البيان الختامي لملتقى علماء المسلمين لنصرة شعب فلسطين

ثقافة عامة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه و من والاه وبعد،،،

فإن العلماء المجتمعين بالدوحة يومي الأربعاء والخميس 12و13 ربيع الثاني1427هـ، الموافقين 10 - 11/5/2006م في ملتقى نصرة الشعب الفلسطيني، بحضور ممثلين عن معظم الفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، وحركة الجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والقيادة العامة، وعدد مرموق من قادة الحركات الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي، ورموز الفكر والثقافة والعمل النقابي والمهني والإعلامي، الذين استجابوا لدعوة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، برئاسة العلامة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي.

وبعد أن تبادلوا الرأي في مشورة صريحة للشأن الفلسطيني كله، وبعد مداولة معمقة فيما ينبغي على العلماء والفقهاء والدعاة، وأهل الرأي والفكر والثقافة، أن يعلنوه إلى الأمة وإلى العالم كله وإلى الناس كافة، في الظروف الحاضرة التي تمر بها القضية الفلسطينية، عن الحصار المفروض على أهلنا في فلسطين، وعن بوادر التنازع بين بعض القوى الفلسطينية، وبعد أن استمعوا بعناية كاملة إلى ما قدمه ممثلوا القوى الفلسطينية، القادمين من داخل فلسطين وخارجها، من إيضاحات وافية عن الوضع الداخلي، وما يحكم العلاقات بين أطرافه، وتأثره بالأوضاع الإقليمية والعالمية، انتهوا إلى أن يعلنوا بيانهم الآتي نصه:

أولاً : يجب على المسلمين حيثما كانوا أن يعينوا إخوانهم في فلسطين بشتى أنواع العون بالمال، واللسان والقلم والنفس والعون المالي، وهو اليوم من أوجب الواجبات على المسلمين كافة، وعليهم أفرادًا وجماعات وشعوباً وحكومات أن يسعوا بكل طاقاتهم إلى تقديمه لأهلنا في فلسطين، من أموال الزكاة، ومن أموال الصدقات، ومن الوصايا بالخيرات العامة، ومن جميع صنوف الأموال الأخرى، بل ينبغي أن يقتطع المسلمون نصيباً من أموالهم الخاصة، ومن أقواتهم، لتقوية موقف إخوانهم في فلسطين؛ فإنه ليس منا من بات شبعان وجاره جائع، والمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، وعلى المسلمين كافة أن يسعوا بكل طريق ممكن إلى إيصال جميع صور المساعدة المالية والمادية إلى إخوانهم في فلسطين، ليتجاوزا أزمتهم الحالية، وينجح مشروعهم البنّاء، في تخفيف معاناة أهلنا في فلسطين، وفي تثبيت حقوقهم الشرعية والتاريخية في وطنهم، وقوفاً في وجه محاولات الإبادة والتهجير، التي يقترفها العدو الصهيوني بجميع الوسائل، في كل شبر من أرض فلسطين، وإن البنوك والمؤسسات المالية العربية والإسلامية مدعوة إلى القيام بواجبها في هذا الشأن، بحيث لا تكون أداة في يد أعداء الأمة لكسر إرادة الشعب الفلسطيني وهزيمة مشروعه.

إن الجهاد بالمال بنص القرآن الكريم لا يقل عن الجهاد بالنفس، وهو واجب على الأفراد والمؤسسات، والعلماء إذ يعلنون ذلك يثقون في أن البنوك والمؤسسات المالية في العالمين العربي والإسلامي لن تقف في وجه إرادة الأمة، ولن تخالف الفتوة الشرعية لعلماء المسلمين، فتعرض نفسها لما لا نحبه لها من المقاطعة ونحوها.

ثانياً : إن من حق الشعب الفلسطيني في داخل الأراضي المحتلة في فلسطين التاريخية كلها، وفي الشتات، أن يجاهد في سبيل الله لاستعادة وطنه كاملاً، وتحرير أرضه كلها من النهر إلى البحر، واسترداد حقوقه الوطنية كاملةً، وفي مقدمتها حق عودة اللاجئين والمهجرين إلى أوطانهم وأراضيهم وبيوتهم، وتعويضهم عن سنوات القهر والحرمان التي امتدت نحو خمسة عقود حتى الآن، ولا يجوز لأحد أن يفتي بحرمة الجهاد لاسترداد فلسطين، ولا بتأثيم المجاهدين، ولا أن يصفهم بما يسيء إلى جهادهم أو يسيء إليهم تقليداً للقوى المعادية للأمة وإعلامها المغرض.

ثالثاً : إن حق الأمة الإسلامية في فلسطين التاريخية كاملةً حق ثابت، لا يملك أحد التنازل عن ذرة منه، ولا تسقطه معاهدة ولا وثيقة ولا عهد ولا وعد، ولا يجوز الصلح عليه، ولا على أي جزء منه، وعلى هذا أطبقت فتاوى العلماء قديماً وحديثاً، من يوم بدأت المؤامرة على أرض فلسطين إلى يومنا هذا، وفتاوى المجامع الفقهية العلمية، وفتاوى المراجع السنية والشيعية من علماء الرحمن الذين ابتغوا في فتاواهم وجه الله وحده، والشعب الفلسطيني كله مدعوٌ والأمة من وراءه إلى التمسك في مشروع الأمة في استرداد فلسطين والذود عنه، عملاً بهذه الفتاوى الجماعية التي من شذ عنها شذ في النار.

رابعاً : إن التعاون بين جميع القوى الفلسطينية ضرورة تمليها العقيدة الدينية والمصلحة الوطنية والحكمة السياسية، فالكاسب الوحيد من الخلافات بين الفلسطينيين هو العدو الصهيوني ومن يجري في ركابه، والفصائل الفلسطينية المجاهدة التي حملت سلاحها دائماً في وجه عدو واحد، وحرمت في أحلك الظروف الدم الفلسطيني، وتمسكت بالثوابت الإسلامية والعربية والفلسطينية، مدعوة اليوم إلى نبذ أي خلاف مهما كان سببه، وقطع دابر أي نزاع مهما بدا له من تبرير، والعلماء والفقهاء والدعاة المجتمعون في هذا المؤتمر يفتون بحرمة هذا التنازع أخذًا من قول الله تبارك و تعالى { وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ }[الأنفال:46]، ومن قول الرسول صلى الله عليه و سلم: ( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه).

وإذا كانت الرئاسة الفلسطينية قد نجحت في إجراء انتخابات حرة نزيهة أعلنت عن إرادة صحيحة لشعب فلسطين؛ فإن العلماء يدعونها إلى أن تكون عند مستوى المسؤولية الذي كانت عنده وقت تقرير الانتخابات وإجراءها، وذلك بأن يستمر تعاونها مع من اختارهم الشعب الفلسطيني بإرادته الحرة ليمثلوه في المجلس التشريعي، وتشكل الحكومة التي تدير شؤونه في السنوات القادمة، وهذا التعاون الصادق هو السبيل الوحيد للمحافظة على حقوق الشعب الفلسطيني، وهو السبيل الوحيد لتخفيف معاناته ولتقوية عناصر الصمود والمقاومة فيه، وخير لكل فلسطيني وأزكى له أن يكتب تاريخه في الذين حموا الديار ودافعوا عن المقدسات واستمسكوا بالثوابت، من أن يكتب في غيرهم ممن غيّر وبدل أو نكث وتراجع.

والفقهاء والعلماء يدعون الحكومة الفلسطينية ومؤيديها في كل مكان من أرض فلسطين إلى بذل كل جهد ممكن بإخلاص صادق ونية صادقة ليؤتي التعاون بين الحكومة والرئاسة ثماره.

خامساً : ينبه العلماء والدعاة وقادة الحركات الإسلامية المشاركون في هذا الملتقى إلى أن إخفاق مسيرة الإصلاح والتغيير في فلسطين سيدفع الشعوب الإسلامية إلى مزيد من الإعراض عن الوسائل السلمية، التي يدعو إليها أهل العلم، وأهل الرأي، لإصلاح الأوضاع في بلادنا كلها، وسيؤدي ذلك لا محالة إلى دخول المنطقة في دوامة لا نهاية لها من العنف بين المدافعين عن حقوقهم المشروعة والغاصبين لها، وهو أمر لن يسلم من آثاره وعواقبه أحد في المنطقة، لذا يؤكدون ضرورة العمل الجدي لتحقيق برامج الإصلاح والتغيير التي يتكرر الوعد بها والإيهام بالأمل فيها كلما ضاقت صدور الناس بما يحيونه من أوضاع وما يحيط بهم من مشكلات، ثم يتسارع النسيان إليها حتى تبدو ككلام بالليل الذي يمحوه النهار. إن ذاكرة الشعوب لا تنسى، وحقوقها لا تتقادم، وقادتها أولى الناس بأن يؤدوا إليها حقوقها، وأن يعملوا على إحلال كل إنسان في الأرض العربية والإسلامية المكان اللائق بالإنسان الذي كرمه ربنا تبارك وتعالى حيث قال: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ } [الإسراء:70] .

سادساً : يدعو العلماء المشاركون في هذا المؤتمر قادة العالم وحكامه ومفكريه ومثقفيه وذوي الرأي في كل مكان إلى التنبه إلى مخاطر الصلف الصهيوني، والدعم العالمي له، والإهمال المستمر، بل العدوان الجائر على حقوق الفلسطينيين شعباً وأفرادا. إن كل ذي ضمير حي لا يقبل أن يستمر الوضع المأساوي الفردي والجماعي في فلسطين المحتلة، ولا ريب أن هذا الضمير يدعو أصحابه إلى الجهر بكلمة الحق، ويدعو القادرين على التغيير في البلاد الديمقراطية بوجه خاص إلى حمل قادتهم وحكامهم على إحقاق الحق وإبطال الباطل، فإن عجزوا فلا يكونوا عوناً للباطل وظلمه وطغيانه.

والأمة الإسلامية لن تنسى الشرفاء الذين وقفوا مع قضاياها، ولا سيما قضية فلسطين، مثل موقف الرئيس السويسري أخيراً، وموقف الحكومة السويدية، ومواقف غيرهما من شرفاء العالم كله، ولا الذين يقفون في صف العدو الصهيوني ضد حقوق الأمة العادلة.

سابعاً : إن المشاركين في هذا الملتقى يحرضون الشعوب الإسلامية ومنظماتها الشبابية والثقافية والنقابية وأحزابها وسائر القوى التحررية على تنظيم المسيرات والاعتصامات والاضرابات الإحتجاجية السلمية للضغط على الحكومات المتقاعسة عن نصرة فلسطين؛ حتى تنهض للقيام بواجبها في نصرة شعب فلسطين، وتكف عن كل مسعى تطبيعي مع الكيان الصهيوني الغاصب.

ثامناً : يعلن الملتقى عن تشكل لجنة دائمة منبثقة عنه في إطار الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين لمتابعة الشأن الفلسطيني، والقيام بما يوجبه الوقت من إصلاح ذات البين، أو مد يد العون، أو الدعوة إلى الخير، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لتبقى قضية فلسطين في مكانها المركزي من قضايا الأمة، وليحققوا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).

تاسعاً : لا يفوت المشاركين في هذا الملتقى أن يوجهوا الشكر إلى دولة قطر أميراً وحكومةً وشعباً، وإلى وسائل الإعلام، وبخاصة قناتي الجزيرة والقناة الفضائية القطرية، وإلى جمعية البلاغ الثقافية، وإلى جميع أهل الخير، الذين أسهموا في تيسير إقامة هذا الملتقى، وإلى اللجان من الشباب الطيبين الطاهرين، الذين عملوا متطوعين ليل نهار في وقت قصير جداً، حتى أمكن عقده على هذه الصورة، والله من وراء القصد، وهو سبحانه ولي الحمد، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.