جرائم الإعلام

ثقافة عامة

غدا الإعلام اليوم أهم وسيلة للتواصل بين البشر، وأصبح قوة هائلة من يمتلكها بوعي وجدارة يكون قد كسب إحدى أكبر جولات التأثير على الرأي العام .

الإعلام اليوم هو أحد أهم مصادر تشكيل الرأي العام وهو أحد الوسائل البارزة لصياغة أنماط التفكير ومعايير القبول أو الرفض لثقافات العالم، وباتت بصمته على الأشخاص المولعين بالتلفاز أو الإنترنت أكبر من أن تنكر وأبرز من أن يتجاهلها المعنيون بمستقبل الأجيال التي وإن ارتفع سقف خياراتها الاتصالية إلا أنه لم يتزامن معها ارتفاع سقف الأداء التربوي الذي ظل أداءً باهتا في كثير من البيوت والأسر التي أصبحت عاجزة عن التكيف مع الثورة التكنولوجية ، حيث صدم بها جيل كامل من المربين عجز عن ترشيد الاستخدام التكنولوجي ولم يفهم كيف يصنع لأبنائه مظلة تقيهم شرور الثورة الاتصالية. وآثار الإعلام المغرق في صناعة الوهم بعيدا عما ينقذ الإنسان ويضعه في مكانه اللائق به.

لقد كان للإعلام أثره المدمر على المتلقين عموما وعلى المتلقي المسلم والعربي خصوصا وبدا ذلك واضحا في آثار التغريب وسموم التقليد الأعمى التي أذهبت عنه الكثير من الملامح الذاتية وجعلته مسخا لا هو بعربي الهوية ولا بإسلامي الانتماء، بل هو خليط مشوه في الفكر والعلم والعمل.

جرائم الإعلام
ولم يعد الإعلام وسيلة للترفيه أو نشر الأخبار فحسب ، بل غدا صانعا للأفكار منتجا للقيم مهندسا للنجاح أو صانعا للفشل. وإلا .. فمن الذي أضر بالعلاقة بين الرجل والمرأة، هل هو الدين أم هو الفن الهابط؟

ومن الذي أضعف السير الطبيعي لمسيرة التنمية المجتمعية؟ هل هي الرؤية التي تعتمدها الأديان السماوية، أم هي النظرية الهابطة التي تعتمدها أغلب المسلسلات والأفلام.

ومن الذي أثار الشكوك في المجتمعات، وزرع انعدام الثقة بين أفراد البيت الواحد، وغذّى تلك المشاعر بأفكار ضيقة حول طبيعة العلاقة بين الجنسين؟

من الذي أوحى للفتاة بأنها دائما تحت المجهر، وأنها إن لم تكن مطلوبة فسوف تبور، ويُقضَى على مستقبلها، الأمر الذي ملأ رأسها بالأوهام والوساوس، وجعلها تفسر كل نظرة وكلمة تقال لها تفسيرا ساذجا ينم عن جهل مرعب بكيفية النجاح في التعامل مع الحياة والأحياء، بدون التعرض لتجارب مؤلمة تكون لها تبعاتها ونتائجها العكسية.

وكيف اختزلت العلاقة بين الجنسين بهذا الشكل القبيح الذي ليس فيه للكرامة والاحترام المتبادل نصيب؟

وأي حصاد يمكن جَنــيُه من وراء الدور الإعلامي الماكر الذي تعسف في طرحه لهذه المسألة وأثار لغطا في المجتمع، وخرج منتصرا بعد سلسلة الانكسارات التي أثارها ـ ولا يزال ـ في عقول الآباء والأمهات فضلا عن الفتيان والفتيات؟!

في واقع الأمر لا يعرف بالتحديد أول عقل مريض تفتق عقله الماكر عن حيل فنيّة لزراعة الوهم في عقول الشباب من الجنسين!!

لا نعرف اسم أول رواية غير أخلاقية انتشرت في الأسواق وتلقفتها يد مخرج عابث أراد أن يتّجر بالعواطف، ويمارس غشا ثقافيا مكشوفا لم يجد له من يردعه أو يأخذ على يده!!

لا نعرف اسم فريق العمل الذي تجاوب معه، والذي ربما لم يجد كاميرا في ذلك الحين تسجل ذلك العمل وتنشره في الفضائيات؛ لأنه حينها لم تكن هنالك فضائيات، وكان التفكير بها نوعا من أحاديث خرافة، أو مواعيد عرقوب مع زمن ظن بأنه لن يجيء!!

أياً ما كان اسم كاتب الرواية التي نفس بها العقل المريض عن أفكاره الخاصة تجاه هذه المسألة، فإن العبث يظل سيد الموقف، والمحرّض الفعلي على إنتاج أعمال تطورت مع الزمن بين مسرحية وفيلم ومسلسل؛ تدور في فلك الوقوع في الأسر بعد النظرة الأولى، والباقي بات معروفا للجميع.

إن إثارة مثل هذه الفوضى في توصيف العلاقات الإنسانية هو الذي عاد بأوخم العواقب وأسوئها على منظومة الأفكار الخاصة بالكثيرين، وتسبب في ضياع مستقبل كثير من الفتيات، وأمرض مجتمعات كانت في عافية، وأسقم حياة أسر كانت ترف في الصحة والسعادة.

إن من يتأمل الصور غير النظيفة التي تكسرها المسلسلات إلا في بعض التجارب المتميزة؛ يلمس أن هناك غسيلا منظما للأدمغة بهدف إزالة قيم أصلية وأصيلة لصالح قيم تستهلك طاقة الشباب، وتصرف تفكيرهم نحو تقليد تلك القصص المفبركة على شاشات التلفاز.

وحين يغيب العقل، وتصبح العواطف المتفلتة سيدة الموقف يفقد المجتمع كثيرا من طاقاته التي أهدرت في غير طائل، وعطلت لغير سبب.

إن استلاب عقول المتفرجين، والضحك عليهم من خلال الترويج للإسفاف والهبوط؛ تسبب في كثير من العثرات والخيبات التي منيت بها أسر تأثر بعض أفرادها بالحملات الفنية الخبيثة الغاية، ولعل من النتائج غير المباشرة للعروض الإعلامية التي اختزلت العلاقة بين الجنسين في صورة قمينة، لا ترقى على الإطلاق للسير بأصحابها نحو هدف سام أو غاية شريفة ردود أفعال أولياء الأمور الذين تخوفوا من أن تصل شظايا القصص الغرامية إلى بيوتهم وبناتهم، فآثروا حمايتهم بجملة من الوسائل التي لا ترقى لأن تشيع الفضيلة وتجذر لها في النفوس.

فالمنع والحجز والتضييق على الفتيات من مشاهدة التلفاز ليس هو الحل الأمثل لحمايتهن من التأثر بالهابط من الأعمال.

ولغة التهديد والوعيد لغة تولد ميتة؛ لأنها لا قدرة لها على مخاطبة العقل، أو بناء الشخصية القوية التي تميز بين الخطأ من الصواب وتحرص على الاستقامة عن رغبة واقتناع.

ما يضمن حماية الذات الإنسانية من الشرود والانحراف سلسلة مترابطة الحلقات من الوسائل الذكية التي تمارس بحكمة ووعي ودراية.

هذه السلسلة من الاختيارات، يشترك البيت والمدرسة في الإتيان بها، أما الإعلام فعليه السلام حتى يأتي اليوم الذي يستفيق فيه النيام!!
ــــــــــــ