاصة في عصر الثورة الإعلامية التي نعيشها، وتحول الإعلام إلى أداة نقل مباشر للحدث، بالصوت والصورة وبالزمان والمكان الذي تجري فيهما الأحداث، بما فيها أشد الحروب أو الكوارث هولا أو القضايا التي تشغل المجتمعات البشرية، بمختلف تنوعاتها، من الاقتصاد والسياسة والعلوم والثقافة والاكتشافات، الأمر الذي أعطى للإعلام قوة حضور، وقدرة على تشكيل الرأي العام، والتأثير على أرشفة الحدث تاريخيا، ومهما تنوعت الأسئلة حول الإعلام والتاريخ، يبقى يجمعهما رابط أساسي مشترك، يمكن تلخيصه بأن الإعلام المعاصر بات مرجعا توثيقيا لا يمكن تجاهله عند كتابة التاريخ.

السؤال الذي يتبادر إلى ذهني من هذا الطرح الهام هو: هل يمكن أن نرى في المستقبل نهاية لدور المؤرخين إذا اعتبرنا الإعلام تغطية للأحداث التاريخية؟

وهنا بودي التنبيه إلى بعض المسائل الهامة: هل وظيفة المؤرخين هي كتابة الأحداث، بنفس أسلوب الإعلام؟

وهل يمكن أن يكون الإعلام متجردا من الرؤية الذاتية للإعلاميين، أو لسياسة الوسيلة الإعلامية، أو لسياسة الدولة في حال كان الإعلام مملوكا لدولة أو يخضع لمراقبتها ولنهجها، مما يؤثر على أسلوب وصيغة نقل الحدث، ونقله بما يتلاءم مع العوامل المؤثرة والضاغطة؟

إذن ما هو دور المؤرخين في عصر الإعلام الذي لم يبق حدثا يمر بدون تغطية وافية؟

ما هو دور الإعلام في التأريخ، وهل يمكن اعتبار دوره، تأريخيا في مضمونه المركزي؟

نلاحظ في دراسات المؤرخين الاعتماد على الكثير من الروايات الإعلامية، بل، والاعتماد على نصوص إبداعية، روائية أو مسرحية أو شعرية، لفهم الواقع الاجتماعي، وسبر أغوار الحياة الاجتماعية وواقع الحضارات في المجتمعات القديمة السابقة لعصر الإعلام، رغم أن الإعلام نشأ ـ حسب تصوري ـ مع نشوء المجتمعات البشرية الأولى، ويمكن رؤية الرسومات التي تركها الإنسان القديم في أماكن سكناه، قبل عصر الكتابة، كإعلام عن الواقع الذي عاشه الإنسان القديم. ومع ذلك لا يمكن القول بأن التاريخ هو فن الرواية مثلا، رغم أن العلاقة بين التاريخ والأدب الروائي، فيها تشابهات كثيرة، أهمها أسلوب القص، ومحاولة سبر أغوار المجتمع والإنسان بصفته نتاجا للمجتمع. وهناك فروق، ففي حين يشمل النص الروائي على الخيال الجامح نجد أن التاريخ لا يستطيع إلا أن يلتزم بالحقائق الثابتة، وإلا فقد من قيمته المرجعية والعلمية.

هل كان يمكن فهم الواقع الاجتماعي لما يسمى بالعصر الجاهلي دون المعلقات الشعرية؟

هل كان يمكن فهم أحداث طروادة والتاريخ الإغريقي دون العودة إلى ملحمة هوميروس وكتابات سائر الشعراء الإغريقيين ؟

ألا تروي أساطير العراق القديمة وآثاره تاريخ العراق وحضاراته متعددة الوجوه؟

ألا تروي أساطير التوراة حكايات السبي اليهودي والخروج من مصر، وبعض تاريخ الحروب والغزو في العالم التوراتي القديم، وخاصة في بلاد الكنعانيين؟

ألا تحكي لنا آثار الفراعنة وقصصهم ودياناتهم تاريخ مصر الفرعونية وحضارتها؟

بالطبع لا يمكن اعتماد الأساطير والقصص كمرجع تاريخي موثوق، إنما هي دلائل لابد من العودة إليها لفهم طبيعة التطور ومستوى المجتمعات ورقيها، وأحداثها، وتبقى مهمة المؤرخين وعلماء الآثار إقامة الدلائل العلمية، والفرز بين الحقائق وبين التخيلات.

وأكاد أجزم أن الإعلام حتى في زماننا المعاصر لم يخرج بعد من النشر المتخيل ومحاولة استباق الحدث عبر القراءة المستقبلية للأحداث، أو تحريفه بما يتلاءم مع الموقف والرأي الذي ينطلق منه الإعلامي، أو أصحاب الشأن في الوسيلة الإعلامية.

التاريخ الذي هو صورة عن عملية التطور الفعلية، هو بنفس الوقت يعتبر انعكاسا للحدث في الفكر، ولا نحتاج إلى الكثير من البراهين لنثبت أن انعكاس الحدث في الفكر قد يختلف بين مشاهدي نفس الحدث، ونجد روايات متناقضة من شهود عيان، انعكس الحدث في ذهنهم بصورة مختلفة، وأحيانا متناقضة عن انعكاسه في ذهن الآخرين.

إذن التاريخ لا يعتمد على التصوير المباشر للأحداث، وإلا تحول إلى كتابة صحفية آنية، التاريخ يعتمد على تحليل عملية التطور (الحدث) وتشكلها، تحليل ما بين مركبات الحدث، والتفاعلات بينها، والمؤثرات الذاتية (النشاطات التي تسرع أو تبطئ) والموضوعية، والتاريخ يرى التطور المنطقي في الأحداث والمعالم. لذلك يمكن وصف التاريخ بالحدث المنطقي المجرد من التسويق الصحفي، وإثارة دهشة القارئ كما في أسلوب القص الأدبي، بل هو نص يروي حقائق التطورات والأحداث عبر الالتزام بالمنطق العقلاني وسيرورته الذاتية.

يرتكب الإعلام بالتأكيد، في دوافع تسويق “منتوجاته”، تشويها للتاريخ (الخبر – الحدث – المقال – التحليل الإخباري)، وهذا الأمر يبرز أكثر في إعلام لدول تفتقد للديمقراطية والتعددية الفكرية، وتتميز بقمع الفكر المختلف. ويؤسفني ان العديد من دول عالمنا العربي غارقة بقمع الفكر السياسي والاجتماعي المعارض، أو المنادي حتى ببعض الإصلاح الشكلي، وهذا ينعكس أيضا على كتابة التاريخ، وعلى العلوم وعلى تطوير مناهج اجتماعية، ودراسة العديد من القضايا التاريخية، والعلمية ذات الصلة بالتاريخ أيضا، مثل نشوء الإنسان وتاريخ المجتمع البشري، وتطور العلوم والتكنولوجيا والفكر الفلسفي وغيرها من المواضيع التي تسبب نزاعا مع الفكر السائد والمسيطر على أكثرية مناهج العالم العربي ودول العالم الثالث.. والذي ينعكس بقوة في إعلامها.. وبغض النظر إذا كان إعلاما مستقلا (شكليا بالطبع) أو إعلاما مملوكا للنظام.

لا يمكن النظر إلى الحدث الإعلامي بمعزل عن الظروف التاريخية التي وقع فيها، وهذه ليست وظيفة الإعلاميين، إلا قلة منهم، قد تكون أقرب في نشاطها إلى المؤرخين من حيث بحث الظروف التاريخية الملموسة التي تقود إلى ما نشاهده من تطورات إخبارية – صحفية.

ومع ذلك لست ممن يرون أن إعلام الأنظمة الديمقراطية ينهج بمصداقية وحيادية، هذا المنتج غير موجود إلا بالنظريات، وتبقى المسالة نسبية، ولكن يجب عدم إقناع الذات أن الوضع بين الإعلام الحر والإعلام الخاضع للرقابة، يولد إعلاما يشوه الحقائق. فضاء الحرية هو فضاء للإبداع أيضا، ولطرق المواضيع الممنوعة، وعدم التساهل مع الفساد السياسي أو الاجتماعي أو الأخلاقي، وهي مسائل تصب في النهاية في خدمة المجتمع، وبالتأكيد في خدمة عدم تزوير التاريخ.

إن المهمة التي يتميز بها المؤرخون، أنهم لا يذهبون فقط إلى التفسير الصحيح لنشوء الأحداث، وإنما أيضا لفهم اتجاه تطورها مستقبلا، عبر الارتباط بين الحدث العيني نفسه، وبين تطور مجمل المعلومات وتشابكها، ومجمل المؤثرات وامتداداتها في مجرى التغير التاريخي للممارسة البشرية .

من الضروري في هذا الموضوع المثير أن ننتبه إلى أن الأفكار والمفاهيم التي يكتسبها الإنسان في مراحل حياته، خاصة الأولى، هي مفاهيم وأفكار وأحكام غير مبنية على التجربة والممارسة، ومن الصعب على الأغلب تغييرها على أساس التجربة الذاتية أيضا، إذ تبدو يقينية ثابتة، وهذا ينعكس في الإعلام ، بغض النظر إذا كان إعلاما يتمتع بالحرية الكاملة أو غير ذلك.

وقد تنبه الفيلسوف الفرنسي ديكارت لهذه الناحية البشرية، وأطلق عليها اسم: “مذهب الأفكار الفطرية” والذي يتكون كنتيجة طبيعية لعدم قدرة الإنسان على تبيان طريق تشكيل الأفكار والمفاهيم، عبر نفي دور المعرفة التجريبية في هذه العملية.

ما دخل هذه التفاصيل في موضوع الإعلام والتاريخ بشكل عام؟

أنا من أصحاب الرؤية الشمولية التي ترى بالمعارف الإنسانية وحدة شاملة لا يمكن تجزيئها. والمعارف لا توجد بحالة انفصال بل بتواصل وتداخل لدرجة يصعب فصلها.

بالطبع للإعلام في واقعنا دور مؤثر ،وبالغ الخطورة على تشكيل الوعي والدفع نحو مواقف معينة، بغض النظر إذا كان يدفع نحو الحقيقة أو نحو خدمة موقف مسبق. وينعكس هذا التأثير بالتأكيد على صياغة النص التاريخي.. وربما على ما هو أبعد من ذلك، بالتأثير على الواقع السياسي و الاجتماعي والاقتصادي في دول العالم المختلفة.

ولا يعني ذلك ان التاريخ متحرر من ظواهر مماثلة، ولكننا نتحدث عن فكرة عامة، ويبقى التقييم الذاتي لكل مؤرخ أو إعلامي هي المسألة الفاصلة في دوره كمصدر موثوق، او مصدر يهدف خدمة مواقف مسبقة. وكثيرا ما واجهنا مؤرخين يغيرون من روايتهم التاريخية، كالمؤرخ بيني موريس مثلا في روايته وتحليله لتاريخ النكبة الفلسطينية. ان قيمة المؤرخ في قدرته على الوصول إلى الحقائق عبر عملية المقارنة والفرز بين أطنان المعلومات الصحفية والالتزام بما هو موثوق.

الملاحظة الأخيرة التي أرى أهمية لها، تتعلق بتأثير الحريات الصحفية على نوعية الخبر الصحفي، وقيمة الإعلام ومصداقيته.

أنا لا أعيش في وهم بأن مساحة الديمقراطية هي المقرر الأساسي في مصداقية الإعلام. هذا الأمر مناف للواقع، حتى في الدول التي توفر حرية واسعة جدا للإعلام بكل أشكاله. صحيح أن الإعلام المعاصر لم يعد، شكليا على الأقل، إعلاما موجها ومبرمجا. هناك سقوط للإعلام الحزبي، أو ما يعرف بالإعلام الملتزم لنهج فكري محدد، وهو إعلام من المشكوك أن يتناوله المؤرخون كمرجع موثوق للتاريخ، ولكن للأسف نشهد إعلاما يدعي الانفتاح على مجمل الآراء، وفي التطبيق يفقد بوصلته المستقلة ويغرق في النهج الذي يبدو له مقبولا من القراء، وينغلق على اتجاه يقتل جوهر الصحافة ومميزاتها الأكثر أهمية، باعتبارها مرآة للفكر الاجتماعي والسياسي.

من الصعب تسمية هذه الصحافة بالإعلام إلا شكلا فقط. ومن المستحيل الاعتماد عليها كمرجع لأي موضوع كان؛ لذلك مساحة الحرية هي مساحة هامة جدا، ومسؤولية هذه الحرية لا تقل أهمية عنها حتى في ظل أنظمة قمعية.

نحن نعيش عصر ثورة المعلومات، والإعلام هو جزء صغير من مصدر هذه المعلومات، ومع ذلك دور الإعلام يتميز بقيمة كبيرة نظرا لقدرته على التأثير السريع والمباشر على مجمل الرأي العام في المجتمعات البشرية.. غير أن التاريخ له مضامينه غير المطلوبة في العمل الإعلامي ، وله مصادره الأكثر اتساعا، وأساليبه البحثية المختلفة عن الإعلام، وأدواته التحليلية التي تقربه أكثر من العلم وليس من عنصر الاتصالات التي تميز الصحافة، وأن لا ننسى أن التاريخ لا يكتمل اليوم تسجيله بدون العودة إلى الوثائق في أرشيفات الدول المختلفة، والتي يبقى بعضها رهن السرية لعشرات السنين، ولكن مصير الحقيقة التاريخية دائما أن تظهر ولو بعد أكثر من جيل، مثلا مضت ستون عاما على النكبة الفلسطينية، وبعد أن فتحت بعض الأرشيفات السرية في إسرائيل، جاء مؤرخ يهودي مثل الدكتور “إيلان بابه” ليكشف أن قادة الحركة الصهيونية خططوا ومارسوا التطهير العرقي ضد أبناء الشعب الفلسطيني ذكر ذلك في كتابه (التطهير العرقي في فلسطين).. أي انه أكد الرواية الفلسطينية. بينما الإعلام يعتمد أكثر على الحدث في لحظته، وعلى عناصر التشويق والتسويق والتحريف أحيانا، ويمكن محاولة تفسير ما نرى ونسمع بشكل مختلف ومتناقض، كما حدث مثلا بحادثة استشهاد الصبي الفلسطيني محمد الدرة؛ حيث تدعي إسرائيل أن الرصاص الذي أردى هذا الفتي الفلسطيني قتيلا، لم يكن رصاص جنودها، وإنما رصاص الفلسطينيين. وكنت أنا شخصيا من المشاهدين بالبث الحي والمباشر لحادث مصرع هذا الطفل بالصوت والصورة، وكان المصور يتكلم بوضوح عن مصدر إطلاق النار، والمأزق الصعب للطفل محمد ووالده في مواجهة النيران الإسرائيلية القاتلة.

إذن التاريخ أكثر شمولية واتساعا من الإعلام. فبالنسبة للتاريخ ليس مهما تتبع ووصف كامل لمجرى العملية بكل تفاصيلها وأحداثها، الجوهرية منها وغير الجوهرية، كما في الإعلام.. وإنما تحليل تطور الشيء وتشكله، وتأثير القوانين والروابط والتفاعلات، بترابط مع المنطق.