تعليقات الشيخ عبد العزيز بن باز

اسلاميات

(1) قوله: (نقول في توحيد الله... إلخ).
** اعلم أن التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب ينقسم إلى أقسام ثلاثة: حسب استقراء النصوص من الكتاب والسنة، وحسب واقع المكلفين.
** القسم الأول: توحيد الربوبية: وهو توحيد الله بأفعاله سبحانه، وهو الإيمان بأنه الخالق الرازق المدبر لأمور خلقه المتصرف في صونهم في الدنيا والآخرة لا شريك له في ذلك كما قال تعالى: (الله خالق كل شيء) وقال سبحانه: (إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر) الآية. وهذا النوع قد أقر به المشركون عباد الأوثان وإن جحد أكثرهم البعث والنشور، ولم يدخلهم في الإسلام لشركهم بالله في العبادة، وعبادتهم الأصنام والأوثان معه سبحانه، وعدم إيمانهم بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم.
** القسم الثاني: توحيد العبادة ويسمى توحيد الألوهية وهي العبادة، وهذا القسم هو الذي أنكره المشركون فيما ذكر الله عنهم سبحانه بقوله: (وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب . أجعل الآلهة إله واحدا إن هذا لشيء عجاب). وأمثالها كثير، وهذا القسم يتضمن إخلاص العبادة لله وحده، والإيمان بأنه المستحق لها، وأن عبادة ما سواه باطلة، وهذا هو معنى لا إله إلا الله؟ فإن معناها لا معبود حق إلا الله كما قال الله عز وجل: (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل) الآية من سورة الحج.
** القسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات: وهو الإيمان بكل ما ورد في كتاب الله العزيز وفي السنة الصحيحة عن رسول الله من أسماء الله وصفاته وإثباتها لله سبحانه على الوجه الذي يليق به من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، كما قال الله سبحانه: (قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد. ولم يولد. ولم يكن له كفوا أحد). وقال عز وجل: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) وقال عز وجل: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) وقال سبحانه في سورة النحل: (ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم). والآيات في هذا المعنى كثيرة.
** والمثل الأعلى هو الوصف الأعلى الذي لا نقص فيه. وهذا هو قول أهل السنة والجماعة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان، يمرون بآيات الصفات وأحاديثها كما جاءت ويثبتون معانيها لله سبحانه إثباتا بريئا من التمثيل وينزهون الله سبحانه عن مشابهة خلقه تنزيها بريئا من التعطيل. وبما قالوا تجتمع الأدلة من الكتاب والسنة وتقوم الحجة على من خالفهم. وهم المذكورون في قوله سبحانه: (والسابقون الأولون من المهجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم) جعلنا الله منهم بمنه وكرمه، والله المستعان.
(2) قوله: (قديم بلا ابتداء ..) هذا اللفظ لم يرد في أسماء الله الحسنى كما نبه الشارح رحمه الله وغيره، وإنما ذكره كثير من علماء الكلام ليثبتوا به وجوده قبل كل شيء. وأسماء الله توقيفية لا يجوز إثبات شيء منها إلا بالنص من الكتاب العزيز أو السنة الصحيحة، ولا يجوز إثبات شيء منها بالرأي كما نص على ذلك أئمة السلف الصالح. ولفظ القديم لا يدل على المعنى الذي أراده أصحاب الكلام، لأنه يقصد به في اللغة العربية المتقدم على غيره وإن كان مسبوقا بالعدم كما في قوله سبحانه: (حتى عاد كالعرجون القديم) وإنما يدل على المعنى الحق بالزيادة التي ذكرها المؤلف وهي قوله: “قديم بلا ابتداء” ولكنه لا ينبغي عده من أسماء الله الحسنى لعدم ثبوته من جهة النقل، ويغني عنه اسمه سبحانه (الأول) كما قال عز وجل:(هو الأول والآخر). والله ولي التوفيق.
(3) قوله: (تعالى عن الحدود والغايات ...) هذا الكلام فيه إجمال قد يستغله أهل التأويل والإلحاد في أسماء الله وصفاته وليس لهم بذلك حجة، لأن مراده رحمه الله تنزيه الباري سبحانه عن مشابهة المخلوقات، لكنه أتى بعبارة مجملة تحتاج إلى تفصيل حتى يزول الاشتباه. فمراده (بالحدود) يعني التي يعلمها البشر، فهو سبحانه لا يعلم حدوده إلا هو سبحانه لأن الخلق لا يحيطون به علما، كما قال عز وجل: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما) ومن قال من السلف بإثبات الحد في الاستواء أو غيره فمراده حد يعلمه الله سبحانه ولا يعلمه العباد. وأما (الغايات والأركان والأعضاء والأدوات) فمراده رحمه الله تنزيهه عن مشابهة المخلوقات في حكمته وصفاته الذاتية من الوجه واليد والقدم ونحو ذلك، فهو سبحانه موصوف بذلك لكن ليست صفاته مثل صفات الخلق. ولا يعلم كيفيتها إلا الله سبحانه. وأهل البدع يطلقون مثل هذه الألفاظ لينفوا بها الصفات بغير الصفات التي تكلم الله بها وأثبتها لنفسه حتى لا يفتضحوا وحتى لا يشنع عليهم أهل الحق. والمؤلف الطحاوي رحمه الله لم يقصد هذا المقصد لكونه من أهل السنة المثبتين لصفات الله وكلامه في هذه العقيدة يفسر بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا ويفسر مشتبهه بمحكمه، وهكذا قوله (لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات) مراد الجهات الست المخلوقة، وليس مراده نفي علو الله واستواءه على عرشه، لأن ذلك ليس داخلا في الجهات الست بل هو فوق العالم ومحيط به. وقد فطر الله عباده على الإيمان بعلوه سبحانه وأنه في جهة العلو، وأجمع أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعهم بإحسان على ذلك. والأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة المتواترة كلها تدل على أنه في العلو سبحانه، فتنبه لهذا الأمر العظيم أيها القارئ الكريم وأعلم أنه الحق وما سواه باطل، والله الموفق.
(4) مراده رحمه الله بالعلم المفقود هو علم الغيب وهو مختص بالله عز وجل، ومن ادعاه من الناس كفر لقول الله سبحانه: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) الآية، وقوله عز وجل: (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله) الآية، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: “مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله” ثم تلى: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام ..) الآية. والأحاديث صحيحة وكثيرة وردت في الباب تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب مع أنه أفضل الخلق وسيد الرسل فغيره من باب أولى. وهو صلى الله عليه وسلم لا يعلم من ذلك إلا ما علمه إياه سبحانه. ولما تكلم أهل الإفك في عائشة رضي الله عنها لم يعلم ببراءتها إلا بنزول الوحي، ولما ضاع عقدها في بعض أسفاره صلى الله عليه وسلم بعث جماعة في طلبه ولم يعلم مكانه حتى أقاموا البعير فوجدوه تحته. والأدلة من الكتاب والسنة في هذا كثيرة والحمد لله.
(5) قوله: (ولا نكفر أحدا ...) مراده رحمه الله أن أهل السنة والجماعة لا يكفرون المسلم الموحد المؤمن بالله واليوم الآخر بذنب يرتكبه، كالزنا وشرب الخمر وأمثال ذلك، ما لم يستحل ذلك، فإن استحله كفر، لكونه بذلك مكذبا لله ولرسوله وخارجا عن دينه. أما إذا لم يستحل ذلك فإنه لا يكفر عند أهل السنة والجماعة بل يكون ضعيف الإيمان وله حكم ما تعاطاه من المعاصي في التفسيق وإقامة الحدود وغير ذلك حسبما جاء في الشرع المطهر. وهذا هو قول أهل السنة خلافا للخوارج والمعتزلة ومن سلك مسلكهم الباطل فإن الخوارج يكفرون بالذنوب والمعتزلة يجعلونه في منزلة بين المنزلتين، يعني بين الإسلام والكفر في الدنيا وأما الآخرة فيتفقون مع الخوارج بأنه مخلد في النار. وقول الطائفتين باطل بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة. وقد التبس أمرهما على بعض الناس لقلة علمه، ولكن أمرهما بحمد الله واضح عند أهل الحق كما بينا وبالله التوفيق.
(6) مراده رحمه الله إلا من شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة كالعشرة ونحوهم كما يأتي ذلك في آخر كلامه، مع العلم بأن من عقيدة أهل السنة والجماعة الشهادة للمؤمنين والمتقين على العموم بأنهم من أهل الجنة وأن الكفار والمشركين والمنافقين من أهل النار، كما دلت على ذلك الآيات الكريمات والسنة والمتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك قوله سبحانه: (إن المتقين في جنات ونعيم) وقوله عز وجل: (وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها) الآية. في آيات كثيرات تدل على هذا المعنى، وقوله سبحانه في الكفار: (والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور) وقوله سبحانه: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا) في آيات أخرى تدل على هذا المعنى، وبالله التوفيق.
(7) هذا الحصر فيه نظر فإن الكافر يدخل في الإسلام بالشهادتين إذا كان لا ينطق بهما، فإن كان ينطق بهما دخل في الإسلام بالتوبة مما أوجب كفره، وقد يخرج من الإسلام بغير الجحود لأسباب كثيرة بينها أهل العلم في باب حكم المرتد، من ذلك: طعنه في الإسلام أو النبي صلى الله عليه وسلم أو استهزائه بالله أو بكتابه أو بشيء من شرعه سبحانه، لقوله سبحانه: (قل أبالله وآيته ورسوله كنتم تستهزئون . لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) الآية. ومن ذلك عبادته للأصنام أو الأوثان أو دعوته الأموات والاستغاثة بهم وطلبهم منهم المدد والعون ونحو ذلك، لأن هذا يناقض قول “لا إله إلا الله”، لأنها تدل على أن العبادة حق لله وحده ومنها الدعاء والاستغاثة والركوع والسجود والذبح والنذر ونحو ذلك. فمن صرف منها شيئا لغير الله من الأصنام والأوثان والملائكة والجن وأصحاب القبور وغيرهم من المخلوقين فقد أشرك بالله ولم يحقق قول “لا إله إلا الله”، وهذه المسائل كلها تخرجه عن الإسلام بإجماع أهل العلم. وهي ليست من مسائل الجحود وأدلتها معلومة من الكتاب والسنة, وهناك مسائل أخرى كثيرة يكفر بها المسلم وهي لا تسمى جحودا وقد ذكرها العلماء في (باب حكم المرتد) فراجعها إن شئت، وبالله التوفيق.
(8) هذا التعريف فيه نظر وقصور، والصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر. وقد ذكر الشارح ابن أبي العز جملة منها فراجعها إن شئت. وإخراج العمل من الإيمان هو قول المرجئة وليس الخلاف بينهم وبين أهل السنة فيه لفظي بل هو لفظي ومعنوي ويترتب عليه أحكام كثيرة يعلمها من تدبر كلام أهل السنة وكلام المرجئة، والله المستعان.
(9) قوله (والإيمان واحد وأهله في أصله سواء) هذا فيه نظر بل هو باطل، فليس أهل الإيمان فيه سواء بل هم متفاوتون تفاوتا عظيما، فليس إيمان الرسل كإيمان غيرهم، كما أنه ليس إيمان الخلفاء الراشدين وبقية الصحابة رضي الله عنهم مثل إيمان غيرهم، وهكذا ليس إيمان المؤمنين كإيمان الفاسقين. وهذا التفاوت بحسب ما في القلب من العلم بالله وأسمائه وصفاته وما شرعه لعباده وهو قول أهل السنة والجماعة خلافا للمرجئة ومن قال بقولهم، والله المستعان.
(10) هذا غير صحيح، بل المكلفون يطيقون أكثر مما كلفهم به سبحانه ولكنه عز وجل لطف بعباده ويسر عليهم ولم يجعل عليهم في دينهم حرجا فضلا منه وإحسانا. والله ولي التوفيق.