المخابرات والإعلام.. واللعبة الخطرة!

ثقافة عامة

كل قطرة دم تراق لصحفي في أرجاء الدنيا يتحمل الأمريكيون قسطا من المسؤولية عنها، حتى وإن لم يكن لهم بها أي صلة، لأنهم أول من سن السنة الإجرامية بتوريط الصحفيين في أعمال لها طابع أمني واستخباراتي.

وفي السنوات الأخيرة، حيث الفضاء الإعلامي المفتوح والمتداخل، والصراعات المفتوحة إعلاميا وسياسيا وأمنيا بين أجهزة الاستخبارات في أكثر من بلد ونشطاء معادين لها، وقعت التباسات عديدة ظلت فيها الاتهامات مفتوحة بدون إجابة وبدون حسم حتى الآن.

جدد هذا الملف الأسبوع الماضي واقعة اعتقال المخابرات الإيرانية للقيادي عبد الملك ريغي زعيم تنظيم جند الله الذي يناضل من أجل حقوق السنة البلوش في إيران، وكان جند الله قد فرض نفسه على الإعلام العالمي بعد “ضربة” مروعة للحرس الثوري الإيراني قبل عدة أشهر راح ضحيتها قيادات من الوزن الثقيل وأحرجت إيران وأذرعها الأمنية كثيرا.

الإيرانيون تكلموا كثيرا عن طريقة اعتقال ريغي الذي اعتبروا القبض عليه انتصارا سياسيا وأمنيا كبيرا، وتناقضت روايات القيادات الأمنية والسياسية والإعلامية، حتى ظهرت الحقيقة وهي أن الاستخبارات الباكستانية سلمت ريغي إلى إيران قبل أسبوع من إعلان إيران رسميا اعتقال الرجل، أي بعد أن “اعتصروه” وأخرجوا كل ما يمكنهم إخراجه منه ورتبوا التسجيلات التليفزيونية الدعائية معه وغير ذلك من ترتيبات معروفة.

اعتقال ريغي وقع بعد وقت قصير من لقاء تليفزيوني معه أجراه مراسل قناة العربية في باكستان “بكر عطياني”، وكان هذا هو الخيط الذي بدأ منه الوصول إلى “ريغي”، لأنه تم اتهام باكستان صراحة بوجود “الصيد” على أراضيها، ولا يعني هذا بطبيعة الحال تواطؤا من المراسل، فحقيقة هذا الأمر علمها عند الله وعند أطرافها فقط، وإنما القدر المؤكد أن خيط الوصول إلى “ريغي” بدأ من عنده.

والأمر المثير للدهشة أن باكستان الحليف الاستراتيجي والاستخباراتي والأمني الأكبر للولايات المتحدة في المنطقة يقوم بتسليم معارضي “إيران” لاستخبارات الدولة التي تمثل عدوا مفترضا للولايات المتحدة، الأمر الذي فتح الباب واسعا حول “أنفاق” أمنية مفتوحة بين الاستخبارات الثلاثة: الأمريكية والباكستانية والإيرانية، خاصة بعد التعاون المثمر لإيران مع الأمريكيين في الملف الأفغاني وقيام الحرس الثوري بتدريب الشرطة والأمن الأفغاني بالاشتراك مع مرتزقة “بلاك ووتر”.

واقعة اعتقال ريجي تذكر بنسخة مطابقة لها حدثت قبل سنوات، في الإيقاع بخالد شيخ محمد ورمزي بن الشيبة، القياديين الكبيرين في تنظيم القاعدة، وقد حدثت الواقعة بعد حوار شهير سجله معهما الإعلامي المعروف “يسري فودة” وكان مراسلا لقناة الجزيرة وقتها، وانتشرت روايات كثيرة حول طريقة الوصول إلى الاثنين، واتهم فوده علانية من جهات عديدة بالتواطؤ، ونفى فودة علمه بأي شيء، ولكن المؤكد أن “خيطا” بدأ من عند هذه المقابلة انتهى إلى الإمساك بأهم رجلين في القاعدة اصطادتهما الولايات المتحدة حتى الآن، الكاتب الصحفي الأمريكي المعروف “رون ساسكند” وهو صديق حميم ومقرب من رئيس الاستخبارات الأمريكية وقتها “جورج تينت”، نشر كتابا مؤخرا بعنوان : ـ “عقيدة الواحد في المائة”، the one percent doctrine”، حكى فيه تفاصيل غريبة، منها أنه تم زرع “جهاز معدني” صغير موصول بالأقمار الصناعية بحذاء المراسل، وتم تتبع خط سيره من خلاله للوصول إلى الصيد الثمين.

كما يحكي “ساسكند” مشهدا مثيرا عن واقعة الإمساك بخالد شيخ محمد، وهي أن “جورج تينت” مدير الاستخبارات الأمريكية وقتها كان يجلس مع قيادة خليجية كبيرة في غرفة فسيحة مجهزة وهم يتابعون واقعة الوصول إلى خالد شيخ محمد لحظة بلحظة عبر الأقمار الصناعية، وهم يحتسون “الشراب البارد”، بطبيعة الحال، في مثل هذه المتاهات من الصعب الوصول إلى الحقيقة بدقة، غير أن توالي عمليات اعتقال مطلوبين شديدي الحذر والسرية والغموض بعد لقاءات تليفزيونية معهم من شأنه أن يطرح علامات استفهام كبيرة، كما من شأنه أيضا، وهو الأخطر، إثارة الشبهات القوية حول المراسلين والصحفيين وتعريض حياتهم وأمنهم للخطر.