الشخص الدون كيشوت

الصحة والغذاء والطب

امينو, الشخص, كيشوت

مقدمه لابد منها :
دون كيشوت لمن لايعرف هي اسم رواية عالمية للكاتب الاسباني (ميجيل دي سيرفانتس) ويرى الكثير من النقاد أنه أفضل عمل روائي علي الاطلاق
والرواية باختصار مخل هي :
بطل هذه الرواية وهو دون كيشوت رجل نحيل ناهز الخمسين من العمر فشل في كل شئ همَّ بفعله طيلة رحلة حياته فكانت النتيجة حتى أنه كاد أن يفقد عقله
وبدأ يتخيل نفسه فارسا شجاعا فكان يريتدي كل يوم ملابس الفرسان ويأخد رمحه ويذهب للقتال في معارك وهمية حيث كان يحارب طواحين الهواء متخيلا أنها شياطين عملاقه وفي النهاية يعود الي بيته مقنعا نفسه رغم ما يعاني من جروح وآلام انه عاد منتصرا من حربه الوهميه تلك وكان يفعل ذلك ليشعر ولو للحظات انه بطل
وانه انتصر علي الحياة ولو لمرة واحده
لقد قام علماء النفس بتحليل شخصية دون كيشوت ودراستها
البعض رآه رمزا للصراع بين المثالية والواقع والبعض رآه هوَس فقدان الخط الفاصل بين الخيال والحياة والواقعية
وانا وبعد قرائتي لهذه الرواية مرات عديدة على مراحل متفرقة من عمري ومع بعض المعرفة بعلم النفس بحكم دراستي الجامعية وصلت لاستنتاج قد يكون غريبا بعض الشئ وهو ان الدون كيشوت شخص نقابله في كل يوم إما في العمل أو في الحافلة أو وسط الاصدقاء والمعارف في كل مكان يمكن ان نجد دون كيشوت مرتديا قناع التحضر والمدنية والتعقل
لان ما فعله دون كيشوت بطل الرواية ما هو الا ممارسة مبالغ فيها لحيل الأنا الدفاعية أو كما يسميها علماء النفس (ميكنزمات دفاع الأنا)
تأمل جيدا حولك في عملك في الشارع في محيطك وستجد الشخص الدون كيشوت اذا جاز لي اطلاق هذا المسمي
من هو الشخص الدون كيشوت
هو شخص وقع تحت وطأة الشعور بالفشل والنقص مرَّ في حياته بمحطات فشل مثل اي انسان وبدل أن يتعامل مع هذا الفشل تحول لديه لهوس وفكرة مريضة ولا تتعجب ابدا إذا وجدت هذا الشخص من الظاهر ناجحا بل ومرموقا ايضا قديكون رئيسك في العمل او احد زملائك الذين يشار اليهم بالبنان فكل هذا غير كاف لتحكم عليهم بالنجاح او الفشل فالنجاح شعور نابع من الشخص نفسه ومتوقف على وجهة نظره في فكرة النجاح نفسها ولا تتوقع من هذا الشخص الدون كيشوت ان يسير بين الناس مرددا انا مريض انا فاشل اريد الانتقام بالعكس ان هؤلاء الاشخاص غالبا لديهم القدرة علي اخفاء هذا الشعور بل انهم يتعمدون اظهار العكس تماما
وقد يقول قائل : اذا اين المشكلة ؟ المشكله هو ان حالة الدون كيشوت هذه مثلها مثل اي مرض لابد له من الظهور طالت فترة حضانته او قصرت فاذا ما تفاقمت وألحَّت الفكرة المجنونه على هذا الشخص يبدأ رويدا رويد في فقدان السيطرة علي عقله فيعمل علي خلق حرب لا وجود لها مع اعداء وهميين او طواحين الهواء كما وصفها الكاتب وسيدهشك ذكاء هؤلاء الاشخاص وحنكتهم في التفسير والتحليل واختلاق الاسباب اختلاقا
وغالبا مايعاني الشخص الدون كيشوت من عقدة اضطهاد لا يتواني ابدا في اظهارها امام الناس فهو يحاول ان يؤكد لمن حوله انه محاصر بالحاقدين والمتآمرين حتى يثبت لنفسه قبل ان يثبت للاخرين انه شخص ناجح والا لما ابتُلِيَ بالحاقدين والكارهين .. واتذكر جيدا مثلا ذكره احد الاساتذة الذين درسوني في الجامعة هو انه ( اذا قام شاب بمعاكسة فتاتين تسيران معا في الشارع وكانت احدهما قبيحة اوبالاحري تشعر انها قبيحة فتاكد ان اول من سيرد علي هذا الشاب ويوبخه هي القبيحة وذلك لتثبت لنفسها ولمن راي الحادثة انها جميلة والا لما قصدها هذا الشاب دون غيرها بكلمات الغزل فهي تحاول ان تدفع عن نفسها ذلك الشعور بالقبح
وهذا نفسه مايحدث مع الشخص الدون كيشوت يفعل اي شئ ليشعر نفسه انه ناجحا حتي ولو كان هذا شعورا وهميا
وليست المشكلة ان تتعامل مع هذا الشخص ولكن الاختبار الحقيقي هو ان يتعامل معك هذا الشخص علي انك طواحين الهواء اي تكون انت ضحيته وكبش الفداء والشخص الدون كيشوت ليست لديه سياسة معينه في اختيار ضحياه فقد تكون ضحيته شخصا قابله في وقتا كان الشعور بالنقص والفشل مسيطرا عليه تمام
ومن الوارد ايضا ان تصدر منك اي كلمة او فعل غير مقصود فيستفز ذلك الشعور داخله وستكون انت بالطبع اول المرشحين للعب دور طحونة الهواء


فلا تتعجب ابدا اذا وجدت احد الاشخاص ناصبك العداء فجأة وبل وأعلن الحرب عليك لمجرد كلمة ذكرتها انت اثناء حوارا دار بينكما وانت لم تكن تقصده ابدا وهو ايضا رغم كل ماسيدعيه ورغم كل ما سيظهره من غضب يعلم جيدا انه غير المقصود بكلماتك او فعلك ولكنه في امس الحاجة لكبش فداء او عدو وهمي ليفرغ فيه ما يعتمل في نفسه من ثورة احاسيس مريضه
واذا كنت اول مرة تتعامل مع هذه النوعية من البشر فبالطبع اول ماستشعر به هو الدهشة ثم الغضب العارم وسيتردد في ذهنك سؤال واحد وهو كيف ولماذا ؟
كيف يتجرأ ذلك الشخص علي اتهامك ولماذا انت بالذات ولن تجد اجابة علي اسئلتك تلك وستنتقل وبسرعة الي فكرة ضرورة الرد علي هذا المتعدي والثار منه
ومن خلال تجربة اشخصية مع هذه النوعية والتي قد تعلمت منها الكثير والكثير استطيع تلخيص افضل استراتيجية للتعامل مع الشخص الدون كيشوت وهي :
اولا : وقبل اي شئ فالمفتاح السحري للنجاح في التعامل مع هذا الشخص هو الا تتعامل معه علي انه خصم او عدو بل تعامل معه علي انه مريض
فهو لايكرهك ولايقصدك انت تحديدا فهو في حاجة لاي مبرر لدفع كل ما يعتمل في داخله وللاسف كنت انت كبش الفداء فاذا تيقنت من ذلك وآمنت بتلك الفكرة فانت امسكت باول الخيط الصحيح للتعامل مع هذا المسكين
1 . اياك ثم اياك من الوقوع فريسة لاستفزازه فرغم ان هذا الشخص قد يكون في الاصل انسانا محترما ذو شرف ومبادئ الا انه في هذه الحالة سيدوس علي اية اعتبارات واية مبادئ وسيستخدم اقبح الالفاظ واكثر الاساليب وقاحة ليدفعك لفعل اي تصرف احمق فيثبت لنفسه وللناس انك تستحق كل ما يفعله معك وانه مجرد انسان يستخدم حقه المشروع في الدفاع عن نفسه ضد مؤامرتك الدنيئه طبعا
فاذا فعل ذلك فالتزم الصمت وردد بينك وبين نفسك (دون كيشوت) (دون كيشوت)
2 . لا تفكر ابدا في التحدث معه بتعقل وتقديم اي مبررات او تفسيرات لتوضيح ما قد تظنه انت لبسا او سوء فهم لانه لن يعطيك الفرصة لذلك فهو ليس في حاجة لمبررات هو يريدها حربا وكفي والا لماذا ناصبك العداء منذ البداية فلاتقدم علي هذه الخطوة ليس لغرور او كبر بل لصون مقدارك ولانه لاجدوي منها فهو حلل وفسر والقي الاتهامات واصدر الحكم وشرع في تنفيذه كل هذا دفعة واحدة دون ان يتوقف لحظة ويسألك او حتي يسأل نفسه فاتركه يخرج ما بداخله من حمم الغضب ولاتسأل ابدا لماذا بل ردد دائما ( دون كيشوت )
3 . لا تفكر ابدا ابدا ابدا في الاشتباك معه او الرد عليه لا في غمرة انفعاله ولا بعدها لا اثناء تلك الحرب المفتعله ولاحتي بعد نهايتها لانك ان فعلت ذلك حققت له مايريد وهو ان يتحول ما اختلقه من حرب ملفقه الي حرب ومعركة حقيقية لأنك بهذا ستصبح خصما بالفعل ولكن عدم دخولك معه في حلبة المصارعة سينهي المعركة قبل بدايتها وسيستمر الصراع بينه وبين نفسه ولاننا بشر فأول ما سيتبادر لذهنك وقتها هو (لماذا لا ادافع عن نفسي ضد هذا المتعدي ) فاذا ما ألح عليك هذاالسؤال فجرب تلك الحيلة البسيطة تخيل انك تسير في الشارع فتعرض لك شخص مجنون او أبله وأخذ في سبك وبأقبح الالفاظ امام المارة فماذا ستفعل فان رد الفعل الطبيعي لاي عاقل هوانه سيكمل سيره دون التوقف ولو لحظة للرد عليه ومنذ متي يرد علي المجنون
وهكذا الامر فان الشخص الدون كيشوت في هذه حالة يفقد السيطرة علي عقله تلح عليه فكرة واحدة ويفعل اي شئ لتنفيذها
4 . اعلم جيدا انه مهما طالت تلك الحرب فهي منتهيه لامحاله اما اذا اندفعت وشاركت بها ستنتهي ايضا ولكن ابشع نهاية تتخيلها بالنسبة لكليكما وحتي تحمي نفسك من اي استفزاز ايا كان فالافضل لك سد اذنيك عما يقوله وعدم رؤية مايفعله تعامل معه علي انه غير موجود بالمرة
5 . اعلم ان صمتك هذا لن يهدئ منه بالعكس سيثير جنونه وبشده ولو استطاع سلخك حيا وقتها لفعل لانك وبموقفك هذا اجبرته علي خلع قناع التحضر والتجمل الذي كان يرتديه امام الناس وهنا سيلجأ الي الحيلة او المرحلة الثانية فسيبدأ في توجيه التهم الي نفسه والرد عليها بنفسه حيث سيصل منحني جنونه الي قمته
اكتف انت بدور المشاهد وستشعر حينها انك تشاهد عرضا هزليا غير متقن الصنع وصدقني لن تجد في نفسك تجاه هذا الشخص اي مشاعر كره او حقد وانما هي الشفقه اجل الشفقه تجاه شخص حاول ان يظهر في منتهي الذكاء فكان صورة مجسمة للغباء وسعى لرؤية نظرات الانبهار والاعجاب فلم يجن سوي الامتعاض والشفقه
ولا تنس ترديد التعويذه السحرية (دون كيشوت)
6 . ثق ان رد فعلك هذا سيجبره في النهاية علي التوقف والنظر حوله وسيجد نفسه واقفا بمفرده في معركة وهمية يوجه الطعنات واللكمات لنفسه ويرد عليها بنفسه
معركة لا خصم فيها ولا ساحة قتال ووقتها فقط سيدرك نظرات الدهشه الممزوجة بالشفقة البادية في عيون كل من حوله ولانه لن يقبل ان يراه الاخرون مهزوم سيلجا لحيلته الاخيره
وهي لعب دور الشهيد والمضحي .. حيلة ساذجة مضحكة أعلم ولكن كن انت ذكيا وتظاهر بتصديقك لتلك الحيله لكي تنتهي تلك المهزله وردد لنفسك باسما(دون كيشوت)
وقبل ان تطوي تلك الصفحة تذكر ما قلته في البداية وهو ان ذلك المسكين ليس خصما ولا متعديا انما هو عدو لنفسه وخصما لها
وانا لا اطالبك بعد كل هذا بمسامحته والتعاطف معه ابدا ولكن على الاقل لاتحمل له اي كراهية ولا تفكر يوما في الانتقام منه يكفيه ما هو فيه.لا تحاول ان تلقنه درسا
فالايام خير طبيب ومعلم له فهو اليوم اختار خصما يخاف الله ولكنه غدا سيقع في يد من يفوق نوبة جنونه اجراما وقبحا واياك وقتها والشماته ولماذا الحقد والشماته وهو مجرد دون كيشوت
وانت ايها القارئ هل قابلت الشخص الدون كيشوت من قبل واذا كانت الاجابة نعم فكيف تعاملت معه